بين الحماية والرعاية, بين الدولة والعشيرة …

سمير صادق ,  مفيد  بيطار :

تلـوث البيئـة    المواطنة هي ممارسة الواجبات المنصوص عليها في العقد الاجتماعي , والحرص على الحقوق التي يحددها العقد الاجتماعي , وذلك في كيان يتحول الى وطن بوجود الجغرافيا والديموغرافيا والاعتراف الدولي  , لاشرط أن  تكون حدود الجغرافيا ذات جذور عميقة في التاريخ , الذي لايعرف أكثر من تغير الجغرافية  الخاصة بدولة ما , لا شرط  أن تكون الديموغرافيا من أصل أو عرق أو دين أو لغة أو ماضي واحد أو تاريخ واحد, فالأمر كما يقول القانون الدولي رديف لمفهوم “الجنسية” , فالشخص الذي يملك الجنسية  الخاصة يدولة  ما , هو الشخص الذي يستطيع أن  يكون  مواطنا يمارس  المواطنة الوطنية ,  يتمكن  كل  انسان من  اكتساب   جنسية  اي   دولة   بشروط  يحددها  قانون  تلك   الدولة  . 

المواطنة تعبير عن حالة حقوق وواجبات أي علاقة مادية طوعية , أما الوطنية فهي حالة عاطفية معنوية اعتبارية ,وهي الغلاف الغير مادي للمواطنة , لاوطنية بدون مواطنة ولا مواطنة بدون مواطنية , ولكي يمتلك الانسان شعورا “وطنيا” يجب أن تتحق به  شروط المواطنة بشكل كاف , الخلل بالمواطنة يتبعه خلل في الوطنية الحقيقية .
كمثال    عن   الدول  يمكن   ذكر   دول   أوروبا   ,التي  وصلت  بعد جهود شاقة, الى الشكل الذي  يؤمن قدرا كبيرا من التوازن بين حقوق المواطن وواجباته, وبالتالي تمكينه من امتلاك الشعور بالوطنية   لتحقيق شروط المواطنة, كل  ذلك تم    في  اطار هيمنة  القانون والمساواة في   الدولة ,لاتتطلب  هيمنة القانون   وجود  هذا  القانون على الورق فقط , انما الأهم من ذلك وجود ثقافة القانونية عند   المواطنين  , جماعات وأفراد يعيشون الى جانب بعضهم البعض فقط لايشكلون مجتمعا متكافلا متضامنا وقادرا على احتضان دولة بالمعنى الحالي للدولة.
لقد  تطورت  ألدولة هناك من مفهوم الحماية أي حماية امتيازات البعض , الى دولة الرعاية ,اى رعاية مصالح الجميع بالتساوي وذلك بغض النظر عن قناعاتهم الفردية أو انتمائهم العرقي أو الديني أو الاثني , ولما كانت المساواة تشمل الجميع , لذلك لم تعد هناك ضرورة الى الاقصاء أو الى طغيان فئة على فئة أخرى , وبالتالي لم تعد هناك ضرورة لاستئصال أي مواطن أو أي فئة , ولا حاجة للتصحيحات الديموغرافية والتغيرات الديموغرافية الهادفة الى الوقاية من” التـأزم” بين فئات الشعب, مفهوم  الغلبة  الغالبة كان   سببا  للتأزم  وليس  علاجا   له  , الشعب الذي يحتاج الى ديموغرافية معينة للتمكن من العيش المشترك مع الآخرين , هو شعب غير مؤهل للعيش في دولة ,انما في كيان ماقبل الدولة مثل العشيرة  او  القبيلة  او   الطائفة  او   العائلة  , انزلقت  شعوب  منطقة  الشرق الأوسط االى حالة  ماقبل الدولة , ليس بسبب الحرب الكونية أو المؤامرة ,  انما  لأنها  لاتملك المؤهلات  التي    تحتاجها الدولة  , تلك   الشعوب  مؤهلة للعيش في  العشيرة أو القبيلة أو الطائفة  وليس   في   الدولة .
