لا شك أن القدرة على التخفي والعمل السري من جهة، والضرب على أوتار العاطفة الدينية من جهة أخرى، هما من أنجع الوسائل التي يمارسها الأصولي الوصولي المتطرف؛ بغية تمرير أجندته (التطرف: أفكاراً وأشخاصاً) الخاصة، في مؤسسات غير خاصةجدلية الديمقراطيات؛ من أين تبدأ، ومن أين تنتهي، هي جدلية بقيت – وستبقى – ما بقي الإنسان مهموما بحريته من ناحية، وبتقدميته، من ناحية أخرى. هل الحرية شرط تقدم، أم التقدم شرط حرية؟، وأيهما يعني الإنسان أكثر؟، وهل تكون البداية من مجتمع ديمقراطي؛ واعٍ بحريته، وقدرته على الاختيار الصحيح، إلى بلورة الأنظمة التي تحكم هذا الوعي الديمقراطي؟، أم البداية تكون من أنظمة ديمقراطية؛ يراد لها أن تصنع الوعي الديمقراطي الحديث، في مجتمع طائفي، أو عشائري، أو إثني، أو هذا كله، ثم لا تكون النتيجة غير الإفلاس التام؟.
ما ضرورة، وما ضرر، أن يتم استيراد أحدث الأنظمة العالمية في الإدارة الديمقراطية؛ ليتم استزراعها في بيئة لا زالت تصوراتها العليا على النقيض من الرؤية الأساس في الوعي الديمقراطي؟. تختلف الآراء في ذلك، ولكن التجارب العملية التي تمت – وتتم – في دول العالم الثالث، ترجّح هذا الرأي أو ذاك.
طبيعي، أن ينظر الثقافي بارتياب، لكل رأي يتم فيه توصيف هذا المجتمع أو ذاك بأنه عصي على الممارسة الديمقراطية، ليس لأن هذا يحمل ملمح ازدراء للمجتمع / الإنسان فحسب، وإنما لشبهة الوقوف ضد قيم الحرية والعدالة المساواة؛ لحساب مصالح شخصية أنية، على حساب الإنسان.
الثقافي مع إيمانه بأولية الثقافي، وأنه سابق على غيره من أنواع التشكلات النظامية، بل وسابق على الوعي ذاته؛ لأنه – كما يرى نفسه – صانع الوعي الذي يصنع هذه التشكلات، لا يرتاح – كثيرا – لتحمل مسؤولية استزراع الرؤى الديمقراطية، وإنما يريدها أن تنزل من السماء!.
هل هي استقالة ثقافية، في صورة التلهف الطفولي على ديمقراطية ناجزة، يصحو فيها المثقف التقدمي؛ فيجد نفسه في أحدث الأوطان، وأحدث الأنظمة، بل، وأحدث الأناسي، أم هو عجز ثقافي (معرفة + سلوك) عن القيام بالشرط الثقافي؛ نتيجة افتقار لأحد طرفي المعادلة الثقافية، أو لكليهما؟.
هذه أسئلة على المحك. والتجارب في العالم الثالث تحكي. وجميع هذه الأسئلة – على أهمية كل منها في سياقه – تنتهي إلى السؤال الأهم، وهو: ما مصير النظام الديمقراطي في مجتمع غير ديمقراطي؟. الجواب، وبمعادلة في غاية البساطة؛ ديمقراطية، يفوز بها أعداء الديمقراطية، ستكون الصورة الأسوأ من بين كل الممارسات السياسية في العالم. ستمارس القمعية، ولن تكون مدانة، أو يجب – وفق المبدأ الديمقراطي – أن لا تكون مدانة، ولكنها، ستكون تحت نظر الشعب، وتأييد الشعب. أي أنها لن تكون أكثر من غطاء شرعي للقمع، ولتمرير رؤى التمييز والاضطهاد والتخلف، ولا بد أن تكون الوسيلة السلمية لمنع هذا التردي الإنساني.
لا تعني هذه المساءلة للديمقراطية التحيز ضدها، أو الانحياز للممارسات الضدية، وإنما تعني تحديد البدايات والنهايات. لا أحد يريد برلمانا (تقليدياً) يتم التصويت فيه على قمع المرأة، ومنعها من العمل فيما بعد الساعة الثامنة مساء، في مؤشر رهيب على النكوص ألف خطوة للوراء، في طريق التمييز الجنسي المدان بكافة الأنظمة العالمية. برلمانات شكلية، غير إنسانية، تلتهمها التقليديات التي تعدها من الكفر البواح، لا يمكن أن تكون طريقا إلى غد أفضل.
معظم – وليس كل – المؤسسات الديمقراطية في العالم الإسلامي، يخترقها من لا يؤمن بها، ومن يعدها (إشراكا / كفرا) في توحيد الحاكمية، الذي اخترعته الأصوليات التقليدية. وتكون النتيجة، تعزيز رؤى التخلف، وتفريغ العمل الديمقراطي من معناه، ولا بأس – متى ما سمحت الفرصة – بالانقلاب عليه، كما فعلت الحركة الأصولية: حماس.
من حماس، إلى إيران، مرورا بأكثر البرلمانات العربية والإسلامية مرونة، سواء في الكويت أو البحرين، تمارس التقليديات تفريغ العمل الديمقراطي من معناه، إلى درجة جعله أداة للتشريع المتزمت، كما في بعض دول الخليج، التي يحاول الأصوليون طلبنتها، أو تقديم حكومة (وزارات حربية) هدفها الرئيس: حيازة أسلحة الدمار الشامل، كما في دولة الفقيه المعصوم: إيران.
واضح جدا، أنه كلما كانت الديمقراطية أكثر مرونة، وأشد انفتاحا على مبادئ الحرية، كلما سهل على الكافرين بها اختراقها، وتوظيفها في سبيل غرس قيم الاحتراب الداخلي والخارجي. انقلاب حماس، أو فضيحة حماس، كانت الصورة التي نبهت كثيرين من حسني النية إلى (ثعبانية) المد الأصولي، الذي سرعان ما يلدغ الأقرب فالأقرب إليه. لكن، حماس لم تكن الصورة الوحيدة، بل ولا الأشد قمعية، وإن كانت اللون الفاقع في كل هذا العفن الأخلاقي.
أدرك ضرورة الفعل الجدلي، بين أنظمة مؤسساتية ديمقراطية من جهة، ووعي عام، يتشكّل بها ويشكّلها في آن. لكن، لا يمكن أن يتم هذا الفعل الجدلي إلا في حالة وجود درجة ما، من التقارب في الوعي، بين الأنظمة كأطر مرجعية، والمجتمع كفاعل ومنفعل بهذه الأطر التي تشكل هيكل العمل المؤسساتي. وللأسف، فهذا ما نفتقده في عالمنا العربي / الإسلامي اليوم، حيث نجد أن أحدث الأنظمة رقيا وتطورا، تسقط في يدي أشد صور الوعي تخلفا ورجعية، كما في الأصوليات.
ما أقصده هنا بالتشكيل الديمقراطي، لا يقتصر على المؤسسات الكبرى، في صورها البرلمانية، وإن كانت هي الصورة الأشد وضوحا، والأبعد في تأثيرها على الوعي الديمقراطي، وإنما أقصد – أيضا – المؤسسات ما دون البرلمانية، إلى درجة أصغر الوحدات المؤسساتية. هذه المؤسسات التي لا تسير – نظاما لا واقعا – وفق الأهواء، وإنما عبر تشريعات، هي في جوهرها، ديمقراطية، تحفظ الحقوق، وتضمن المساواة.
دائما ما تكون العيون والعقول مشدودة إلى المؤسسات الكبرى، كالبرلمانات، ومؤسسات انتخاب السلطات مثلا، فتراها التمظهر الوحيد الرؤية الديمقراطية، ولكن، يغيب عن الأذهان أن الديمقراطية – حتى في بعدها المؤسساتي – أوسع، فكل التشكلات المؤسساتية، إنما قاعدتها في الأساس، رؤية ديمقراطية، تسعى إلى تجاوز التشكلات العصبية البدائية، سواء ذات الطابع الفئوي، أو العشائري، أو الطائفي، أو المذهبي. فهي – أي المؤسسات – تحاول حفظ الحقوق للجميع، كما كانت تلك العصبيات – في الماضي – تحفظها للمنتسبين إليها خاصة.
لكن، وكما هو الحال في البرلمانات الديمقراطية العربية والإسلامية، تحاول هذه العصبيات اختراق هذه الأنظمة، وتوظيفها؛ لتعزيز مواقعها، ودعم زخم العصبيات فيها. وإذا كانت العصبيات العشائرية قد تراجعت، ولم تعد تتحكم في تفريغ المؤسساتية من وظائفها، فإن التيارات الإيديولوجية الأصولية التي اختطفت مجتمعاتنا في زمن (الغفوة) هي العصبية الأقوى والأكثر فاعلية في سلب المؤسساتية من قيمها النظامية.
هنا – وكما في البرلمانات الديمقراطية – تخترق الأصولية الحركية التي صنعت لها لوبيات ضغط، الطابع المؤسساتي لأية مؤسسة تتغلغل فيها، إلى درجة تكاد تحيلها من كونها قطاعا عاما إلى مؤسسة خاصة، حيث الكلمة الأولى والأخيرة هي للإيديولوجيا الأصولية، وليست للنظام، بل يتم (تعميد) النظام؛ ليكون أحد وسائل الإيديولوجيا التي تمارس من خلالها نفوذها.
هذا الاختراق لا يمكن أن يحدث علانية، أو أن يمارسه الأصوليون بوصفهم متطرفين يخطفون الأنظمة المؤسساتية، وإنما يتم التكيف مع واقع الحال. فإذا كانت البرلمانات ترفع شعار الحرية والعدل والمساواة، رفع الأصولي المتطرف ذات الشعار، حتى وإن اعتبراه كفرا بواحا. وكذلك الأمر في المؤسسات العامة، ما كبر منها وما صغر. ولا ضير – في توسلاتهم الميكافيلية – أن تتغير الشعارات، بين الحين والآخر، ولو وصل الأمر إلى درجة التناقض التام.
ولا شك أن القدرة على التخفي والعمل السري من جهة، والضرب على أوتار العاطفة الدينية من جهة أخرى، هما من أنجع الوسائل التي يمارسها الأصولي الوصولي المتطرف؛ بغية تمرير أجندته (التطرف: أفكارا وأشخاصا) الخاصة، في مؤسسات غير خاصة. سرية العمل، وسرية التعامل، والارتباط بلوبيات لها امتداداتها خارج المؤسسة، تضمن قوة النفوذ داخل المؤسسة، حيث يتم التناصح والتعاون و(الاحتساب!).
أحيانا – وتبعا لظروف المرحلة – يتنازل المتطرف على بعض الأبعاد الشكلية التي تربطه بماضيه الغفوي؛ كي لا يتم اكتشافه، او حتى الارتياب به. تنازلات شكلية لا تضر – والضرورات تبيح المحظورات – ولكنها تفيد في دعم رؤى التطرف والجمود. هؤلاء يحاولون أن يعطوا الآخرين، الذين يعرفون الكثير عن ماضيهم الغفوي، انطباعا بأنهم قد تغيروا، وأنهم الآن، ليسوا متطرفي الأمس. أي أنهم أصبحوا إنسانيين، ديمقراطيين، مؤمنين بجدوى الاحتكام إلى النظام، وأن الماضي القريب (الغفوي) لم يبق منه سوى الذكريات.
وهنا، يصدقهم المغفلون، يصدقونهم إلى درجة أن يصبحوا أداة من أدواتهم في بسط نفوذ التطرف، دون أن يشعروا. يتعاملون معهم ببراءة. بينما أولئك يتخذونهم سبيلا إلى تطويع الأنظمة لصالحهم، ويكفي منهم – في سياق الحشد الجماهيري الغفوي – مجرد الحياد. حياد هؤلاء المغفلين، يتم توظيفه في ترجيح كفة الحركيين الأصوليين المتطرفين؛ ما دام أن هذا يتم في المؤسسات ذات الطابع الديمقراطي، التي تعمل بالأصوات.
بعضهم، ولبقية باقية من إنسانية فطرية، لم يلتهمها الزمن الغفوي المتغول، يحاول الهروب – بإنسانيته وأخلاقه – من هذا المستنقع اللاأخلاقي، الذي يحاول التيار المتطرف إغراقه فيه. هذا النوع، يحاول أن يكون إنسانيا، ويحاول أن يكون أخلاقيا، ويحاول أن يكون متسامحا ومنفتحا ومحاورا.. إلخ قيم الإنسان. لكن، عند أقرب فرصة، أو أدنى اختبار عملي – يضعه على المحك، ما بين الولاء للتيار المتطرف الذي يتبعه حركة أو فكرا، وما بين الولاء للبعد الأخلاقي الذي يطمح إليه – يسقط إلى قاع المستنقع؛ متأولا ومبررا واقعة الخزي والعار. وهذا يعني أن الإطار الحركي والفكري قادر على التحكم في ولاءات أتباعه، حتى أولئك الذين لديهم إحساس بالمأزق الأخلاقي للأصوليات.
وهنا، نرى كيف أن الديمقراطية، بل والأنظمة المدنية التي تحفظ الحقوق، وتعمم المساواة، تقع فريسة غول حركي، يتمدد على طول العالم الإسلامي وعرضه، ويهدد الوجود المعنوي للمؤسسات المدنية، بل إنه – بقوة الحشد الجماهيري – يستطيع أن يجعل هذه الديمقراطيات، وهذه الأنظمة، تعمل ضد نفسها؛ بعملها ضد مبرر وجودها. وهذا الغزو من الداخل، من داخل المؤسسات، قد أثبتت الأصوليات قدرتها على تحقيق نجاحات فيه، إلى درجة التأثير على التشريع في البرلمانات التشريعية، في كثير من الأحوال.
كل هذا الاختطاف الأصولي الرهيب، ما كان له أن يتم إلا على أرضية جماهيرية، تستطيع الأصوليات تجييشها بمهارة فائقة الغباء!. لا تستطيع الخطابات النخبوية أن تنافس الخطاب الأصولي في سذاجته المتناهية، ولا منافسته في الاتكاء على المألوف، أو التوظيف – غير الأخلاقي – للمقدس في الخطاب.
الخطابات الأخرى المنافسة، غير الأصولية، نخبوية بطبيعتها. ولهذا فهي في معظمها لا تستطيع التنازل عن البعد الأخلاقي فيها، أي أنها لا تستطيع خداع الناس بإلهاب عواطفهم، أو باستثمار مقدساتهم؛ لأغراض دنيوية سلطوية، بإلصاق النصوص المقدسة – بطريقة عشوائية تجييشية – ماقبل وما بعد كل كلام؛ كي تخدع بها جماهير البؤساء.
لا شك أن المعركة اليوم، ميدانها عقول الناس. الأصوليات تقوم بعملية مسخ كامل لأي نشاط عقلاني، يقود إلى تفكير فرداني تقدمي، أي تلغي الفرادة في التفكير؛ لصالح التطويع إلى درجة صناعة عقلية القطيع. والتيارات العقلانية تمارس التنوير؛ بغية تثوير العقل الراكد؛ كي لا يستجيب لحلة الاختطاف الطوعي الذي تمارسه الأصولية عليه ليل نهار. والديمقراطية – على هذا النحو، وفي هذه الحال – أداة للجماهيري الذي يفترسه البؤس الأصولي.
لهذا، لا نعجب، حين نرى مؤسسة إرشادية تمارس القمع، حتى في تفاصيل التفاصيل من شؤون الحياة اليومية، منذ أمد ليس بالقصير. وإذا أتى الاستفتاء الجماهيري عليها، رأيت الغالبية تمنحها ولاءها، وتدعو لدعمها. انظر إلى أية حال يستطيع الخطاب الأصولي أن يستلب الوعي، ويسلب من جماهيره أغلى الأشياء في هذا الوجود: الحرية، ثم هم عنه راضون تمام الرضا. بل يصوتون – دون أن يشعروا – ضد حرياتهم، ومن ثم ضد الوجود الأكمل لهم، بعد أن تصوروا أن حراسة الفضيلة لا تتم إلا على أشلاء الحرية.
بل لا يستغرب – في سياق هذا الاختطاف الأصولي – أن يتم التصويت على التكفير، فتفوز الفتوى (التكفيرية) بما يقارب ثلثي أصوات المشاركين. عندما يسأل سائل جهول، فيجيبه من هو أجهل منه – أجهل منه باعتراف المجيب نفسه – بموضوع السؤال، وتكون الإجابة تكفيرا صريحا، وتؤيد (الفتوى!) بثلثي الأصوات في أحد الاستفتاءات، فأي مجتمع (تكفيري) يمكن أن تنتجه أية ديمقراطية، فيما لو أقيمت على هكذا واقع مريض. البداية لا تكون بأنظمة ومؤسسات ديمقراطية فحسب – وإن كان الابتداء بها مهمّا – وإنما بتأسيس وعي جماهيري متسامح، مؤمن بقيم الديمقراطية جمعاء؛ حتى لا تكون الديمقراطية أداة اختطاف.
