الدين والحضارة …

ليندا  ابراهيم  :

أعرف نفسك …. – syriano    صديقاتي اصدقائي:
لازال الكثير منا في العالم العربي يؤمن أن ازدهار العلوم الدقيقة أبان الأمبراطورية الإسلامية خلال القرون الأربعة الأولى من تاريخ الإسلام، كان بفضل اعتماد الدين الإسلامي مرجعية شاملة في الدولة والمجتمع، وأن مشاهير علماء المسلمين الذين برعوا في مختلف العلوم إنما نجحوا بفضل اعتمادهم على شرائع الإسلام……؟! والحقيقة أن هذه كلام غير دقيق، لم يكن إلا موقفاً إيديولوجياً هدفه الدعاية الدينية، ولم يطابق واقع الحال خلال تلك الفترة التاريخية، ولهذا لم تؤد هذه الفكرة اليوم إلى نهضة العلوم في هذه البلدان بقدر ما ضاعفت من انتشار مظاهر التدين الخارجية مصحوبة بالكثير من الأفكار الخرافية واللاعقلانية، دون ذكر الأفكار السياسية المكرسة للاستبداد والمضادة للتطور…..؟!
أنذاك عرفت الحضارة الإسلامية قسمين مختلفين ومتمايزين من العلوم لا علاقة بينهما:
قسم العلوم الشرعية المتمثلة في التفسير، و الحديث، و الفقه، و أصول الفقه، وعلم الكلام، وهي علوم نبعت من تربة المجتمع الإسلامي وتمحورت جميعها حول النص القرآني ونص الحديث باعتبارهما الأصلين المعتمدين في هذه العلوم، كما ارتبطت بتدبير شؤون المجتمع الإسلامي باعتبار دولة الخلافة دولة دينية قامت على تطبيق شرائع دينية في تدبيرها لشؤونها المختلفة…؟! أما القسم الثاني كان قسم العلوم العقلية أو علوم الفلسفة ويتضمن الرياضيات والمنطق والهندسة والطبّ والطبيعيات والفلك، وهي علوم كلها وردت على العالم الإسلامي بالترجمة عن السريانية والإغريقية واللاتينية،وقد اشتغل على القسم الأول فقهاء الدين وتخصصوا فيه، ومنهم مالك بن أنس وأبو حنيفة وابن حنبل والشافعي ومن سار على دربهم ومذاهبهم من الفقهاء……؟!
بينما القسم الثاني عمل عليه الفلاسفة والمفكرون، ومنهم الكندي وابن سينا والخوارزمي وجابر بن حيان وابن الهيثم والرازي وغيرهم. ورغم أن هذه العلوم مجتمعة كانت تدرس في كثير من الجامعات الإسلامية كالقرويين والأزهر والزيتونة، ما يفسر أن جميع الفلاسفة والعلماء كانوا على إلمام واسع بالعلوم الشرعية الآنف ذكرها، ومنهم ابن رشد الذي لقب بقاضي القضاة، كما أن بعض الفقهاء اطلعوا على بعض العلوم العقلية أمثال الغزالي وإن اتخذوا منها موقفا سلبيا، إلا أن العلوم الشرعية كانت أسبق في التلقين والتحصيل إذ تبدأ منذ الطفولة بحفظ القرآن،
بينما لا يصل الكثير من الطلاب إلى العلوم العقلية إلا بعد سنوات طويلة، وكان أغلبهم يستغنون عنها بسبب التمييز بين القسمين أدى إلى التركيز على الطرف الديني وهجران الطرف العقلي، حيث اعتبر الأول نافعاً في الدنيا والآخرة، وفيه أجر عظيم من الله، بينما اعتبر الثاني مجرد علوم مادية غير نافعة في الآخرة، ولا أجر فيها، بل إن بعض الفقهاء ذمها ذماً شديداً وتهجم عليها بشراسة…؟! هذان القسمان أفرزا منهجين في النظر مختلفين كل الاختلاف، المنهج النقلي الذي اعتمد النصوص الدينية وتفسيرها والعمل على تنزيلها في أرض الواقع، وهذا هو منهج الفقهاء، وقد اعتمد في استنباط الأحكام على القياس الشرعي الذي يقوم على إرجاع الفرع إلى الأصل و هو النص الديني، ما يجعل الحقيقة دائما محدّدة سلفا……؟!
والمنهج الثاني هو المنهج العقلي الذي اعتمد طرائق البرهان والاستنتاج المنطقي والمقارنة والملاحظة والتجربة في دراسة الظواهر الطبيعية ومراقبة الظواهر الفلكية…؟!
وقد اعتبرت العلوم الشرعية أن العقل مجرّد أداة لفهم وتفسير وتطبيق النصوص الدينية، بينما اعتبره الفلاسفة والعلماء والمفكرون منهجاً للسؤال والبحث واكتشاف الحقائق الخفية……؟!
ومن أهم مظاهر الصراع بين المنهجين مفهوم – السببية – حيث اعتبر العلماء والفلاسفة بأن الكون خاضع لنظام سببي تؤدي فيه نفس الأسباب دائما إلى نفس النتائج، مما يسمح بدراسته ومعرفته معرفة علمية دقيقة، بينما أنكر الفقهاء السببية بوصفها نظاما مستقلا وتشبثوا بالتفسير الديني القائل بالإرادة الإلهة التي تتدخل في كل جزئيات العالم…..؟!
لقد اكتسب القسم الأول سلطة سياسية بحُكم ارتباطه بتدابير الدولة في تسيير شؤون المجتمع الإسلامي، بينما الثاني كان يُعتبر نسقا أجنبيا لم يكن يحظى بأية حماية أو شرعية سياسية، ولهذا اشتغل الفقهاء بجانب السلطان بوصفهم من أهل الحلّ والعقد، فتكاثر جمهورهم، بينما اشتغل الفلاسفة والعلماء على هامش المؤسسة الرسمية، فكانوا نخبة محدودة جداً، وهذا ما يفسر الاضطهاد الذي تعرض له جميع الذين اشتغلوا بنسق العلوم العقلية، كما يفسر السلطة التي كانت لدى فقهاء الدين والتي كانت تمنحهم إمكانية محاكمة الفلاسفة والمفكرين الآخرين واتهامهم بالزندقة والإلحاد والكفر وتحريض العامة عليهم.
يقول برتراند راسل : ان الفلسفة توسع عقولنا و تحررها من عقال العرف و التقاليد .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *