ممدوح بيطار , عثمان لي :

لاينكر انسان ذو عقل مهما صغر , ان الفكر الديني يعاني جدا تحت تأثير الضربات التي وجهت اليه مؤخرا عن طريق التواصل الاجتماعي , الذي كشف المستور وأبطل فاعليتة … ان ابتليتم بالمعاصي فاستتروا !, لامجال بعد الآن للتستر على المعاصي, ولا مجال للتأثير على التواصل الاجتماعي من ناحية نزع استقلاليته او معاقبته او الحد من نشاطه أو حتى فضحه او تشويه سمعته او وضعه تحت الرقابة السياسية الأمنية او الأمنية الدينية, خرج التواصل الاجتماعي عن اي سيطرة دنيوية او سماوية !
حيث كثر التستر كثرت الفضائح وكثرت التعرية الضرورية لكشف المستور , ففي مجتمعات هذه المنطقة , التي تدربت وتربت على الأخذ بحقيقة واحدة هي مضمون الايمان الديني , الذي ظل يسرح ويمرح طوال ١٤٥٠ بدون رقيب أو حسيب ,ويفرض عقوبات وحشية كقتل المرتد , اننا نعرف عددا كبيرا من العلماء , الذين قتلوا باىبشع الطرق من حرق وصلب وشيي وتقطيع اوصال , قتلوا وسحلوا جميعا بدون مبالغة !.
ماكشف الستر عنه من تراث , اثار الدهشة والتعجب والاستغراب , ذلك لتناقض الصورة الوردية المكذوبة مع الواقع الذي انتجه الفكر الديني المهيمن,الذي سبب لهذ الفكر الكثير من الاحراج مثل صراعات الخلفاء على السلطة او التأويلات والتفسيرات المتناقضة للنصوص , أو حتى تناقض النصوص مع بعضها البعض , او ماخص اللغة مثل سخافة مايقال عنه بلاغة او تلك الأخطاء اللغوية أو النقل المشوه عن القصص التوراتية او الأساطير الزرادشتية او قصص مثل الاسراء والمعراج , أو تلك المفاهيم المتعارضة مع ابسط حقوق الانسان كتشريع غنائم الحرب بوصفها بالحلال الزلال , ووضع احكام لتقسيمها بين السلطة وبين المحاربين , ثم ازدراء غير المؤمنين والكثير غير ذلك مما أراد المشايخ ابقائه في طي الكتمان وتحت ستر الستار .
يعاني الدينيون من انفصام ادراكي للواقع , كمثال على ذلك نراهم في العديد من النقاشات والحوارات يروجون لعقوبات وطرق تعامل مع قضايا مثل السرقة بقولهم ان عقوبة السرقة هي بتر اليد , مع العلم بأن بتر يد السارق غير معروفة في هذا العصر حتى في الدول التي تعتبر الشريعة مصدر القوانين , اذن الادعاء بضرورة بتر يد السارق ليس سوى ثرثرة لاقيمة لها , الانفصام الادراكي يعني هنا ان هؤلاء لم يدركوا لحد الآن عدم تمكن اي دولة من ممارسة بتر يد السارق , انهم يعيشون تبعا لذلك في واقع افتراضي عمره ١٤٥٠ سنة , وعندما يسأل هؤلاء عن عقوبة تارك الصلاة يجيبون ان القتل هو عقوبة تارك الصلاة , وكم يجب ان يقتل من الناس عندما ندخل المسجد ونجده فارغا من المصلين , أي ان بقية الناس تركوا الصلاة لمرة وحدة الا أنها تتكرر كل يوم , هنا يمكن القول ان هؤلاء يعيشون في واقع افتراضي لم يعد موجودا منذ عشرة قرون على الأقل , يمكن ملاحظة نفس الاعتبارات الافتراضية بخصوص معظم أحكام جوانب الحياة الأخرى .
تثير تلك المواقف الانفصامية الكثير من التعجب حول نوعية الحشوة الموجودة في عقولهم ,فمهما كانت الظروف السابقة أواللاحقة لايمكن لمخلوق بشري ذو عقل بتر يد السارق , خاصة وأن معظم من يروج لتلك العقوبات هم من أكبر اللصوص , ومن يطالب بقتل تارك الصلاة هم أول من تركوا الصلاة , لذا يمكن هنا تشخيص مرض النفاق اضافة الى مرض انفصام الادراك عندهم .