استعراض سريع للتطورات التي حدثت في هذه المنطقة  تؤكد ماذكر , فبعد  رحيل    العثمانيين وتأسيس المملكة السورية , ظهرت بوادر تلمس الطريق الى عقد اجتماعي ينظم حياة الأفراد مع بعضهم البعض ومع الدولة , وأكد المؤتمر السوري الوطني المنعقد في النادي العربي في دمشق هذه المبادرات, التي كانت على درجة عالية من التحضر والوعي, خاصة في تعريف الماهية السورية والانتماء السوري , الخطوة المهمة الثانية كانت القرار الاداري الفرنسي عام 1925 والذي تم بموجبه تأسيس الأحزاب والجمعيات .
استمر الأمر بشكل مقبول حتى الجلاء, الذي تم مرفوقا بقشرة ديموقراطية فرنسية ,صمدت  بالرغم من  الانقلابات بدءا من عام 1949, ولم تتمكن  الانقلابات من ازالة مفعول القشرة الديموقراطية الفرنسية بشل تام , ففترة مابين 1954و 1958 كانت من أفضل الفترات التي عرفتها  سوريا , ثم جاءت الوحدة عام 1958 , وكان هذا  العام  عام الانتحار , حيث توقفت كل الخطوات  والجهود  السابقة بخصوص عقد اجتماعي عام    لمصلحة قيادة فردية, فقدت سوريا بالغاء الأحزاب وحرية العمل السياسي الحرية وأبسط أشكال الديموقراطية , وطغى هاجس أو عصاب الأمن ,الذي كانت مهمته ضبط الجمهور ومحاربة المختلف وتكريس الامتيازات لمن يملك السلطة, عام 1958 كان عام النكبة التي تأثرت سوريا بها حتى اليوم .
  تطورت الحالة السورية   من السيئ الى الأسوء  حتى  عام 2011 , حيث بدأ الانهيار الشاقولي ,الذي لم يتوقف لحد الآن بالرغم من توقف وجود الدولة, التي   بدأت   بالاختفاء حتى  من  التاريخ  والذاكرة  ,   لم يكن  انهيار الدولة  بفعل زلزال خارج عن  الارادة , وانما بفعل زلزال في الارادة ,  على مايبدو لم   تتمكن العقلية   العشائرية  والطائفية من الانتظام     بشكل   دولة  انما   بشكل عشيرة , منظومة العشيرة كانت  مناسبة  للوعي  والادراك الشعبي  في  هذه المنطقة , انه وعي وادراك اغلبية من العمامات واللحى ومن شعب مدارس تحفيظ القرآن ثم خريجي كليات الشريعة, الى جانب شعب العسكر والجنرالات المولفة من الفاشلين  حتى  في المدرسة  قبل   التعسكر  وقبل صعود  النجوم والسيوف   والرموز  الماريشالية  على   اكتافهم   .
هناك أقلية  سورية  متمايزة   عن قطعان   الجنرالات والمشايخ , ومغلوب على أمرها في البلاد التي ولدت بها , هاجرت   وتركت  البلاد , هؤلاء  برهنوا عن  كونهم مواطنين  جيدين   في  الأوطان  الجديدة , لم يقصر عمر أيا منهم لطول لسانه , بينما سبب طول اللسان لبعضهم في الوطن   السوري  قصر العمر في مواخير التنخر والموت البطيئ .
تاريخ القرن الأخير هو تاريخ العبث بالوطن  , انه تاريخ تنكص سوريا حضاريا وتنظيميا واداريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا , المسؤول عن ذلك كانت فئة الهوايش من الجنرالات والمشايخ , الذين حولوا سوريا الى  شاكلتهم , شاكلة العشيرة وما قبل الدولة , بالرغم من ذلك لاتزال هناك امكاانية للنهوض والترقي  الى حالة الدولة , الا أنه لانهوض ولا   ترقي  مع المشايخ والجنرالات , لابد   من   غيرهم !
 
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *