ميرا البيطار .ربا منصور
ليست الوحيدة التي تركت أثرا وتحولت الى أسطورة حية , هنك عدة ملكات سوريات اضافة الى سمير أميس, هناك الملكة نقية , التي تحولت إلى رمز للمرأة الصلبة الحازمة,وهكذ يتوجب علينا أيضا أن نذكر الأميرة السورية ” أوروبا “من العهد الفينيقي , التي أعطت القارة الأوروبية اسمها, وبسببها تم نقل الأبجدية والعلم والمعرفة إلى بلاد اليونان, عن طريق أخيها الأمير قدموس الذي ذهب يبحث عنها بعد أن اختطفها العاشق الإغريقي (زوس) , الذي سحر بجمالها .
ونذكر أيضًا السيدة العالية (جوليا دومنا) من حمص في سورية,ابنة كاهن معبد الحجر الأسود ,الذي كان أهل حمص يقدّسونه ويحجّون إليه, كانت جوليا كاهنة ذلك المعبد, التي استطاعت,بذكائها النادر وحكمتها الواسعة, أن تجعل أولادها يجلسون كأباطرة على عرش الإمبروطورية الرومانية في روما , وأن يحملوا اسم البعل السوري, وأن ينقلوا الديانة السورية إلى روما مع الأدب والموسيقى والعادات والتقاليد وطقوس العبادات,لايجوز أن ننسى ملكتنا الشهيرة (زنوبيا) ملكة تدمر, والتي وصلت الى مستوى حضاري عمراني وسياسيا واجتماعي واقتصادي يصعب تحقيقه حتى في هذا العصر.
لقد اشتهرت سمير أميس في التاريخ تحت اسم ملكة الشرق , والتي من أجلها شيّد زوجها الملك حدائق بابل المعلّقة, إحدى عجائب الدنيا السبع, كما نقلت لنا المدوّنات اليونانية ومن ثم الرومانية, خلد الرسام الكبير(روسيني) هذه الملكة في لوحة له , كما فعل مع الربّة عشتار, وكذلك خلّدها المؤلف الموسيقى الإيطالي الكبير (فيفالدي) في بعض اعماله الفنية , وكذلك فعل العديد من موسيقيي أوروبا بعد فيفالدي,كما أن الرسّام الكبير الشهير (ديجاس) خلّدها بلوحة تحمل اسمها وتعود لسنة 1861,كان هناك ظن أن سمير أميس ملكة أسطورية لم توجد حقًّا, بل ابتدعها خيال الشعراء القدامي في آشور وبابل,ولكن وفي نهاية القرن التاسع عشر بدأت الوثائق المكتوبة تظهر في العراق, بعد أن كشف الآثاريون عن العديد من المدن , على ما لا يحصى من النصوص البابلية الآشورية اللغة, والتي بيّنت حقيقة وجود الملكة سميراميس في تاريخ المنطقة القديم .
يعود ذكر سميراميس في التاريخ قبل الاكتشافات الأثرية إلى المؤرخ الفينيقي- اليوناني (ديدرورس الصقيلي) القرن الأول قبل الميلاد,والذي دون حكاية سميراميس كأشهر ملكة عرفها التاريخ, ونسخة (ديدروس) محفوظة إلى اليوم في الكتاب الثاني من موسوعة (ديدروس) التاريخية.
قبل القصة التاريخية,هناك الأسطورة الشائعة عن سميراميس, والتي تقول, وكما نقلها ديدروس, أن سميراميس أبصرت النور في مدينة عسقلون على شاطئ البحر المتوسط في فلسطين أو أرض كنعان,وكانت أمّها ربّة أو بعلة أو سيدة مدينة عسقلون, واسمها (ديرسيتو )التي وقعت في حبّ شاب جميل وعشقته وأنجبت منه سميراميس ,ولكنها وخجلاً من تلك العلاقة, حملت ابنتها الصغيرة إلى مكان يصفه النص بأنه صحراء وحجارة و تركتها هناك لمصيرها, وبعد أن تخلّت عن ابنتها الرضيعة, رمت نفسها في بحيرة عميقة وتحولت إلى سمكة, وكان هناك في المكان سرب من طيور اليمام, فأشفقت إحدى اليمامات على الطفلة الصغيرة, وراحت تسقيها وتشربها الحليب, حتى كبرت الطفلة وبلغت سن الشباب, ,وحدث أن قافلة من التجّار مرت بالمكان، ورأى سيد القافلة, وهو من رجال الملك, الصبية فأذهله جمالها, وكان اسم الرجل كما يذكر ديدروس (سيّما), فحملها معه ومضى بها إلى المدينة وأطلق عليها لقب (اليمامة) ودعاها باسم سميراميس, يعني السيدة العالية المقام أو السيدة السماوية (شاميرام) بالآشورية, والذي يدلّ وحسب ديدروس على اليمامة التي ربّتها واعتنت بها في اللغة السورية القديمة.
ومرت الأيام وصارت سميراميس سيدة محترمة, وذات يوم أبصرها الحاكم الآشوري, (أوني) نائب الملك الآشوري في سوريا, فوقع في حبّها وطلب يدها من (سيما) الذي تبنّاها, وتزوج (أوني) منها وأخذها معه إلى مدينة نينوى, فولدت له ابنين, وعاشا في سعادة, حتى قرّر ملك آشور أن يخوض معركة ضدّ أعدائه ليستولي على كل الشرق الأدنى ومصر, وطلب من زوج سميراميس أن يلتحق بالجيش فورًا, أخذ سيما زوجته سميراميس معه, والتحق بجيش الملك الذي يسمّيه النص (نينوس), وفي إحدى المعارك عجز الملك عن فتح إحدى المدن,هنا قدمت له سمير أميس نصائح مكنته من فتح المدينة ,هنا أجبر الملك زوج سميراميس على أن يطلق زوجته ليقترن به بعد اعجابه بدهائها, وهكذا تزوجها الملك وانجبت له ولدا .
مات الملك وترك لسميراميس إدارة شؤون المملكة, بانتظار أن يصل ابنه إلى سن الرشد, حكمت الملكة المملكة بيد من حديد , وقامت بمشاريع بنائية مذهلة مثل مد قنوات المياه من الفرات إلى المدينة (بابل), بنت جسورا على الفرات لتسهيل السفر والتنقل, مصادر تاريخية اشارت الى أن بعض تلك الإنجازات كانت هلى يد ملوك آشوريين آخرين,عندما شاخت سمير أميس تحولت الى يمامة واختفت الى الأبد حسب ديدروس
الكثير مما ذكره ديدروس صحيح, ولكن هناك بعض الأمور التي تبدو تاريخيًّا غير معقولة, ولا تتطابق مع وثائق التاريخ التي تم الكشف عنها فيما بعد, والتي أثبتت وجود سميراميس, وكونها ملكة حقيقية باسم (سامورامات), وكان يطلق عليها في القصر اسم (آشور_ شارات) أي سيدة القصر أو الملكة,ومن اسم (شارات) جاء اسم (سارة), وتم العثور على نقش قديم يأتي الكلام فيه على لسان سميراميس نفسها وتقول فيه:
“هذا النصب أقامته سامورامات سيدة القصر في عهد الملك (شمشي_ حدد) ملك العالم (يعني الهلال الخصيب السوري) وملك آشور, وأنا ( سميراميس) كنت زوجة ابن الملك (سلمناصر) ملك الأركان الأربعة (الهلال الخصيب)”.
إذن، سميراميس كانت حقًّا زوجة الملك 823-811 شمشي_ حدد قبل الميلاد,ابن ووريث عرش الملك سلمناصر الثالث 845-824قبل الميلاد.
ذكر “أبو التاريخ” (هيرودت), الذي زار بابل في عهد متأخر ملكتين بابليتين عظمتين الأولى سميراميس, وبعدها بخمسة أجيال ملكة سورية أخرى يطلق عليها اسم (نيتوكري)، ولكن أكثر المختصين اليوم يميلون إلى الاعتقاد أن هذه الملكة لم تكن سوى الملكة السورية المعروفة في التاريخ باسمها الآرامي السوري (نقية) من النقاء والصفاء,والذي تم نقله إلى اللهجة الآشورية في صيغة (زاكوتو) أو (ذاكيا) الذي يدل على النقاء بدوره, وعلى الرائحة الطيبة وكل ما هوحلو ونقي, الملكة (نقية) التاريخية نشأت بدورها على ضفاف المتوسط وفي سوريا, مثلها في ذلك مثل سميراميس كما سبق…
