لبوتين مفاهيم غريبة بعض الشيئ في هذا العصر , لا عجب أن تفوح من فهمه السياسي ومن ممارساته رائحة سوفييتية , ففي مدرسة السوفييت تعلم بوتين وفي مدرسة السوفييت تعلم أيضا لافروف , الا أن مدرسة بوتين كانت مقارنة بمدرسة لافروف أشد انحطاطا , لافروف عمل في السلك الديبلووماسي السوفييتي وبوتين في مخابرات السوفييت (KGB), ماذا ننتظر من تلميذ المخابرات السوفييتية ؟
لايمكننا أن ننتظر منهم الا ممارسات لها علاقة بتربيتهم على الأقل جزئيا,ولو أخذنا قصة براغ وربيعها وكيف أطبق السوفييت عليها بدباباتهم وطائراتهم وكيف برروا فعلتهم , نجد العديد من القواسم المشتركة بين الاطباق على براغ وبين الاطباق على الساحل السوري او على جيورجيا او مؤخرا أوكرانيا , لم يأبه السوفييت بغيرهم في تبريراتهم لفعلتهم آنذاك , فجأة هجم على براغ ٥٠٠٠٠٠ عسكري, ذلك لان رئيس الدولة الشيوعي أراد له ولبلاده بعض الحريات , في تلك الأوقات عام ١٩٦٨ تحدث بريجينيف عن الأسرة الاشتراكية وعن السيادة وعن ديكتاتورية البروليتاريا الدولية , والدفاع عن الاشتراكية وعن المجتمع الاشتراكي والأسرة الاشتراكية ثم عن مايسمى القانون العام في البناء الاشتراكي ,وأن الابتعاد عنه بمثابة تخلي الاشتراكية عن نفسها ,كل ذلك سمي آنذاك “عقيدة بريجينيف” , التي لم يفهمها حتى بر يجينيف , الحرية كانت مهمة للمتظاهرين , الا أن مطالبتهم بالحرية كانت بمثابة تمرد على العائلة الشتراكية “والأم ” الاشتراكية ومحاولة لتفتيت وحدة العالم الاشتراكي ..لذلك أمر مئات الألوف من العسكر …عليهم !
لم تكن غزوة بوتين العسكرية في سوريا السبب الرئيسي لاندثار سوريا, لقد كان لها ان تلعب دورا بناء , ولكنها لم تفعل في البناء , انما في التهديم , كبقية النشاطات العسكرية الأخرى مثل النشاط التركي او الايراني او غيرهم , هنا نرى أن ما دمر سوريا لم يكن السلاح والحرب بالرصاص بالدرجة الأولى , انما ماحدث على مسرح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة , لقد أفشل بوتين كل او معظم مشاريع قرارات مجلس الأمن بالفيتو الروسي , حتى مشروع قرار مجلس الأمن بخصوص ادخال المساعدات الأنسانية الى سوريا قبل بضعة شهور , هنا نريد تقديم لمحة عن بعض القرارات التي افشلها بوتين .
