ممدوح بيطار ,مها بيطار :
تعيش مجتمعات هذه المنطقة في التأخر والفقر والمرض والجوع , لذا يجب البحث عن مسببات ذلك الخلل , أولا يجب البحث في الذات , لأنه لخصوصيات الذات علاقة مؤكدة مع حالة أو واقع بؤس وفقر ومرض هؤلاء الناس ,
تكشف النظرة على الذات عن عشرات الخصوصيات , التي لامجال لذكرها بالكامل وتفصيليا , احد خصوصيات هذه الشعوب هي امتلاء حياتها بالدين , وبالتالي كنتيجة كثرة رجال الدين والفقهاء , وذلك بالرغم من انكار وجود الكهنوت في ذلك الدين , بعكس كثرة الفقهاء هناك قلة وشح في العقلاء , بفتاويهم يصنع الفقهاء قوانين واحكام موازية لقوانين الدولة, وبالتالي يمثلون دولة ضمن دولةأو دولة موازية , مما يعني الخراب على المدى المتوسط والبعيد.
مضامين فتاويهم غريبة عجيبة , فقيه يرى حلال مضاجعة الزوجة الميتة , و آخر يروج لغزوة أوربا بقصد اصطياد بعض الشقراوات الجميلات ثم اقتناص الغنائم لاصلاح الوضع الاقتصادي , كما عبر عن ذلك الشيخ الحويني , آخر ينهمك في تعداد الحوريات في الجنة ونصيب الذكر الفحل منهم , وآخر يفند مفهوم ارضاع الكبير , ثم هناك من يرى في تعدد الزوجات حلا للمشاكل الاجتماعية كالعنوسة, عموما يجيب الفقهاء على كل سؤال .
ضاع الناس بين فقهاء الدين الحقيقي والدين الغير حقيقي , فدين اي فقيه حقيقي ودين غيره محرف , المصطفى قال انه في هذا الدين أكثر من ٧٠ فريقا , منهم فريقا واحدا على حق وما بقي على باطل , لحد الآن لانعرف اسما لتلك الفرقة , التي يطلق عليها اسم ” الناجية” , وكيف يمكن التمييز بين الحقيقي وغير الحقيقي وبأي معايير ! , العامة لاتعرف مدلولات الآيات الحقيقية , اذ يقال التأويل تقويل , فكل من الفقهاء الأكارم له مقولاته وتأويلاته, التي يترافق طرحها دائما مع تكفير وتخوين الآخر ,
من الخصوصيات يمكن ذكر ذلك الكم الهائل من التشويه في نظرة الناس للذات وللغير , فالنظرة للذات غالبا تمجيدية منتفخة ومغرورة تحمل في طياتها اليقين بامتلالك الحقيقة المطلقة , التي لاتقبل النقاش , لذلك لاموجب ولا أهمية للنقاش في ظل التسلح بالحقائق المطلقة , مع الحقائق المطلقة يتحول النقاش الى ممارسة شكلية لاينتظر منها أي نتيجة, أما النظرة للغير فليست أقل من احتقاره وتبخسيه ووسمه بالضلال والكفر والخطأ والانحراف الأخلاقي والزندقة .
ما هي المرجعية التي يعتمدها الوعي العربي في تعامله مع الغير ومع ذاته ؟, انها مرجعية الماضي , واللهفة في العودة اليه والاستنجاد به وبمقولانه واستحضاره كلما واجه العرب مشكلة , يسمى ذلك اعتلال الوعي العربي القاتل , لأنه وعي ماضوي لا أفق ولاحاضر له ولا مستقبل , العلة تكمن في اعتبار هذا الماضي قدوة في كل المجالات , انه العصر الذهبي أو بالأصح انه العصر المذهبي المطلي ذهبا مزورا , لقد كان عصر النقائص والعيوب , الذي حولوه في اطار التمجيد والتكاذب الى عصر الكمال والمثالية ,ثم وضعوا عليه مسحة من القداسة , لكي يبعد عنه أي شكل من الشك والنقد , انه كامل الأوصاف !!! , لذا يجب تقليده حتى في الملبس والمأكل والتقاليد والعادات , مع كل مايتضمنه ذلك من حركة معاكسة للتاريخ , معاكسة التاريخ اي الخروج من التاريخ هو خصوصية عربية بامتياز .
اعتمد الوعي الماضوي على الخلط بين الديني والدنيوي, الذي كرس القدرية , فكل المصائب كانت قدرا مكتوبا وممثلة لارادة الهية متكفلة بالتعويض عن المصيبة فيما بعد ,في الحياة الآخرة , فهل يمكن هنا سوى الاعتراف بأن هذه الشعوب مدمنة على الهزيمة والاستسلام , الذي يعتبره الفقهاء تقوى , هدفهم من ذلك تكريس التبعية لهم والاتكال على رحمتهم !.
لو سألنا كيف يجب التعامل مع الثقافة العربية الراهنة , أظن بأن جواب العقلاء سيكون القطيعة الكاملة , وسينصح العقلاء بفصل حقيقي بين الدين والدولة , فلا دولة ” مدنية ” بمرجعية دينية , ولا شريعة انما قوانين وضعية قابلة للتغيير والتطوير , فمكان الدين هو الحيز الشخصي , ولا علاقة له بالحيز الاجتماعي السياسي , وهذا حقيقة ماتتم ممارسته في الدول المتقدمة , ومن منا لايريد التقدم والحياة الأفضل ؟.
بخصوص اشكالية الثقافة العربية ! يجب تحرير هذه الثقافة من الخرافة , وتحرير الثقافة من مايسمى “الوظيفية” , للثقافة بشكلها الحالي وظيفة ممارسة التدجيل كشاعر البلاط , لقدكان الاعراب نورا للعالم ! لم يعرفوا الخطأ ولم يخطؤا يوما ما! , ولولاهم لماتت البشرية جوعا وجهلا ..الخ , هنا اتحد التجاهل مع الرياء في تزوير التاريخ , لم يكن العرب كما قال شاعر البلاط , ولكن لكي يصبحوا كما يحلم شاعر البلاط عليهم الابتعاد عن التجاهل والاتجاه الى الواقعية والنقدية والمصارحة واحياء ثقافة الاعتراف والتنكر للغرور , فالعرب بشكل قطعي كانوا العكس من خير أمة , بدون احياء ممارسة ثقافة الاعتراف والمراجعة سيبقوا حيث هم مهرولون باتجاه السلف الغير صالح .
واقعيا وبعد العولمة وتحول العالم الى مايشبه القرية الصغيرة , لم تعد هناك خصوصيات اقليمية للشعوب ,فالخصوصية الاقليمية كانت ولا تزال تقديرية افتراضية وغير واقعية , فشعوب الأقليم ليست متجانسة , ولكل فرد خصائص تعود في عصر العالم كقرية صغيرة الى العالم بالدرجة الأولى , بذلك تحول الفرد الى مخلوق “عالمي ” وخصوصيته اصبحت اللاخصوصية الاقليمية , ثم أن الخصوصية التي يريدها الأعراب لنفسهم كانت دائما مفهوما تاريخيا لايعبر عن جوهر مستديم , فما تسمى اليوم خصوصية تتحول غدا الى حالة اخرى بدلالات ومضامين معاكسة لما قبلها , الخصوصية ليست مقدسة , ولكن الأعراب يريدون تحويلها الى مقدسة , والمقدس في هذا العصر ميت قبل ولادته , لاتستقيم الخصوصية الاقليمية مع شعب الدولة المؤلف من عدة شعوب ومن عدة قوميات تعيش مع بعضها البعض في ظل عقد اجتماعي بشكل دولة .
بعد ان تحول النقد الى ركن اساسي من اركان حياة المجتمعات المتقدمة , لم تعد لتلك المجتمعات ثوابت ومقدسات وخصوصيات , لأن القاعدة في حياة الشعوب هي التغير والتطور , الذي لايتم الا بالنقد , أي نقد ماهو كائن الى ماينبغي أن يكون .
