ولادة وموت الاخونج السياسي ..

 عماد بوظو, عثمان  لي :

وهذا تماما ما يتبادر إلى الذهن عند متابعة انتشار أفكارالاخونج  السياسي وسيطرة أحزاب اخونجية  على دول عدة   ثم تنامي الرفض الشعبي لحكم هذه التنظيمات، والذيقاد  إلى إسقاط بعضها وإضعاف بعضها الآخر، ففي مطلع ثمانينيات القرن الماضي بدأت “الصحوة ” التي نشرت شكلا متشددا للدين ، مستعينة بفائض أموال النفط  في دول الخليج وإيران، وحققت خلال العقود الأولى نجاحات لا يمكن إنكارها، وساعدها على ذلك وجود أنظمة ديكتاتورية في الكثير من الدول العربية أعطت  الاخوان  الفرصة لتوظيف الغضب الشعبي من هذه الأنظمة لمصلحتها.

ووصلت قوةالاخوان  إلى أوجها مع بداية الربيع العربي عام 2011 لأنه كان الطرف الوحيد المنظم والمموّل جيدا في دول محرومة من الحياة السياسية يعيش الكثير من أبنائها تحت خط الفقر، واعتقد الاخوان  بأنهم سيتمكنون من السيطرة على الدول العربية، خاصة عندما فاز المرشح الإخواني محمد مرسي برئاسة مصر، وعندما حصل حزب النهضةالاخونجي   على أكثر من 40 في المائة من أصوات الناخبين في تونس، بالإضافة إلى أنه في ذلك الوقت كانت السودان تحت حكم   البشير الذي يقول أنه يطبق الشريعة  .

استند  الاخوان  في تلك المرحلة على دعم نظام ولاية الفقيه في إيران الذي اكتسب شعبية عند بعض العرب نتيجة شعاراته التي تتعلق بمعاداة أميركا وإسرائيل، والذي سمحت له أسعار النفط المرتفعة بمد نفوذه على دول عدة في المنطقة  وفرض نمط حياة  دينية  على بعضها، كما استند بدرجة أكبر على دعم تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية ,  في ذلك الوقت كان أردوغان يعيش أفضل أيامه نتيجة نمو اقتصادي استثنائي قام   أصلا   على   يد   سابقه   أوزال  ظهرت  نتائجة  خلال سنوات حكم  اردوغان    العشرة   الأولى .

ولكن سرعان ما بدأ الهبوط، فبعد سنة واحدة من حكم الإخوان في مصر خرج الملايين في مظاهرات ضدهم انتهت بإسقاط حكمهم، كما انخفضت تدريجيا شعبية حزب النهضة في تونس فبعد حصوله عام 2011 على 42 في المائة من أصوات الناخبين و89 مقعد في البرلمان، خسر 20 مقعدا في انتخابات 2014، وفي آخر انتخابات نال أقل من 25 في المائة من الأصوات، أما في السودان فقد قامت ثورة في نهاية عام 2018 انتهت بإسقاط الحكم  الاخونجي  لعمر البشير.

ونتيجة انهيار الدولة في العراق وسوريا سيطرت تنظيمات اخونجية   الأصل  متطرفة مثل القاعدة وداعش على مساحات واسعة في البلدين وظهرت دويلات خلافة طبّقت رؤيتها للشريعة  ، بحيث تكررت “احتفالات” قطع الرؤوس والأيدي والرجم في الساحات العامة، كما نفذت هذه التنظيمات عمليات إرهابية في مختلف  انحاء  العالم  ، لتؤكد أن علاقة المحمديين مع بقية شعوب العالم هي الحرب ,حتى يدخل أتباع الديانات الأخرى وهم جميعا “كفّار” في الدين الحق   ، ورغم كل محاولات المحمديين  للتبرّؤ من هذه التنظيمات,  التي قدمت مثالا حيا عن التطبيق الحرفي للشريعة كما هي مذكورة في الكثير من كتب التراث .

 سرعان ما تراكمت الأزمات في إيران من انهيار العملة  المحلية  ووصول نسبة من يعيشون تحت خط الفقر إلى أكثر من 50 في المائة من السكان وانقطاع الخدمات الرئيسية، فانتشرت الاحتجاجات في كافة أنحاء إيران وكذلك في العراق ولبنان لنفس الأسباب، والانطباع السائد اليوم أن استمرار سيطرة النظام الإيراني على بلده يعتمد على تماسك وقوة الحرس الثوري والخوف الذي يزرعه في الشعب من خلال إعدام المعارضين، أما سيطرته على العراق ولبنان  وسوريا  ويمن   الحوثي  فتعتمد على عمليات اغتيال منظمة تنفذها ميليشيات مرتبطة به تستهدف المعترضين على الهيمنة الإيرانية.

 انخفضت شعبية أردوغان   في  تركيا حتى أن فوزه في الانتخابات المقبلة أصبح موضع شك كبير ، فقد أشارت آخر استطلاعات الرأي إلى أن منافسيه سيتفوقون عليه رغم كل ما قام به من اعتقالات شملت عشرات آلاف المعارضين له ورغم القرارات الشعبوية التي كان يتخذها عندما يشعر بانخفاض شعبيته مثل تحويل كنائس إلى مساجد أو القيام باستفزازات في قبرص وشرق المتوسط، ويعود تراجع شعبية أردوغان إلى انخفاض قيمة الليرة وتراجع الاقتصاد التركي وعلاقاته المتوترة مع أغلب دول العالم.

  قامت احتجاجات شعبية في تونس أدت إلى اتخاذ الرئيس قيس سعيد مجموعة من الإجراءات منها تجميد عمل البرلمان ونزع الحصانة عن بعض النواب فيما أعتبر تجاوبا مع الرغبة الشعبية في التخلص من النفوذ الواسع لحزب النهضة.

ولم يقتصر تراجع دورالاخوان على المستوى السياسي بل شمل كذلك مؤسسات الاصولية ، ففي دول الخليج والسعودية تحديدا تم الغاء هيئة الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر , وصدرت قوانين  حدائية  جديدة ,وجمدت نشاطات  المشايخ   الى  حد  كبير .

شكل  كل   ذلك   ضغطا إضافيا على مؤسسة الأزهر التي ما زالت متمسكة بالخطاب التقليدي المتشدد رغم رغبة المصريين الواضحة في الاستمتاع بالحياة التي ظهرت في موكب المومياوات وفي تجمع أعداد غفيرة منهم على شواطئ الإسكندرية وفي حضورهم الكثيف للمهرجانات الفنية، وترافق ذلك مع حملة في أوروبا وخاصة فرنسا ضد خطاب الانعزال عن العالم الذي يروّج له هؤلاءالاخوان مثل التمسك بمظاهر وملابس وممارسات جعلت المؤمنين  يبدون مختلفين عن بقية شعوب الأرض،  ستزداد أزمة  الاخوان  خلال الفترة المقبلة خاصة   بعد غزوة ٧-١٠ وعلى   الأخص   بعد  تظاهرة  هامبورغ   والمطالبة  باقامة الخلافة  في  أوروبا   وفي   المانيا     خاصة ,  مما   سيقود    الى   موجة   من   ترحيل  الاخوان الى  البلدان  التي   أتو  منها .

كالعادة   يبرر   الاخوان  سلسلة الهزائم المتتالية التي تكبّدوها ,ولم  يجدوا أمامهم سوى اللجوء إلى نظرية المؤامرة ,الاخوان  لا يريدون مواجهة الحقيقة بأن عودة عقارب الساعة إلى الوراء والعيش في الماضي غير ممكن، وبأن القوانين الظالمة في حق المرأة لم يعد من الممكن القبول بها في عالم اليوم ولذلك تشاهد أعداد كبيرة من النساء في جميع الاحتجاجات ضد   الاخوان .

وهناك ناحية أخرى لم يدركها الاخوان  بعد ,هي أنه في الوقت الذي مازال لديهم به  البعض  من الأتباع، هناك أعداد أكبر بكثير من المؤمنين  الذين يرفضون برامجهم السياسية والاجتماعية جملة وتفصيلا، ومستعدون للقيام بكل ما هو ممكن لمنعهم من التحكم بالدول والمجتمعات العربية ,لأنهم يعرفون أنه لا علاقة للدين  السياسي بالديمقراطية التي تعني حكم الشعب, ولأن معتقداتهم تقول أن الحاكمية لله، وكذلك لأنهم بعيدون كل البعد عن مفاهيم حقوق الإنسان مثل حقّ الإنسان في الحرية واعتناق ما يريد من أفكار، كما أن لدى  الاخوان   المؤمنين حساسية مرضيّة تجاه حرية المرأة، رغم محاولتهم الاستفادة من مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان عندما تخدم أهدافهم فقط.

وفي النهاية لم يتبق اليوم من مناطق تحت حكم الاخوان   سوى  افغانستان  وايران (اخوان  الملالي ) ,   ايام   حماس   الغزاوية أصبحت  معدودة  ,   كما  حكم الخليفة أردوغان   يهتز   بشدة  , وسقوطه بعد   خساراته  في  الانتخابات  البلدية    قبل   فترة   قصيرة أصبح   مؤكدا  ,  خاصة    أنه    لايملك     وسيلة   لانعاش  الاقتصاد ، عاجلا أو آجلا  سيتم الإعلان رسميا عن موت الاخونج  لأنه “عقيدة تم فرضها بالقوة على شعوب ترفضها لأنها فشلت في مراعاة رغبة الإنسان الأساسية في الحرية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *