ما بيطار , عثمان لي :
لم يطرأ على نوعية فئات الشعب السوري ومواقفهم الكثير من التغيير الجوهري في المئة سنة الأخيرة , أغلب الظن أن هذه الفئات وتلك المواقف كانت موجودة بشكل كامن أو متمظهرة بمظاهر تقع تحت عتبة ادراك البعض لها , فتطور الجماعات وخاصة القيم لايتم فجأة , دون وجود جذور عميقة له في وجدان الناس , العقود الأخيرة بلورت ورسمت حدودا أوضح بين هذه الفئات المتباينة قيميا ,اخلاقيا ونفسيا , فرفض الآخر ليس بالجديد لكنة تمظهر مؤخرا بشكل أوضح , اتضح ايضا ضعف الظاهرة الاجتماعية عند الشعب , الذي وجد نفسه فجأة في مشروع دولة لايملك التأهيل لرعايتها وتطويرها وهكذا
ولنأخذ اعتباطيا الفئة الأولى التي تتمركز في أقلية أو أكثرية , فالمحدد للأقلية والأكثرية كان ومنذ قرون عديدة الدين أو الانتماء الديني , الذي على أساسه تمت ممارسة السياسة , لقد تحولت الحدود العشائرية الدينية الى حدود سياسية وكان الفشل متوقعا , اذ لايمكن لخواص شعبية اجتماعية تمت الى مرحلة ماقبل الدولة أن تصنع دولة , عاشت البلاد في جمود مؤسس على عدم تمكن الفرد من التحول الى عضو في الأكثرية بعد أن كان عضوا في الأقلية , فالحدود المذهبية لاتسمح للفرد بأن يعبرها الى فئة مذهبية أخرى , ولما كان الأمر كذلك , حاولت أقلية كسر هيمنة الأكثرية المذهبية الرقمية عن طريق البحث عن امكانية المعاوضة , والمعاوضة كانت عن طريق العسكر والبندقية , وهل يمكن للعسكر والبندقية سوى افراز الديكتاتورية ؟.
الفئة الثانية هي الفئة المتدينة المحافظة التي تسببت أصلا في التفكير بالمعاوضة , وأطلقت بشكل غير مباشر عملية البحث عن المعاوضة العسكرية , التي تأسست في ظروف انقلابية ,كبلت الجميع بالسلاسل والقيود , حاولت هذه الفئة كسر الغلائل الذي كبلها العسكر بها , و المحاولة تمت عن طريق الدواء الذي سبب الداء أصلا , والدواء كان مزيدا من الاستقطاب المذهبي , الذي تطلب مزيدا من المعاوضة وبالتالي مزيدا من العسكرة ومزيدا من الديكتاتورية , الى أن وصلت الأمور الى حالة حرب طائفية , حدود جبهاتها تطابقت مع حدود المذاهب .
لتوسيع قاعدة مذهب اقلوي , كان لزاما على هذا المذهب أن يتطور الى مذهب يستطيع احتضان مجموعة أوسع من الأتباع , وهكذا تحولت العلوية الى أسدية تضم في صفوقها سنة ودروز وغيرهم ,فالأسدية هي علوية مضافا اليها البعض من أفراد الطوائف الأخرى , والأسدية ضبطت بشكل حازم وضعها الداخلي عن طريق تصنيف داخلي يرتكز على تصنيف اتباع علي في المقدمة وأتباع عمر في المؤخرة , هذه التشكيلة ضبطت مابقي من الشعب بشكل واضح وحازم أيضا , وآلة الضبط كانت بالدرجة الاولى الانتماء المذهبي والعائلي , وبالدرجة الثانية الامتيازات , فمن غير المعقول أن تتساوى امتيازات ابن خال الرئيس مع امتيازات الغريب المشتبه بولائه , هرمية الامتيازات بدأت بمراتب المكاسب بين مئات الألوف من الدولارات للمراتب الدنيا وانتهت بمئات الملايين للمراتب الأعلى , وبالمليارات للمراتب العليا , وذلك حسب سلم محدد وواضح المعالم .
الفئة الثالثة كانت فئة الشبيحة والذبيحة , فئة جديدة بالاسم الا أنها قديمة جدا , وخواصها متجذرة في نفوس الناس فخاصة, العداء والعدوانية الضرورية للشبيحة والذبيحة متواجدة منذ قرون , الطبيعي عند هذه الفئة هو الاغتصاب والنهب اضافة الى ميل غريزي متوحش بخصوص المال والمرأة والاهتمام فقط بالمال والمرأة , حتى أنه أطلق على هذه الفئة اسم الفئة القضيبية , الذبيحة يفضلون المرأة على المال , والشبيحة يفضلون المال على المرأة مع بعض الاستثناءات , قاعدة عمل الشبيحة والذبيحة كانت الطائفية المقرونة بالنرجسية وانعدام الأخلاق انعداما تاما .
الفئة الرابعة هي فئة السوريين المتشددين وعلى رأسهم سيكون تقديرا الحزب السوري القومي , التشدد السوري كان نتيجة للعديد من العوامل من اهمهما التخريب الذي مارسته العروبة المتأسلمة في القرن الماضي , والذي كان عليه دفع الاخوان والعروبيين الى الاستقالة من العمل السياسي , بدلا من استقالتهم يؤكدون كل لحظة , أن صياغة المستقبل ستكون على يدهم , وهم من فشل ودمر الأوطان خلال قرن من الزمن , وهم من جزأ وفتت وأفقر وشتت الناس , وهم من فشل بخصوص مشكلة فلسطين في كل المجالات باستثناء تعقيد المشكلة الفلسطينية وتحويلها الى حالة الاستعصاء على الحل , هم من حولوا الحزب الى طائفة , هم من تعاونوا بشكل متبادل على اقتسام نفعية وريعية السلطة , الاخوان لايريدون حل مشكلة فلسطين ,انما يريدون الاستمرار في تذبيح بني قريظة الجدد , العروبيون لايريدون حلا لقضية فلسطين لأن الحل يحرمهم من توظيف القضية في خدمة بقائهم المرتبط بممارستهم للاستعمار الداخلي .
ارتفاع الحس اللقومي لدى مجموعة يجعل الأهداف القومية مشروعة في نظرهم , حتى لو كانت خاطئة موضوعيا ,حتى لو سالت في سبيلها انهار الدماء , لذلك فانه من المنتظر ولادة حركة شعبية سورية متشددة على غرار تشدد بعض الأكراد أو تشدد الحزب التركي االقومي أو تشدد حركة الاتحاد واالترقي التركية قبل الحرب العالمية الأولى , أو تشدد الصرب أو تشدد فئات بولندية او فرعونية في مصر او أمازيغية في شمال أفريقيا ,كردة فعل على التشدد الديني الحالي والخراب الذي سببه هذا التشدد , انه من المنتظر أن يكون هناك تشدد عكسي , أي تشدد مدني عنيف ضد التشدد الديني , والحزب الوحيد الذي تمكن من الغاء النزعات الطائفية في صفوفه وصهر هذه النزعات في العقيدة السورية القومية الاجتماعية كان الحزب السوري القومي الاجتماعي , فلحد الآن لم تخضع قيادات الحزب وعضويته لأي اعتبارات أو توازنات طائفية أو عشائرية .
سوف لن يكون مستقبل العروبي الذي يسكن في سوريا كسوري , الا أن انتمائه الوطني هوالدولة العربية من المحيط الى الخليج مريحا له , فانتمائه لايستقيم مع المواطنة السورية , لذلك ستكون هناك مشكلة معه , ستكون هناك مشكلة مع الاخوان الذين ينتمون وجدانيا الى دولة الخلافة الافتراضية , انهم بذلك بمثابة خونة في سوريا , فسوريا للسوريين والانتماء السوري هو الانتماء الأول , ومن لايريد ان يكون انتمائه الأول سوري سيقال له بأنه عليه الرحيل , وطلب الرحيل لن يأت من جهة المتشددين فقط ,لقد سئم الانسان السوري العادي من كذب ورياء وخيانة الاخوان والعروبيين, ومن فشلهم في ادارة البلاد , ايضا من نجاحهم في تدمير البلاد .
الفئة الخامسة هي الفئة الطفيلية التي تبحث في كل عهد عن الموائد لتتطفل عليها , انها الفئة “الفموية الشرجية ” التي يلازم وجودها وجود خلل في العدالة الاجتماعية وفي تركيبة المجتمع , يبدو وكأن وجود التطفل بأحجام متباينة في كل المجتمعات أمر حتمي , مع التأكيد بأن حجمه في المجتمعات المتقدمة صغير جدا مقارنة من حجمه الكبير جدا في المجتمعات المتأخرة.
الفئة السادسة هي فئة المؤيدين للأسدية , وفئة المنتمين الى الدين الأسدي الجديد, فئة الامتيازات بشكل عام, فئة الاصوليين المتخوفين من اصولية أخرى , , فئة نفعية تتغير تركيبتها باستمرار , مؤيد نفعي يشتم المعارضين , والملاحظ على الذين توقفت منافعهم من الأسدية لسبب ما انقلابهم السريع ضد الأسدية , هؤلاء مداحون قداحون والمحدد لوجهة المدح والقدح هي المنفعة المادية , نموذجهم كان ذلك المسترزق لدى الفصائل بلحية وحليق اللحية عند انتقاله الى الجهة الأسدية للاسترزاق .
الفئة السابعة هي فئة الرماديين , تتميز هذه الفئة بموقف لارفض ولا قبول , وموقف التنديد بالعنف المتبادل بين الفئات المتقاتلة لحد الآن , تلتزم هذه الفئة بالصمت النسبي , ولا تريد بشكل عام الانخراط في مقام الادلاء بالرأي بصراحة , تجد هذه الفئة في الثورة ضرورة , الا أنها لاتستطيع التصالح مع اعتبار الفصائل االمسلحة “ثوار” , ولا مع اعتبار سوريا دولة , وذلك لافتقاد سوريا للعنصر الثالث من الثلاثي أرض شعب حكم , هذه الفئة تتمركز خارج معادلة الصراع , وتقف تقريبا على مسافة واحدة من جميع الأطراف , تعتمد أو تروج لصيغة الاقناع والمصالحة , وصيغة الخوف على سوريا من جراء الاستمرار في العنف , فئة ايقاف العنف أولا , وبعد ذلك لكل حادث حديث .
طعبا توجد في سوريا مواقف أخرى لفئات أخرى , وما قدمناه ليس ألا موجزا ملخصا جدا عن المواقف والفئات , تحتاج كل فئة من الفئات والمواقف المذكورة الى بحث مستفيض , قد يكون من الضروري االقيام به مستقبلا
Post Views: 462