ففي يوم ٥-١٠-٢٠١١ قام باجهاض مشروع قرار يدعو “السلطات السورية” إلى الوقف الفوري لانتهاكات حقوق الإنسان , والامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي , كما دعا إلى عملية إصلاح سياسية شاملة بقيادة سورية حصرية للمعالجة الفعالة للتطلعات المشروعة للشعب سوريا, ولا أدري ماهو الخطأ في هذا المشروع وكيف يمكن لانسان رفضه , فلو تثنى لمجلس الأمن الموافقة على مشروع هذا القرار , لما وصلت سوريا الى ما وصلت اليه , اذ هناك في حالة عدم الامتثال الفصل السابع , الذي يرغم على الامتثال , في يوم ٤-٢-٢٠١٢ أسقط فيتو بوتين مشروع قرار عربي-غربي لإقرار خطة الجامعة العربية التي تدعو إلى تنحي بشار الأسد وتسليم سلطاته إلى نائبه, أشار نص مشروع القرار إلى “تبني” خطة عمل الجامعة والقرارات اللاحقة الصادرة عنها , بما في ذلك القرار الهادف للتوصل إلى حل سلمي للأزمة , هنا يمكن القول على أن هذا المشروع كان كفيلا بتجنب العديد من أوجه الكارثة السورية , التي تتجلى في اجاعة كل الشعب السوري , وتشريد نصفه وتخريب أكثر من نصف البنية التحتية ومقتل مئات الألوف من السوريين , ايضا أسقط فيتو بوتين مشروع القرار , يوم ١٨-٧-٢٠١٢ , أجهض بوتين للمرة الثالثة مشروع قرار تقدمت به بريطانيا إلى مجلس الأمن, نص القرار على “تمديد ” مهمة المراقبين الدوليين لمدة ٤٥ يوما, وفرض عقوبات على سوريا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة , إذا لم يقم نظام الأسد بسحب الأسلحة الثقيلة من المناطق السكنية في غضون عشرة أيام من بداية تطبيق القرار , اسقط الفيتو الروسي مشروع هذا القرار, ولو لم يسقط لما انهارت سوريا وتدمرت ,أما المناسبة الرابعة فقد أجهضها بوتين بعد الامعان في الاجرام في سوريا , هنا تقدمت بريطانيا بمشروع قرار لاحالة سوريا الى محكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب من قبل طرفي النزاع , لم يطالب مشروع القرار محاكمة الأسد فقط وانما محاكمة كل من ارتكب جنحة أو جريمة في سوريا ان كان معارض أو مؤيد , تصدى فيتو بوتين لمشروع القرار واسقطه , ولا اعرف مآخذ بوتين على هذا المشروع , الذي لو نفذ لما وصلت سوريا الى ماوصلت اليه .
كانت هذه نماذج عن مشاريع القرارات العديدة في بداية الأزمة , التي لو نفذت لتم انقاذ سوريا من الفشل والاندثار والتفتت الاجتماعي والجغرافي , واذا اعتبرت روسيا على أن موقفها كان هادفا للحفاظ على المؤسسات ومنع التقسيم والشرذمة وحماية حياة الناس وممتلكاتهم وكرامتهم , فسياستها أوصلت البلاد الى العكس من ذلك , لم تعد هناك دولة لكي تتم المحافظة على مؤسساتها ,اندثار الدولة يلخص كل جوانب الكارثة.
الآن يغامر بوتين في اوكرانيا , ويريد تنظيف اوكرانيا من النازيين الجدد , بالرغم من كونه احد اقطاب الديكتاتورية في آسيا وأوروبا وبالرغم من كونه الممارس الوحيد للعديد من النازيات , اشعر بأن بوتين وكأنه ليس خريج المدرسة السوفييتية فحسب , انما خريج المدارس العربية خاصة مدارس الاخوان المسلمين , الذين يجاهدون من أجل الحرية والديموقراطية , وهم من ذبح الحرية والديموقراطية بالعقيدة وبالساطور , بوتين ايضا خريج المدارس التي تخرج منها العديد من الزعماء العرب, خاصة في مجال التخلص من المعارضين وفي مجال السرقة , تقدر ثروته ب٢٠٠ مليار دولار وبذلك تفوق المتعلم على المعلم العربي باللصوصية والفساد !
قبل يومين صدر قرار من قبل محكمة الجنايات الدولية بالقااء القبض على بوتين بتهمة ارتكاب جرائم حرب في اوكرانيا واختطاف عشرات الآلاف من الأطفال الأوكرانيين وترحيلهم الى روسيا , كما صدر حكم بالقاء القبض على ماريا اليكسيييفا مندوبة روسيا لدى منظمة حقوق الأطفال , وبذلك لم تبلغ شرشحة بوتين أقصاها , فالمحكمة لاتزال تعمل على ازالة الستار عن جرائم أخرى مارسها بوتين في أوكرانيا , ننتظر أكثر من التفصيلات حول هذا الموضوع وتداعياته, وستكون هناك تتمة .
Post Views: 874