ممدوح بيطار ,سيريانو:
لقد كان الدين في العديد من وجوهه منذ بداياته قبل ١٤٠٠ سنة عموما صورة عن الجاهلية , والجاهلية كانت صورة معدلة عما قبلها …وهكذا , لاوجود في العالم لشعب مبتور عن ماضيه , فكل شعوب العالم تعرف فئات تريد استحضار الماضي كليا او جزئيا الى الحاضر وفئات تريد صناعة ماهو جديد كليا او جزئيا في الحاضر والمستقبل , فالخاصة ليست محلية حصرا , انما تعرفها كل المجموعات البشرية وفي أي بقعة من بقع هذا العالم .
يبدو وكأن الدعوة الدينية الجديدة مصابة بعقدة الاتهام وعقدة النقص , فأي محاولة للتحليل والشك بصحة نشاط أو ممارسة ما , يعتبر محاولة للاساءة للمعتقد , والمسألة هنا لاتتعلق بفداحة مايقال , انما بالدرجة الأولى ببنية العقيدة الدوغماتيكية القطعية , التي تتحسس من النقد وترفض صغيره وكبيره , العقيدة المقدسة المبنية على الثوابت لاتنسجم مع اي نقد ولا تتقبل اي نقد مهما كان , لذلك على كل نقد ان يصمت ,والا يستخدم معه اسلوب “التخريس أو التسكيت ” القسري ,وللتخريس أو التسكيت أشكال وأنواع منها القضاء على الناقد عن طريق رجمه بالتخوين والتكفير واتهامه بسوء الأخلاق والتآمر, ثم محاولة اغتياله بوابل من الشتائم والانتقاصات لابل حتى تصفيته جسديا , كل ذلك يقرن بالمديح المنتفخ للذات وللعقيدة السمحة المسالمة , التي لاتعرف الخطأ ولا تعرف الارهاب والترهيب او غير ذلك من الممارسات التي ترفضها الأخلاق ويرفضها العقل ,من البديهي ان ترفض العقيدة المقدسة أي نقد , لكونها تعتبر نفسها مصدرا لكل أخلاق ولكونها مصدر الحق والحقيقة.
لكل ماذكر علاقة أساسية مع خارطة ادراكية يقينية مسبقة , يأتيك المؤمن بقلب وعقل وبسلاح ادراكي مصدره التراث الديني من آيات وأحاديث وقيم موروثة , وعند أول مفارقة أو تباين بوجهات النظر ينكمش على خارطته الادراكية المسبقة , والتي لايمتلك غيرها , يقف مشدوها وعاجزا ومنزوعا من السلاح الفعال , وفي حالة منذرة بالاستسلام يلجأ الى اغتيال نظيره أو محاوره بالاقصاء او الاعدام الاجتماعي أو الاعدام الأخلاقي أو الوطني أوبتقزيم المحاور وتشويهه عن طريق اعتباره كلبا أو ذئبا أو ارنبا أي حيوانا وليس انسانا , الأمر ينتهي بالشقاق الذي كان له أن ينتهي بالوفاق , من الاختلاف يولد الخلاف وبالتالي الأزمة التي قد تنتهي بالغاء المحاور فيزيائيا , وكم من محاورة انتهت بمجزرة !
يمثل وضع الانتماء الديني المذهبي في نظام الدولة في العصر الذي نعيشه اشكالية كبيرة للمؤمنين , فالدولة الحديثة والوطن يتطلب انتماء أوليا لايستقيم مع الانتماء الأولي العشائري أو المذهبي ,هناك على مايبدو من يعيش في عصر لايناسبه ولا يستطيع الانسجام والتفاعل مع خواصه ومفاهيمه ومتطلباته , فالتمحور حول الدين مختلف عن التمحور حول الوطن , لاوجود لوطن في الدين , بينما يوجد في الوطن اديان , يمثل الدين بقدسيته وبارهابه وترغيبه المعنى النهائي للحياة , انه بداية ونهاية تاريخ الشخص الأرضي ومصدر أبديته السماوية , وسيان ان كان هذا الاعتقاد خاطئ أو صواب , المهم هو اليقين, الذي يضع الوطن من حيث الأهمية الحياتية بالنسبة للبعض وراء الدين , يسمى وضع من هذا النوع جهل وعدم تأهيل للعيش في وطن , وذلك في عصر الأوطان , التاريخ الآن هو تاريخ الأوطان , ومن يعيش خارج الأوطان يعيش خارج التاريخ .
مقابل هذا الواقع , الذي ينذر بعدمية حاضرة ومستقبلية من الصعب التصالح والتعايش معها ,فمن الصعب الاستسلام للدونية والتأخرية وكأن كرموزومات هذا الشعب من نوع سيئ كالبضاعة الصينية , لكن هناك من لايرى الأمر كما رأيناه , وهناك من يرى موخلوقات متدينة , الا أنها مسكونة بالمدنية ,مخلوقات كغيرها من المخلوقات , الا أنها مجذوبة ومقيدة بشدة من قبل عقل خارجي هو عقل العقيدة, الذي ينافس العقل الذاتي الداخلي ويمنعه من النشاط , وقد يصرعة اذا استلزم الأمر .
عقل العقيدة ديكتاتوري استعماري يمنع نشاط العقل الذاتي , وبالتالي صناعة الفكر ذاتيا , ويمنع تكوين ادراكية ذاتية واستقلالية حتى في أبسط أمور الحياة , كل شيئ مفروض وكل معارك الحياة مفروضة وأدوات القتال مفروضة ايضا , هناك صعوبات كبيرة في الخروج من دائرة القسر والاجبار والدفاع عن مواقف غريبة عن الذات ,عن الخرافات مثلا !خرافة الأرض المسطحة , أو جرائم الشرف او تعدد الزوجات أو مفهوم الوطن أو الولاء والبراء الخ , هنا يتحول فكر العقل الخارجي الملزم الى عبئ وقمع والى استعمار لايتفق مع اليقينات الشخصية , وكيف يمكن لعقل خارجي واحد ان ينسجم مع عقول البشر المختلفة والمتعددة !!!! , لذا كانت ضرورة القسر للتخلي عن الذات والدفاع عن العقيدة وعقلها بالعديد من الوسائل كالترهيب والترغيب ,تلك هي صورة معبرة عن تقزم الذات وانكماشها عند تبني فكرا مناقضا ليقيناتها , فكرا غريبا عنها الا أنه ملزم لها , انه تحويل للشخص الى مستعمرة منفعلة من الخارج وليست فاعلة من الداخل .
أما عن العلاج , فلا علاج دون احياء العقل النقدي , الذي ضمر ومات بفعل المقدسات وطغيان العقل الخارجي التراثي على الداخلي التطوري الابداعي , تتهافت بعض جماعات هذه الشعوب على الاستيراد من الماضي حتى القمامة , كتهافتها على استيراد منتجات العلم بمال البترول من الخارج , تهافت على المنتج وتنكر للفكر وللأسس العلمية التي قادت الى صناعة هذا المنتج المتطور .
هذه الشعوب مستعمرة دينية مشلولة العقل , تعتقد انها لاتخطئ , لأن من استعمرها لايخطئ , كائنات تعيش في زمن وعقلها يعيش في سجن زمن آخر , ولأن من استعمرها لايخطئ , لذا لالزوم لما يسمى ثقافة ” الاعتراف ” , لابد من ثورة تحرر العقل الخانع المطيع الخائف , أي ثورة على الذات , تلك هي الثورة الحقيقية !
Post Views: 485