سمير صادق ,سيريانو :
معظم من نراهم من بشر , لهم آذان ولسان ورأس , الا أن الآذان لاتسمع , والألسنة لاتتكلم , والرؤوس فارغة لاتفكر ,أسباب هذه الكارثة ليست ولادية , فالانسان العربي لم يولد مشوها , انما تشوه بعد ولادته , تشوه بفعل البيئة السياسية الدينية السلطوية , التي عاش بها لزمن طويل من حوالي ١٤٥٠ سنة , التي انهت فاعلية عقله , وزودته بقدرة انفعالية انفجارية عالية متمظهرة بعدة اشكال منها التملق , الذي يتمظهر بدوره صوتيا شتائميا قادحا مادحا , أي امة صوتية , عجيج وضجيج وخروج عن الموضوع وعدم استيعاب السؤال المطروح , ثم اللف والدوران على السؤال بهدف التملص من الاجابة عليه , الاجابة تتم على سؤال لم يطرح , تليها غسلة من من التأنيب والتجريح والشتم والسباب والمزايدة الوطنية وحمل الأعلام وصور قائد القطيع ثم تبخيره وتمجيده واعطائه الانطباع على أنه بدعة لم تنجب النساء له شبيها ولن يولد شبيها له , ان ضحك صفقوا له , ان فتح فمه صفقوا له وان أغلق فمه صفقوا له أيضا ,يحركون السنتهم دون ان يقولوا شيئا.
مطرح مابتدوس بدنا نصلي ونبوس! , تكفي ظاهرة التبويس والصلاة في القرن الحادي والعشرين لكي نشخص طبيا مرضا عضالا , هو مرض العدمية أي انعدام القيمة الذاتية على الأقل , هذا المرض وبائي أصاب الجميع من مؤيد الى معارض الى محايد ,كلهم مارسوا التنكيل المتبادل في ظل التقية المتبادلة ثم التملقية المتبادلة وتلحيس الصرامي المتبادل , لم يشوه الانسان العربي كما شوهته التملقية وتلحيس الصرامي الموروث تراثيا , الذي يقود الى شخصنة كل شيئ في الحياة , تلحيس الصرامي يشبه الذيل الذي يثبته مخلوق على مؤخرته , ليتحول الى حيوان جاعر بشعار الأسد أو لا أحد ,او بشعار الا محمد !, مقدسات ومدنسات كفر وايمان , قدرية ومؤامرة ثم ثوابت …الخ
لاشبيه في العالم للعرب حكاما ومحكومين , طيلة ١٤٠٠ تمت قولبة عقول العرب بقالب الدين ومؤخرا بقالب العروبة , لم يعيشوا سوى حياة موت العقل , اي حياة بدون عقل ,لاعقل عند قطيع يتقبل العيش والتعايش مع سلطة الخلافة الحجازية وسلطة السلطنة العثمانية لمدة أربع عشر قرنا , بدون اعتراض يذكر, اي بدون ثورة تذكر , وبممارسة مستديمة للتملق ولحس المؤخرات ,المعبر ليس عن فقدان العقل فحسب , انما عن فقدان الشخصية والذاتية وفقدان الكيان الأخلاقي , تحولوا جميعا الى جثث متحركة لافاعلية لها ولا فعل سوى الدعاء المخدر , اليد التي لاتقتدر عليها بوسها وادعي عليها بالكسر !, ولماذا لم يقتدروا واكتفوا بدعاء الكسر ؟ , لأنهم حشاشون مخدرون بالقات وشعوذة ألدين وأشباهه, ثم شعوذة القيامة وشعوذة الجنة والنار وشعوذة “الخلق” والسؤال العدمي عن خالق هذا الكون , من خلق الكون؟ ,يقول البعض من الذين بقي شي من الدماغ في جماجمهم لانعرف تماما لحد الآن , لكن العلم ماض في اكتشاف اجابات على هذا السؤال وغيره , هنا يجيب المؤمن بصلعم , من يريد المعرفة بكل تلك الأسرار عليه بكتاب الله , انهم مقتنعون تماما بكون الأجوبة ” العلمية ” موجودة بين دفتي كتاب الصفحات الستمئة .
