من الانحلال الى التقسيم !

سمير    صادق ,  عثمان    لي :

        لايمكن القول على ان هناك وضعا سوريا يمكن أن يكون أسوء من الوضع الحالي , لذا فان أي حل سيكون أفضل من الانحلال الذي تقدمه الحالة السورية الآن , انطلاقا من الآمال المتواضعة جدا بما يخص مستقبل سوريا , يجب بحث كل الاحتمالات وخاصة أكثر هذه الاحتمالات منطقية وقابلية للتحقيق ! , اولا يجب الاعتراف بأن سوريا دولة فاشلة , أو يجب أن تفشل , ذلك لأن عمر هذا الكيان, الذي كان له أن يصبح دولة     قصير  نسبيا, والجزء الأقصر من عمر هذا الكيان عرف بداية تأسيس     الدولة   , بينما الجزء الأطول من عمر هذا الكيان , أي منذ عام ١٩٥٨ والى هذه اللحظة ,   فلم  يعرف سوى عملية واحدة,  هي عملية تقويض الدولة الناشئة وتهديمها , الى أن وصل   الأمر  الى تدميرها ماديا وسياسيا واجتماعيا , والوسائل التي تم استخدامها في عملية اعادة سوريا الى مجتمع الجماعات والعشائر والطوائف معروفة عند الجميع , ولكن   لابأس  من  ذكر  بعضها  !.  
عندما كان عمر الدولة   المستقلى  ١٢ عاما أي في عمر الأطفال , أتى ناصر وحول الدولة الى مستعمرة مصرية, ثم قضى على البنية السياسية لهذه الدولة, عن طريق حله   للأحزاب ومنع نشاطها , أي انه بكلمة أخرى أبعد الوطن عن المواطن , لأنه لاوجود للمواطن الذي  لايتفاعل سياسيا مع مجتمعه ووطنه , هنا     يمكن     القول     على سبيل   المثال  أن   الذمي  الغير موجود على الخارطة السياسية غير موجود في الوطن , وهذا الأمر ينطبق على كل مكونات المجتمع السوري , التي تم تجريدها من خاصة “المواطنة”,    السياسية ,    البلاء لم يتوقف عند ناصر, بل اشتد ضراوة بعد عام ١٩٦٣ , وبلغ قمته في عام ١٩٧٠ , ثم ذروة لايمكن تصور كارثية أفظع من كارثيتها بعد عام ٢٠٠٠ والى الآن   .
   ففي المجال السياسي سيطر الحزب الواحد والعقل الواحد والديكتاتور الواحد , وقبل الديكتاتور الواحد كانت الطائفة الواحدة , الى أن بلغ الأمر في البلاد حالة لايمكن   تصور أسوء منها , لقد برهنت الفاشية السورية   على أنها لا  تتحمل  الأحياء من  أبناء البلاد ,  لقد  ارادت   الموت   للجميع ,   منهم  من  مات  في       الزنزانة , ومنهم  من  مات  تحت  التعذيب  , ومنهم  من  يموت    بالتدريج  جوعا  ومرضا   , منهم  من   مات  قتلا  , ومنهم  من  ماتت  كرامته   , وكلهم  ماتت  حريتهم ,تعددت الأسباب والموت   واحد .
  لقد تم الاجهاز على المجتمع   السياسي ضمانا   لاستمرارية   سلطة    الشخص   ,  الذي   تملك    الدولة والحزب وحول  الدولة الى مؤسسة    ريعية ,    والريع        ذهب      الى   الجيب    ,   هيمن    الشحص  على كل شيئ, من الاعلام الى المنابر الدينية   الى   الاقتصاد ,وتمت التعبئة لممارسة البطش الغير مسبوق       تاريخيا ,أخيرا تم  تنصيب الصنم واطلاق اسم سوريا الأسد على الوطن ,.اسم  على  مسمى !, الولاء للصنم أصبح معيارا للوطنية , لابل تطور الوضع لما هو أسوء , فالأسدية استحضرت وصمة الارهاب وأسست محاكم الارهاب وتنكرت للالتزامات القانونية والضوابط الأخلاقية , التي مهدت الطريق الى تبرير الفتك البربري بكل من لايريد الصلاة على “دوسة” الأسد ومن لايريد تقبيل هذه”الدوسة”.
  اما الوضع الاجتماعي فقد أصبح حاضنا للفشل بامتياز , لقد قيد المجتمع السوري ذو التلاحم الهش الى مذبحة التشرذم والانقسام , فالطائفية الكامنة أصبحت ظاهرة, وتحولت الى أساسا      للافتراق  والغربة بين فئات المجتمع , أي أنها ألغت التلاحم  الهش  , هناك    العديد   من   الفئات   الدينية  , هدف كل فئة  كان  الهيمنة على الآخرى , وعواقب رفض هيمنة الأسدية أو هيمنة الفصائل المسلحة كانت احراق البلاد وتدميرها بالكامل , وفعلا تم تدمير البلاد  من أجل  مشروع  الهيمنة.
