ميرا البيطار :
اقامة الدول بحدود جديدة ليس بالأمر السهل في هذا العصر , ما ينطبق على أوروبا والاتفاق هناك ,على أن الحدود التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية , هي حدود نهائية ينطبق على بقية العالم تقريبا , فسوريا التي فرضت في عشرينات القرن الماضي من قبل المنتصر في الحرب العالمية الأولى بحدودها المعترف بها دوليا , هي سوريا التي يمكنها أن تبقى كما وجدت وكما تم الاعتراف بها دوليا , انها الدولة القانونية حسب العرف الدولي .
منظومة الدولة القانونية هي المنظومة المعمول بها عالميا في هذا العصر , هذه المنظومة ليست قومية بشكل خاص , أي أنه من الممكن أن يتكون مجتمع الدولة من عدة قوميات, أو أن يكون لعدة دول قومية واحدة , كذلك الأمر بالنسبة لمفهوم الأمة , يمكن لمجتمع الدولة الواحدة أن يتضمن عدة أمم , ويمكن لأمة واحدة أن تتوزع على عدة دول, مفهوم الدولة بالصيغة القانونية الدولية هو المفهوم ذو الاولوية مقارنة مع مفهوم القومية-الدولة أو مفهوم الأمة -الدولة, الدولة بصيغتها القانونية هي كيان غير مجرثم بالقومية , التي تمثل الطريق الأقصر للعنصرية والشوفينية والغير مجرثم بمفهوم الأمة المطاط الهلامي , فالدولة هي مشروع سياسي ذو اطار اختياري يرتكز على قناعة بالهوية , الدولة بشكل مختصر هي ترجمة لعقد اجتماعي أي “اتفاقية ” بين الناس , وكل انسان يستطيع الانضمام الى هذه الاتفاقية وذلك بغض النظر عن انتمائه الثانوي ..الديني … القومي …العرقي الاثني ..الخ .
هناك العديد من المشاريع بخصوص ألدولة , وبالنسبة لسوريا يمكن اعتبار المشروع السوري القومي الاجتماعي نظريا من أكثر المشاريع قابلية للتصور , وحتى الانشغال بهذا التفكير الآن عمليا مبكر , فقبل توحيد الدول يجب اقامتها , ولاوجود لدول في سوريا الكبرى , فلا سوريا بقيت دولة ولا لبنان دولة ولا العراق دولة , هناك دولا فاشلة , فالدولة التي فشلت في بسط سيطرتها على جميع مناطقها الجغرافية المتوضعة داخل سيادتها القانونية , والعاجزة عن تقديم قدرا مقبولا من الخدمات لمواطنيها والعاجزة عن احتكار العنف (ماكس فيبر) , الذي يتمثل بوجود السلاح ليس بيد الدولة فقط , هي دولة فاشلة أو لادولة , تفصيليا تم تعريف الدولة الفاشلة من قبل وزير الخارجية البريطاني جاك سترو وغيره , والأمم المتحدة اضافت بعض البنود على تعريف سترو .
قبل التوحد مع الخارج يجب تحقيق التوحد في الداخل جغرافيا وبشريا اجتماعيا , لقسم من سكان سوريا هوية عربية أو هوية اسلامية عابرة للحدود , وحديثا استيقظت الهوية العثمانية , هؤلاء جميعا مواطنون للدول أو الكيانات أو الأوهام , التي تعبر عنها هويتهم الطوعية الاختيارية , انهم مواطنون الدولة الاسلامية او مواطنون الدولة العربية او الخلافة العثمانية , وليسوا مواطنين الدولة السورية , لا علاقة للغير بالهوية التي اختاروها , وكون دول هويتهم وهم هو شأنهم , وعدم اعتبارهم سوريين هو شأن السوريين وليس شأن الغرباء عن الهوية السورية فقط , عندما يعمل هؤلاء ضد المصلحة السورية , يجب اعتبارهم خونة , الدستور يحدد التعريف المنطقي للخائن , وقانون العقوبات يحدد عقوبة الخيانة .
لكي لايغرق البشر بالأوهام , يجب وضع المشاريع المبكرة على قائمة الانتظار , لم تتحول الدولة السورية لحد الآن الى وهم , وذلك بالرغم من انها تسير في طريق الأوهام منذ مئة عام , يحق للسوري بالرغم من كل ذلك ان يحلم عند وجود أمل بتحقيق احلامه , ستكون سوريا محظوظة جدا لو تمكنت من الحفاظ على صيغة سايكس-بيكو الجغرافية والقانونية , لايتعارض هذا الترتيب المرحلي او حتى النهائي مع اعتبار شعب سوريا الكبرى ممثلا لأمة كاملة متكاملة , ألا أنها موزعة على عدة دول … أين هي المشكلة بذلك