خلقت تلك الصفحات الستمئة نموذجا ذهنيا اتكاليا قدريا مؤامراتيا مؤسسا على مفهوم الحقيقة المطلقة بالرغم من نفي المطلق لكل حقيقة , اي انهم بادعائهم امتلاك الحقيقة المطلقة اكدوا فقدانهم لكل حقيقة , لاوجود للحقيقة في اي انجاز توهمي , فالمطلق هو الآني الذي يتغير غدا او بعد غد ,اي أن الحقيقة هي المتغير المتطور , عندما ينغلق الحاضر على الماضي , وعندما يقتصر الحاضر على رسم الماضي ليصبح صورة شمسية له , يصبح هذا الماضي نموذجا أعلى للوعي , الذي توفي قبل قرون , ليس المتوفي سوى كومة من العظام بدون عقل يسأل ويميز بين الغث وبين الثمين ويوجه الانسان الى مايراه ايجابيا بالنسبة له.
بواسطة البترول قفز الأعراب الى استهلاك منتجات الحداثة ومابعد الحداثة دون المرور التفاعلي مع الحداثة ,كذلك قفزوا الى النيوليبرالية دون المرور بالليبرالية , استهلكوا ما لم يصنعوه او فكروا بصنعه , لأنهم كما قال الأستاذ الاخونجي محمد نوح القضاة للهداية فقط , أي اساتذة العالم , وما بقي من البشرية وجد لخدتمهم , وبهذا تتحول البشرية الى أجمل صورها من هاد يهدي وصانع يصنع , كل ذلك اتى بالوراثة ونوعية الدين, الذي قدمه السلف الصالح على انه خاتمة الأديان اضافة الى كونه دين الخالق , الذي لاريب به وبما قدمه من صالح لكل زمان ومكان , التاريخ بالنسبة لهم كفروج الثلاجة يؤكل في أي وقت كان, ولا نهاية لصلاحيته للأكل ,لا سياسة ولا تسويات في الأمر الذي لاريب به , هنك فقط أوامرثم طاعة وانصياع .
يتطلب العيش في الماضي تقديسه دون فهمه وبالتالي دون تفكيكه , فهم الماضي ليسس ضروريا للعيش به انما لتجاوزه والانعتاق منه , يستصعب العرب التفاهم مع العالم المعاصر, لأن العالم المعاصر عاقل , بينما مات العقل في رؤوس الاعراب , من يعيش الحاضر بهدف تحقيق الماضي به اعطاكم عمره , امتلاء الحاضر بالماضي يقود الى الغربة والعزلة والتبعية وعدم المقدرة على انتاج اي شيئ قابل للاستهلاك وبالتالي التسويق , أي بضاعة كاسدة قبل خروجها من المعمل , الماضي تحديدا العربي ليس مؤهلا للتفاعل مع عصر الحاضر, بعكس ماضي العديد من الشعوب الأخرى الواقعية والموضوعية المتواضعة ,والتي لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة, اوروبا تستند على الماضي اليوناني -الروماني, وهذا الماضي كان ركيزة أساسية من ركائز الحضارة الأوروبية الحالية كما جاء في وثيقة تأسيس الاتحاد الأوروبي , هنا لايجوز القول انهم يفخرون بالعديد من جوانب ماضيهم, فلماذا لايحق للعرب الاقتداء بالماضي , لا يجوز لأنه لاجيد في الماضي العربي , الذي نشر ظله على بلاد العرب , وماذا فعل هذا الاستظلال ببلاد العرب ؟,تقدم الغرب على يد الأخذ من الماضي ,وتأخر العرب على يد الأخذ من الماضي , الماضي لم يقتل العقل الأوروبي , بينما قتل ماضي العرب عقولهم !