لايقف المتدينون ورجال الدين مكتوفي الأيدي تجاه فضائح وقضايا من هذا النوع , يرتكسون تجاه تلك الفضائح بشكلين ,يتميز الشكل الأصولي الأول بالخروج عن الموضوع مثلا عن طريق الخطاب العدائي للغرب كمغالطة منطقية ثم اعتبار التعرض للفصام والنفاق نقدا سلبيا , اي أن دافع النقد كان الحقد وكره الدين , وكأن حب الدين أمر بديهي , او أنه ولادي وممثل لطبيعة الانسان , الذي عاش ملايين السنين بدون اديان ابراهيمية , عموما لاجدوى من تلك التبريرات الساذجة , التي تضيف اتهامات جديدة على القديمة .
اما الشكل الثاني فهو الشكل الذي يمارسه مايمكن تسميتهم بالاصلاحيين , الذين يعترفون بأشكال متفاوتة بصحة بعض اشكاليات التفكير الديني , هؤلاء يتجرؤون على أسس المنظومة الدينية بازالة صلاحيتها لكل زمان ومكان , ففي وجه تلك الصلاحية يضعون عامل السياق التاريخي , عندما تتم البرهنة عن زيف معجزات زغلول النجار يدعون أن كتاب الدين ليس كتاب فيزياء او كيمياء او ذرة , والأمر ينطبق على الأمور الأخرى المستهجنة والمرفوضة والغير اخلاقية او منطقية , اي ان بعض الأحكام والتعاليم ليست صالحة لهذا العصر , واذا لم تعد صالحة فما هو معنى تقديسها ؟ وما معنى الترويج للفكر الديني ككل , واذا كانت هنك اجزاء لم تعد صالحة فما هو معنى الحفاظ عليها وما هو معنى اعتبار الدين هوية كاملة متكاملة او انه كل هوية هذه الشعوب , هؤلاء يحاولون الالتفاف على الناقدين بتقديم تنازلات نظرية دون المس بتفاصيل النصوص , يعترفون بالخطأ وبأن الخالق لم يعرف مصلحتنا أفضل من معرفتنا لهذه المصلحة , بالرغم من ذلك على الانسان أن يستمر بالايمان ويستمر في اعتبار ماجاء في الكتاب ممثلا لهويته !.
من سيقبل بتكفير جزءا من النصوص او الشك بمفهوم “لاريب فيه وصالح لكل زمان ومكان ” ولا يأتيه الخطأ من امامه أو من خلفه ؟,هؤلاء كثر , ولا نلاحظ لحد الآن ثقلا كافيا للتيار الاصلاحي , لقد حكم على الاصلاحي المستشار عبده ماهر بالسجن خمس سنوات , وسجن الشيخ ميزو لأنه ادعى بأنه لاوجود لعقوبة بتر يد السارق في النصوص , لايمكن تجاهل شنق المفكر السوداني محمود محمد طه لمطالبته بالاعتماد فقط على الجزء المكي من الدين.لا يمكن نسيان المطالبة باعدام طه حسين , كما انه لايمكن تجاهل مقتل شيخ الأزهر سيد طنطاوي في السعودية أغلب الظن بسبب ردته كما ادعت المرتدة ابنته , هناك عشرات الأحداث , التي تدل على ضعف التيار الاصلاحي ,الذي ينشط خارج الدين الكلاسيكي, وكأنه يريد صناعة دين جديد , بخصوص هؤلاء الاصلاحيين لايمكن نفي بعض النفاق والتقية في طروحاتهم .
بالرغم من كل ذلك يمكن القول بوجود ثلاثة خيارات , أول الخيارات هو خيار التطوير والتغيير , الذي يقود الى الغاء معظم الفكر الديني الغيبي , ثم خيار الانقراض الطوعي ,والخيار الثالث هو الفصل التام بين الدين والدولة ووضع الدين في فضاء التعبد كما فعلت معظم شعوب العالم!.
Post Views: 482