  قادت   الشعارات والممارسات التي تعرفنا عليها في السنين   الأخيرة الى قطع كل صلة تعاونية  تضامنية  بين مكونات  المجتمع  السوري , الذي لم يعد في ظل هذه الشعارات التي    طبقت بحذافيرها “ مجتمعا ” وانما مجموعات  سيطر  بعضها على البعض الآخر باستعمارية وبربرية وعنصرية لامثيل لها في التاريخ , وكيف لاتفشل دولة تطورت بهذا الشكل ؟ , فالفشل استحقاق سوري بامتياز ,واذا   كانت   الدولة  أرض وشعب     وعقد   اجتماعي  , فلا    الشعب    أصبح   مجتمعا متكافلا  متضامنا  ,  وانما   انحل   الى   العديد  من  الشعوب  والقبائل  والعشائر والطوائف  والقوميات  والجهويات  , ولا البقعة بقيت بقعة , وانما تحولت الى عشرات  بل  مئات  البقع  المعزولة   عن   بعضها    البعض   والمتخاصمة  مع    بعضها    البعض  ,ولا   العقد    الاجتماعي   بقي  قانونا  بل   دعس    بصرماية     الفساد   ,  الذي    تربع   فوق   القانون    ,  لذا فانه ليس من الغريب القول ,على أن  تفكك سوريا أصبح واقعا لاينقصه الا الاعلان عنه رسميا , انه ليس مؤامرة ,انما تجاهله والتسبب   به  هو المؤامرة,  لم   تعد  هناك   معالم   دولة   ,  فشروط    الدولة   الفاشلة  تحققت   جميعها    في    سوريا .
 اقتصاديا  تفككت البلاد   بشكل  كارثي  , ٥٪ من السوريين يملكون٩٥٪ من الثروة الوطنية , ومن بين الأقلية المالكة لكل شيئ  كانت   العائلة , التي تملك بين رئيس وأخ وأقرباء وأعمام وأخوال وغيرهم أكثر من ١٦٠ مليار دولار(كما  ادعىت محطة   Arte   النزيهة ),  الشيئ  الوحيد الذي  عرف  النمو في سورياكانت ثروة   العائلة وفقر    الشعب     , دخل الفرد كقيمة شرائية تدنى الى  أقل  من  العشر , والميزانية االسورية   بقيت  سنين بحجمها المعتاد من ١٦ مليار دولار   وقبل   سنة   انخفضت  الى  ٩مليارات ,   وحديثا     سمعت   عن   ميزانية    بحجم   ٢  مليار  دولار,  ثم   أن   الميزانية كات  اسمية  وليست  حقيقية , وعليها   عمليا  تغطية  السرقات ومصاريف  المخابرات   والجيش   , الذي  انقض  على أكثرمن   ثلاثة  أرباع    الميزانية ,   بذلك تحولت    البلاد   الى  مزرعة  خاصة ,   الاقطاعي  واحد ,  اما  بقية 
  الشعب   فقد   أصبحوا  مرابعين   ,يفلحون  ويكدحون   من  أجل   المعلم , الذيكان  رجل  غابة  راكبا  دبابة .
ما   شاهدناه   من تقتيل وصل الى مئات الألوف, ومن تدمير وصل الى أكثر من ٦٠٪ من البنية   التحتية  , ومن تهجير   أكثر  من  نصف سكان سوريا على الأقل, ومن افقار ٩٠٪ من الشعب السوري, ومن حرب لاتعرف الا البربرية , ليس الا اعراض للتفكيك الواقعي, الذي يجب الاعتراف به كواقع مهما كان مؤلما , والتعامل معه بايجابية وموضوعية   .
 
 التفكيك والانحلال   الغوغائي  سوف لن يتغير ايجابيا  أو  يتوقف  على المدى   القريب  ,التقسيم الذي لامناص منه هو عبارة عن تنظيم وادارة التشرذم بشكل يقلل من سلبياته ,من ينظر الى يوغوسلافيا والاتحاد   السوفييتي  وغيرهم  من   الدول  , لايمكنه  اعتبار    الوحدة  أمرا  مقدسا ولايمكنه  اعتبار الانفصال   خيانة  ,  فالمشكلة  في  يوغوسلافيا المتوحدة  كانت   أكبر   بكثير  من  مشاكل   الدول  الثلاثة   التي  خلفت  يوغوسلافيا  ,الانفصال   ليس  جريمة ,  انما  العيش     باتحاد  أو  تزاوج   قسري  هو  الجريمة ,  سعي  الأكراد    للانفصال    عن   العروبيين  والبعثيين والاخوان  هو  مؤشر   على  فشل   هذه   الفئات  بالدرجة    الأولى ,

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *