اذا كان التحضر غاية الدولة والمجتمع , فلا يجوز أن يتدخل العامل الديني او العرقي في تكوينها وادارتها ورعايتها , العامل الديني عنصري بطبيعته , ويرتكز على مبدأ الدين الصحيح والدين الخاطئ , كذلك أمر العرقي , المؤسس على بديهية كون عرق أفضل وأسمى ولاديا من عرق آخر , لذلك لايمكن للدولة الدينية ان تكون دولة مساواة في الحقوق والواجبات , الدولة الدينية تعطي لمذهب واحد الصلاحية التاريخية التامة , وتعتبر بقية المذاهب اما كافرة أو مزورة أو محرفة , ويتوجب بالتالي اعلان النفير العام ضدها او هدايتها باللسان او السيف , انه اعلان حرب على الآخر مع ايقاف التنفيذ أو التنفيذ حسب الظروف , حالة هدنة مؤقتة قلقة متوجسة, تمثل هذه الحالة وضعا ضديا لمسألة الديموقراطية , التي لايمكنها أن تولد او تنشأ أو تنمو في جو او ظرف كالظرف الذي تم وصفه باختصار شديد .
بشكل عام لايمكن لعاقل ان يعتمد على مقولات مثل مقولة لا اكراه في الدين , لأنه بالمقابل هناك العديد من النصوص التي تنفي مضمون حديث لا اكراه في الدين , فالدعوة المكية تنفي دعوة المدينة والعكس صحيح , لذا لايمكن أخذ نصوص مكة مأخذ الجد وكذلك حال نصوص المدينة , حبر على ورق !, المهم هي مسلكية اتباع المذهب , والأهم هو الفقه الذي يتم به التعامل مع الناس , والتعامل يتم بأشكال وتفسيرات مختلفة ومتناقضة في العديد من الحالات , وأشد اختلافا عن بعضها البعض من اختلاف آيات وأحاديث المدينة عن الآيات والأحاديث المكية .
مقولة لا اكراه في الدين واضحة وجلية وليست بحاجة الى تفسيرات , كما أن المقولات المضادة واضحة وجلية , الفقه هو الأهم عمليا , ولنأخذ على سبيل المثال الفقيه السياسي الغنوشي ,الذي ادعى بأن الآية موجهة للجميع , أي أنه لايمكن خرقها بأي شكل من الأشكال , الا أنه نظرا لضديتها مع آيات أخرى , لابد من لوي رقبتها , لكي يكون هناك شيئ من الانسجام , لابد من تحييد الآية بشنقها والتمثيل بجثتها , تحييد الآية تم عن طريق الالتفاف عليها , حسب الغنوشي , الآية موجهة لكل الناس وبالتالي صالحة لكل الناس , باستثناء من رفع السلاح في وجه المؤمنين , ومن عارض الدعوة , فاذا فعل هؤلاء ذلك هناك الدواء في آيات القتال , وما أسهل من تبرير ضرورة القتال باستعمال الكذب الفج والمكرر كما فعل غوبلز , كمثال على ذلك كان تبرير انفلات الفتوحات بالتهديد من قبل الغير , الذي شعرت الخلافة به , مع العلم أنه لم يكن هناك تهديدات ,لم يهدد الاسبان الخلافة , كما أن الهند لم تهدد الخلافة , ومصر لم تهدد والأمازيغ لم يهددوا , وبلاد الشام لم تهدد وحتى الفرس والرومان لم يهددوا , اذن التبرير بالتهديد لم يكن سوى تلفيقة .
التبرير الآخر وليس الأخير كان ضرورة الهداية ونشر الدعوة بأمر من الخالق , نشر الدعوة لم يكن سوى تلفيقة كبيرة , اذ لم يكن هناك في زمن الفتوحات كتاب للدعوة , ولم يكن قادة الفتوحات رجال دين , ولهفة العسكر المحارب للغزو كان لأسباب مادية كغنائم الحرب وبسبب نسب تقسيم الغنائم المشجعة للغراة ,هؤلاء البدو لم يفهموا الدين الجديد في تلك الحقبة المبكرة , ولحد الآن لم يفهموا , ومعظم المؤمنين لايفهمون دينهم , وحتى الفقهاء لايفهمون هذا الدين , كما أن ادعاء وجود أوامر الهية , لم يكن أقل من احتقار للذات الألهي , لايمكن لله أن يأمر بتذبيح الناس والاستيلاء على متاعهم وأرضهم وما يملكون ,والمؤمنون بالله لايدعون بأنه شرير قاتل , فكيف يأمر عندئذ بالقتل ؟؟؟ وكيف يأمر بضرورة اسلمة الشعوب الأخرى , التي تنتمي الى دين آخر من اديان الله ؟
الأمثلة التي طرحت كانت لتبيان مخاطر مسألة مزج الدين بالدولة , وبالتالي خلق ازدواجية مفهومية , افقدت مقولة لا اكراه في الدين مفعولها وقيمتها التشريعية وبالتالي قضت الدعوة على السلم الداخلي للدولة , كما فعلت حروب الردة قبل الفتوحات , حروب الردة كانت من أجل الدولة ووسيلتها كانت الدين , ولكنها تسببت في انهار من الدماء وعشرات الألوف من القتلى والمذابيح , لم يكن لحروب الردة ان تكون , لو أخذ بآية لا اكراه في الدين , ولم يؤخذ بالسيف من أجل الدين .
اسست حروب الردة , التي نتجت عن كون الخلافة دين ودولة , لولادة فكر ومنهجية ابن تيمية ومن بعده الوهابية , ومثلت هذه الاتجاهات مرجعية للحركات الاخونجية والسلفية المعاصرة , ففي كتابه السياسة الشرعية كتب ابن تيمية ” أصل القتال المشروع , هو الجهاد, ومقصد الجهاد هو أن يكون الدين كله للله , وأن تكون كلمة الله هي العليا …فمن عارض ذلك قوبل بالعنف , هذا يعني تدفق اشكالية الحروب والتحارب الى الخارج , حروب على مابقي من البشرية , وما بقي من الدول والشعوب بدون استثناء , حتى أن بعض الفقهاء كما قال ابن تيمية اجازوا قتل الجميع لمجرد ” الكفر ” , باستثناء النساء والصبيان لكونهم غنائم للمؤمنين .
لم ينتج من مزج الدين بالدولة سوى الكوارث , والكوارث نراها في هذا العصر ايضا , لم يكن للفتوحات اي تأثير مستقبلي جيد , لقد زادت الفتوحات فساد اخلاق الفاتحين , عن طريق تمرسهم في ممارسة السلب والنهب واختطاف السابايا والجواري , نفسية الفتوحات ونفسية الحق البدوي لاتزال ماثلة امام أعيننا حاضرا , اصل الفساد هو البدوية وحق امتلاك الغنائم (تعفيش سرقة ونهب ) , ” فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ” هنا يدعي المفسرون بأن مباركة الأكل من الغنائم كان لطفا من الله ومكافأة منه للمحاربين , والمفسرون يقولون أن الله خص المجاهدين دون غيرهم بهذه المكافأة الحلال الزلال!, الفتوحات أتلفتكم يا أعزائي , انظروا الى حاضركم , تعرفون كيف كان ماضيكم …مفسدة!!!
Post Views: 459