داعش عابرة للأجيال, مجازر دمشق سنة 1860…..

 عثمان لي :

مهرجان الواسطي.. عرس تشكيلي استعاد صاحب (مقامات الحريري)      إعتقد البعض, عندما تأسست داعش أو الدولة الإسلامية في العراق والشام في سنة ١٩٩٩, أن هذا التنظيم هو وليد اليوم وهنا يكمن الخطأ لأن “داعش” متجذرة  في هذه البلاد منذ أكثر من مئتي عام, ومنذ ما قبل مذبحة المسيحيين في دمشق عام ١٨٦٠

هنا تطرح الأسئلة. كيف ولماذا حصلت مذبحة المسيحيين في دمشق عام١٨٦٠ ؟ ما هو دور روسيا وفرنسا وبريطانيا في هذه المجزرة ولماذا ؟ وما دور القوى الإقليمية والمصريين وآل سعود الوهابيين في شبه الجزيرة العربية فيها؟ هل لعب الفارق الطبقي وازدياد الفقر دوراً؟ لماذا تآمر حاكم دمشق العثماني مع الإسلاميين المتعصبين على مسيحيي المدينة وممن تلقى أوامره؟

لقد حكمت السلطنة العرب منذ البداية باسم الإسلام وأعطتهم الكثير من الصلاحيات طالما اعترفوا بقانون الشريعة الإسلامية وأعلنوا ولاءهم للسطان واحترموا قوانين السلطنة. وعاشت الأقليات الدينية في البداية بسلام محتفظة بحقها بممارسة دينها بشرط أن تدفع الجزية السنوية وهو ما نصت عليه الشريعة. لكن هذا لم يمنع المسؤولين الفاسدين من معاملة غير المسلمين كمواطنين من درجة ثانية. ولما أظهرت الأمبراطوريات الأوروبية  الأوروبية تقدمها في فنون وتقنيات الحرب وإلحقت هزائم متكررة بالسلطنة أثارذلك ارتعب   الباب العالي  ,خاصة بعد  ظهور بوادر التحررمن العثمانيين 

عندما شعرت الإمبراطوريات الأخرى  بضعف السلطنة العثمانية ,راحت  تطالبها بأن تحدث تغييرا جذريا لسياساتها الداخلية ,خاصة على صعيد مبادئ حقوق الإنسان التي جاءت بها الثورة الفرنسية كحقوق العدالة والمساواة بين المواطنين , كما تم تشجيع  الأقليات على المطالبة بحقوقهم. , التي نادى بها ذلك العصر.

لذا ,أصدر السلطان محمود الثاني  سنة ,١٨٣٩ حزمة من القوانين الجديدة وسميت (التنظيمات), ومن خلال  هذه القوانين حاول أن يساوي بين مواطني السلطنة بالحقوق والواجبات بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم أو قوميتهم, وأصبح بإمكان غير المسلم أن يشارك في الحياة الثقافية والإقتصادية، وسمح له بالدخول إلى المدارس وتعلم اللغة العربية (التي كانت حصراً على المسلمين) واللغات الأجنبية. ثم أحدث السلطان عبد المجيد الأول تعديلات جديدة في عام ١٨٥٦ وسميت (إصلاحات) أقامت المساواة الكاملة بين كافة مواطني السلطنة, فأصبح يحق لغير المسلم أن يتوظف في دوائر الدولة ويخدم في الجيش. كما رُفِعت الجزية الخاصة بغير المسلمين وأصبح من حق أي إنسان أن يتبع أي دين ولا يحق لأحد أن يُجبر غير مسلم على أن يصبح مسلماً وألغيت عقوبة القتل لمن يرتد عن الإسلام, وشملت الإصلاحات قطاع العدل والمحاكم الجنائية, ومنع التعذيب والعقوبات الجسدية, كقطع اليد.

رفض الإسلاميون المتطرفون من مواطني دمشق كل هذه القوانين واعتبروها أنها معادية للشريعة الإسلامية وتخالف كلام الله وخاصة القسم المتعلق بمساواة غير المسلمين بالمسلمين. وبدأ التململ والإستياء يسود أوساطهم وما زاد بالطين بلة هو سذاجة وجهل بعض المسيحيين ونشوتهم بحقوقهم الجديدة إلى درجة تحدي السلطات المحلية متذرعين بالقوانين الجديدة, لم يدركوا أن هذا التغيير المفاجئ في مجتمع محافظ يحمل أخطاراوعواقب  وخيمة وأن قلب العادات والتقاليد الإجتماعية بهذه السرعة سيغذي العداء الطائفي ويجر عليهم الويلات,    رفضوا دفع بدل الجندية لسنوات رغم محاولات وجهاء المسيحيين الوصول إلى حل وسط بين الناس والحاكمين. حتى جاء عام ١٨٦٠ عندما أصدر أحمد باشا حاكم دمشق العثماني قراراً تعجيزياً  يقضي بأن يدفع كل مسيحي البدل عن السنة الحالية والسنوات السابقة, فارتفعت أصوات الإحتجاج ضد الحاكم.

كان رد بعض الشيوخ وعلماء الأمة المتطرفين على هذه الإحتجاجات أن أصدروا الفتاوى إعتماداً على الشريعة دون أي إعتبار لقوانين التنظيمات والإصلاحات الصادرة عن الباب العالي.,وخرجت بعض الفتاوى تبرر للمسلمين قتل المسيحيين إذا لم يدفعوا الجزية لأنهم خارجون عن قانون الشريعة, وكانت هذه الفتاوى كل ما يحتاجه الجهلة والمتعصبون من مسلمي دمشق لإعلان حربهم على مسيحييها، بل وحتى على كل مسيحيي سوريا. وبات من الحلال قتل رجالهم وسبي نسائهم والسطو على أملاكهم, ولعب العثمانيون دور المتفرج،  والمشجع  ضمنا للفتنة, ناهيك عن دورهم بمد المتطرفين بالعون في حربهم الدموية.

وفي صباح يوم الإثنين ٩ تموز ذهب الموظفون إلى أعمالهم بينما ذهب آخرون إلى السوق للعمل أو لقضاء حاجياتهم بشكل طبيعي , وبسرعة البرق انتشرت أخبار التمرد في أحياء المدينة وحتى الواقعة منها خارج السور,فهرع المتعصبون المسلمون من الشاغور والميدان والأكراد من الصالحيةوالدروز من جرمانا وكثيرون آخرون جاؤوا من أماكن بعيدة وهجموا بغزارة على الحي المسيحي,   قدر عدد الغزاة بين  ٢٠٠٠٠ و٥٠٠٠٠   وخلال ساعات قليلة، غص الحي المسيحي بالمعتدين مما أعطى الدليل بأن الفتنة لم تكن عفوية وأن الجميع كانوا جاهزين, لم يكن العداء للمسيحيين هو الدافع الوحيد، بل كان هناك من يسعى لغنيمة فقط، حيث كان الجميع يعرف بغنى هذا الحي وفخامة محتوياته وخاصة كنائسه وأديرته. لذلك انضم الكثير من قطاع الطرق والبدو, حتى النساء والأولاد شاركوا في الهجوم, كانت لديهم أوامر بقتل كل شاب ورجل وكاهن يرونه أينما كان  , سرقوا ونهبوا كل ما وقعت أيديهم عليه من مال وممتلكات,وبعد إفراغ البيوت و الكنائس من محتوياتها بالكامل, أشعلوا النيران بها, كما أُحرق مشفى خاص بمرضى الجزام، كانت تموله الكنيسة مع مرضاه جميعاً. وأحضر المهاجمون الجمال والحمير والبغال والأحصنة ليحملوا كل ما اغتنموه من البيوت والكنائس ليتقاسمونه فيما بينهم لاحقاً,قطعوا الرؤوس والأطراف ونكلوا بالجثث وأحرقوها كما خطفوا الكثيرين وباعوهم عبيد, وما هي إلا ساعات حتى بدأ جنود الحرس الموكل بحماية الحي المسيحي بالإنضمام إلى المهاجمين وبعد فترة انضم إليهم جنود من فرق أخرى. وغاب كل الضباط عن المشهد ولم يبقى أحد ليرد المهاجمين عن هؤلاء المساكين,لم ينجو من الموت إلا من احتمى في قلعة دمشق، المحمية من قبل جنود هاشم آغا الذي كان معارضاً لما يحصل,على عكس قادة محميات راشيا وحاصبيا، أو من لجأ إلى بيوت اصدقائهم أو شركائهم من المسلمين الأتقياء أو بيت الأميرعبد القادر الذي حاول التفاوض مع سلطات المدينة وشيوخها وعلمائها المتطرفين محاولاً إقناعهم أن ما يفعلونه هو ضد الإسلام ,لكنهم لم يستمعوا إليه ومنعوه من أن يقاتل المتمردين. فاقتصرت مهمته ومهمة شرفاء دمشق من المسلمين على المساعدة في مد يد العون للمسيحيين وإنقاذ ما أمكن منهم. فشرع رجالات عبد القادر وغيره من النبلاء بالطواف في طرقات الحي المسيحي من المدينة والبحث عن اي شخص, رجل أو امرأة أو طفل, وجلبه وإدخاله إلى بيت احد المسلمين الأتقياء، فغصت بيوتهم بأبناء مدينتهم الهاربين من جحيم الموت,أما ما حدث في حي الميدان الواقع خارج السور فكان أقوى وقفة في وجه المتطرفين وإجرامهم, هنا د اجتمع وجهاء الحي وقرروا أن يدافعوا عن المسيحيين الذين يسكنونوه ولم يستطيع اي متطرف من الإقتراب منهم خلال أيام المذبحة كلها, وأكثر من ذلك قام رجال الحي الشرفاء بالذهاب إلى الحي المسيحي داخل السور وإحضار ما أمكن منهم وحمايتهم في بيوت الحي, ونجحوا في إنقاذ المئات منهم.

عدد كبير من مسيحيي الباب الشرقي للمدينة مع مطران كنيسة السريان الكاثوليك، هربوا إلى  صيدنايا ولجأوا إلى ديرها حيث كان يتحصن فيه جميع مسيحيي صيدنايا والضيع المجاورة,كان هذا الدير قد بني على شكل قلعة حصينة أما خارج اسوار الدير فقد نشب قتال حام بين الشباب المسيحيين من جهة وبين مسلمي الضيع المجاورة المدعومين بفرقة من الخيالة ارسلتها الحكومة لمساعدتهم, لكن الغزاة لم يفلحوا في هجومهم وتراجعوا بعد فشل محاولاتهم بإقتحام الدير.

قتل في المذبحة ما بين٥٠٠٠ و١١٠٠٠    وبعضهم قضوا بسبب الحرائق واغتصبت أكثر من ٤٠٠ امرأة ,و ونهبت كل البيوت والمحلات والكنائس والأديرة والمدارس والبعثات التبشيرية. أما من بقي على قيد الحياة ففد تم نقله إلى بيروت تحت حماية مشددة من رجال عبد القادر,ومن هناك هاجر العديد إلى فرنسا وأوروبا. وكانت بيروت من المدن التي لم يتعرض مسحيوها للإبادة بسبب وجود سفن الإمبراطوريات الأوروبية على شواطئها والتي حمتهم من الهجمات,لم يبقَ في دمشق إلا بضعة آلاف من المسيحيين , بعد أن كان عددهم يفوق ال٣٠٠٠٠

 بعد ايام من المجزرة, سارع السلطان لاستدراك الأمور, إذ لم يشأ أن يدخل حرباً جديدة مع الأوروبيين. خاصة وأن باريس قد أرسلت قطعاً بحرية إلى شواطئ سوريا لتقصي الحقائق والتدخل إذا ما دعت الحاجة, فأرسل السلطان أحد أقوى قادة جيشه واسمه فؤاد باشا مع صلاحيات غير محدودة لإعادة الإستقرار وإحقاق العدل, كان أغلب المحكومين من الطبقة الفقيرة والعاطلين عن العمل وصغار الكسبة والتجار جاؤوا من كل أحياء دمشق الشعبية الفقيرة داخل وخارج السور, وجاء بعضهم من الريف الدمشقي, وكانت المرة الأولى والغير مسبوقة, يشارك فيها بالقتال جماعة دينية من نفس المدينة ضد جماعة أخرى، على مرأى من الأجنبي، وبهذه الوحشية.

استفاق المسلمون الأتقياء من الصدمة في حالة نفسية يرثى لها, لأنهم لم يفعلوا شيئاً للحيلولة دون المجزرة. فقد سمحوا دون قصد لجهلاء ومتعصبين أن يشوهوا سمعة دينهم ويلطخوا وجه هذه المدينة المعروفة بتعدد ثقافاتها ودياناتها,ستظل هذه المذبحة وصمة عار في تاريخ هذه المدينة الفاضلة إلى الأبد, يقال بأن الشعوب التي لا تتعلم من أخطاء التاريخ تكون عرضة لتكرارها, فهل تعلم الدمشقيون خاصة والعرب عامة من هذه التجربة المريرة؟

إذا ما تأملنا ما يجري على الساحة العربية، من عنف طائفي أو عرقي الطابع، وبحثنا عن أسبابه؛ فسنجد أن هذا العنف ليس وليد اللحظة الراهنة، ولا من صنع الأيادي الفاعلة فيه حاليًا, بل ثمة استمرار بدرجةٍ ما لتاريخ فئوي عرقي, يجب  تجاوز حالة الصراع, والارتقاء إلى التعايش الراسخ, وإلى ما يعلوها من بناء هوية وطنية إنسانية, جامعة، تعلو على الانتماءات الفئوية الأدنى,ولكي يمكن  ذلك, يجب أن نعرف بدقة أسباب المشاكل  وأن نفهم خفاياها,ولا أن نغطّيها ونتستر عليها, كما يتستر الجاني على جنايته، فبهذا الشكل سيبقى الجمر تحت الرماد, الذي يمكنه أن يتقد في أي فرصة سانحة,يجب  التأمل في ملابسات تلك الواقعة وهذه الفتنة ومفاعيلها والتعلم من الأخطاء, لكي لايتكرر ما حدث عام ١٨٦٠ 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *