المباح ,بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي !

ربا منصور, سمير صادق :

النخب بلا دورها المعرفي.. أداة بيد الإستبداد - الفضل شلق - 180Post    بغض النظر عن تأكيد الفكر الديني لقيم المساواة والدفاع عن الحريات ومناهضة الاستبداد , يتضمن هذا التفكير العديد من المعالم التي تبطل هذه الادعاءات , ومن هذه المعالم امتلاك الحقيقة المطلقة, التي لاتستقيم مع أي حوار أو نقاش , امتلاك الحقيقة المطلقة هو من أخطر وأشرس أنواع الاستبداد , لأنه يقرن مخالفة أومجانبة المطلق بعقوبات عملاقة ..كنار جهنم  واقامة  الحد  الخ  , ولأنه أيضا يقترن بفترض الطاعة المطلقة والانصياع التام المطلق تحت طائلة العقاب , يبقى الاستبداد السياسي أكثر نسبية والتعامل معه أكثر مرونة وأقل قطعية .
يختلف الاستبداد السياسي عن الاستبداد الديني بحجم فضاء المباح والمسموح والممنوع , فالفكر الديني يضيق على الانسان فضاء مسموحاته, ولا يترك للعقل أي فسحة للعمل , والفكر الديني يعمل بمنظومة الحرام والحلال أي بالأبيض والأسود , لاتوجد منطقة رمادية , وفي الاستبداد الديني يواجه الانسان ديكتاتورية بالعديد من الرؤوس , كل رجل دين هو ديكتاتورية قائمة بحد ذاتها , تستمد هذه الديكتاتورية مفاهيمها  من الغيب , في حين يمكن للديكتاتورية السياسية أن تكون علمية كما هو  الحال   في  كوريا  الشمالية  وألمانيا  النازية   وغيرهم , بعكس الديكتاتورية الدينية والاستبداد    المضاد   للعلم , فالعلم المادي كفر وزندقة , ودائما يلوح الاستبداد الديني بالعقوبات التي تتموضع حتى في اطار التصفية الجسدية بخصوص الكفر والزندقة , بينما يكتفي الاستبداد السياسي بعقوبات قد تكون  أخف  , اقامة الحد وبتر الرؤوس هو خاصة من خواص الاستبداد الديني , التي لايعرف الاستبداد السياسي في معظم الحالات شبيها لها .
لقد بحث عبد الرحمن الكواكبي العلاقة بين الاستبداد والدين والعلاقة بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني , ووصل الكواكبي الى حقيقة وجود علاقة جدلية بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي,انهما صنوان وهما اخوان ويتداخل كل منهما في بنية الآخر وكل منهما ضروري للآخر , ولا يزعزع أركان الحلف بينهما سوى عامل الطمع, عندما يحاول أحد الأطراف الاستئثار بالكعكة ويحرم الآخر منها.
يتصف الخطاب  الديني  الاستبدادي مقارنة بالخطاب الاستبدادي السياسي بخاصة المخاتلة , الاستبداد السياسي مخاتل أيضا , الا أن مخاتلة الاستبداد الديني أعظم , فالاخوان   يبحثون   عن” السلطة ” ومشروعها وليس عن مشروع دولة , في حين يبحث الاستبداد السياسي أحيانا عن مشروع دولة ,كما أن التخلص من الاستبداد السياسي أسهل بكثير من التخلص من الاستبداد الديني , الذي يجند الله والمقدس في خدمته , الاستبداد الديني مشوه للبنية السياسية في المجتمع ,حيث تتحول هذه البنية الى بنية طائفية مذهبية , في حين قد يحافظ الاستبداد السياسي على البنية السياسية , وقد تبقى هناك أحزاب سياسية, أما في الاستبداد الديني فلا بقاء الا الطوائف, أو بالأحرى لطائفة واحدة .
يبحث الاستبداد الديني عن ” السلطة ” ومشروعها , وليس عن مشروع دولة كما يدعون ,ومن يتابع سلوك ومنهج اخوان سوريا يجد اختلافا كبيرا عن منهجيتهم في العراق أو في مصر , الا أن القاسم المشترك بين الجميع هو السعي لحيازة السلطة بأي وسيلة أو طريقة كانت , وبعد حيازة السلطة فالأمر مفتوح على كل الاحتملات الغير قابلة للتصور في معظم الحالات , وأول ما سيتم ابتلاعه هو منطقة “المباح “, تلك المنطقة من السلوك البشري الخاضعة لسلطة العقل , أول الغيث سيكون وضع هذه المنطقة تحت سيطرة النقل , النقل الذي يقسم القيم في الحياة بين حلال وحرام وبين أسود وأبيض ولا شيئ بينهما .
سلطة الاخوان هي ترجمة حرفية للاستبداد الديني , حتى لو تمكن الاخوان من الوصول الى السلطة عن طريق الصناديق وتعهدوا باحترامهم للديموقراطية, فسرعان ما ستعلوا أصوات رجال الدين معلنة عن تحكمهم بكل شيئ صغير أو كبير , وذلك انطلاقا من قناعتهم بأن الدين لم يترك شيئا الا ووضع له حكما , وبذلك يتم الاستيلاء على منطقة المباح والحاقها بمنطقة الحلال والحرام , وهذا يعني سيطرة الأصولية الدينية المطلقة , وتحول البشر الى أسرى لأحكام رجال الدين وأحكام الاستبداد الديني.
اضافة الى الاستبداد الديني المتوقع من الاخوان والغاء منطقة المباح , ينتظر الشعب المأسور من قبل رجال الدين عواقب واختلاطات اضافية, فالساحة السياسية تعج بالتيارات والفئات الدينية  المختلفة,هناك الخطاب السلفي ثم الخطاب   الديني  الحركي والخطاب التكفيري والصوفي والشيعي والسني … الخ , والشيئ الذي يميز هذه الفئات هو رفضها للتعاون مع بعضها البعضومع  الغير  وميلها لتحكيم السيف في حل الخلافات بين بعضها البعض وبين   الغير  , وهذا يعني تعرض المجتمع ,الذي فقد منطقة المباح الى اختلاطات حروب لانهاية لها , وبالتالي تخريب واتلاف البقية الباقية من معالم البلاد الاجتماعية والعمرانية , كل يوم تحت سلطة الاخوان يعني تأخرا يعادل سنة , وكل اسبوع  يعادل  تأخرا   لسنوات  , والشاطر في الجمع يستطيع حساب عقود أو قرون التأخر فيما لو حكم الاخوان عشر سنوات مثلا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *