عندما لايخجل الوطن !…..

سمير  صادق   , نسرين   عبود :

 لقد  اصطنع أو   استحدث  الانسان حب الأوطان , ليس لسبب في نفس يعقوب , انما كممارسة تضمن للانسان نوعا من الأفضلية النسبية , المواطن في وطنه ملك ,  والوطن هو ملك للمواطن, والانسان يحافظ غريزيا على ملكيته وملوكيته,  من هنا كان من الضروري ان ترتشح هذه العلاقة بمزيج نفعي – وجداني   يحافظ   على    المصلحة  ويحرم الخيانة ويفرض الأمانة ,   الوطن أمانة في أعناق مواطنيه , انه مسؤولية يجب التحلي بالمقدرة على   حملها ,  بالمقابل يعمل الوطن على جعل المواطن ليس مالكا فقط وانما ملكا , وحتى لو كان   الوطن مزبلة , فملك  المزبلة  ملك   ايضا , سيد  في جهنم الوطن أفضل من عبد  في الجنة  !.
    تلك كانت   بعض  الاطارات التقليدية للمواطنة والوطن , ولطاما سارت الأمور في طريق يحافظ على النفعية المتبادلة , طريق يؤمن للمواطن  توازنا   بين  حقوقه وواجباته , يقوم المواطن عندئذ بواجباته ويحترم   أخلاقيات  العلاقة وأحكامها ,  بشكل وبآخر انها    ثنائية   الوطن -المواطن    في  السراء والضراء !.تطور  الأمور بشكل معيب   ,   أي  حدوث   خللا   في   توازن   العلاقة   بين   الوطن  والمواطن ,  يقود الى تغيير  قواعد التعامل   ومضمون   العلاقة ,  عندها   يتحول  المواطن -الانسان  الى الانسان -المواطن , أي الى  صيغة المخلوق البشري كانسان غير مرتبط(الانسان   -المواطن)  ,  صيغة   تختلف   عن  صيغة المخلوق البشري كمواطن مرتبط  (المواطن  -الانسان ) ,   في   صيغة الانسان ـ  المواطن  تتقلص روابط   المواطنة وتقلصها يرغم  الانسان   الغير  مرتبط   للبحث عن   ارتباط   جديد    في   صيغة   المواطن  – الانسان     المرتبط …  المواطن  !
   احيانا  لايستوعب   وطن المولد   اي وطن   الانتماء  ومصدر       الهوية الطوعية      ذلك    الفرق   بين   الانسان  -المواطن   , وبين   المواطن   -الانسان  ,   فالسوري   انتماء    اي   ولادة  يتمكن من     أن   يصبح   رئيسا  لجمهورية الأرجنتين , ولكنه      لايستطيع   أن  يصبح رئيسا لجمهورية مولده ومصدر   انتمائه  سوريا  ,   اذ   عليه   في   هذه   الحالة أن يكون   مؤمنا   أولا  ,وأن   يكون   ايمانه   منسجما مع     ايمان    الدولة   ,     اذ  هناك   في   سوريا   مايسمى   دين   الدولة     , وهذا  هو   أحد    أشكال   الخلل    ,  الذي   يتمظهر    بتحول  الجمهورية  الى  خلافة , الرئيس    المؤمن   هو   الانسان  -المواطن   الغير  مرتبط    بالوطن   انما    بالدين   ,     والأمر   هنا   يختلف   جذريا   عن   المواطن   -الانسان    المرتبط   بالوطن ,  هناك    في   الأوطان   اديان   ,    ولكن          لاوجود   للأوطان    في   الأديان.   
    يقود    أمر   من  هذا   النوع  الى اختلال   التوازن  في   المواطنية  , الى  ارتجاج   وزلزلة العلاقة      المواطن بالوطن  ,   عندها يفكك المواطن-الانسان   ارتباطاته  المسماة  وطنية , ويبحث   عن  ارتباطات جديدة , يؤمنها له عصر العولمة , عصر تحول  به  مواطن الاقليم   الى   مواطن  العالم ,  فالدولة الاقليمية فقدت الكثير من نفعيتها ووجدانيتها  وضروراتها  , ليكسب العالم كل ما خسره    وطن  الاقليم.   
 العلاقة بين المواطن السوري ووطنه متأزمة بشكل مطلق الى حد الطلاق , فالوطن يطلب من المواطن أن يعيش أكثر من٥٠ سنة  من   عمره  في قمعية لامثيل لها , ثم يطلب منه عشرات السنين الاضافية انتظار   اصلاح ما أفسده  السوري   حاكما   أو  محكوما  , والانسان يعيش  بشكل وسطي  حوالي ٧٠  عاما , أي  أن الوطن  يطلب  من  المواطن  قضاء أكثر  عمره  في  التعاسة ,  وما  بقي  من  العمر  في  انتظار  السعادة , التي  على   الأرجح   لن    تتحقق , فالثقة  والصدق  ليسوا  من  شيم  الواعدين   ,هناك   دائما  خدعة  جديدة  وكذبة  جديدة  ..وضع يكتنفه  التشاؤم  وعدم  الثقة !.
  المواطن  يسأل    في  لحظة  تأمل  ,لماذا  عليه  دفع  ثمنا   لايمكن  تصوره  لبضاعة  هي  أصلا  ملكا   له , كالحرية! , أطنان  من  الدم وبحور  من  الذل  والمهانة والاستبداد  ثمنا  لحرية ممارسة غريزة الكلام !!, وفي  وطن  آخر  يستطيع  الانسان   أن  ينهل  من  الحرية  حتى  التخمة ,   وكيف  هو  الحال  مع  الملك  على  مزبلته ,   عندما  تصبح   جلالته في هذا الوطن جزءا من الزبالة  , ثم  السجون  والشجون  وسلخ  الجلد  وسرقة  المال   العام   وانتهاك  العرض  ومصادرة  الأرض  وقتل  العقل ومنع  الفكر , وكمامة  الفم , وقلع  العين  وقطع  الأذنين  ,ثم  اقتلاع  الأظافر  وقتل  الأطفال , ومنع  التنفس , ثم احتكار  البعض  للهاتف  والمعرض  وحتى  المعرص ,   رقاب  الناس   تداس  وتحبس  الأنفاس ..لماذا  تطلب ياوطن  مني  كل  ذلك ؟, وماذا  تقدم  لي ؟. 
أقدم لك   امكانية   أن تصبح زلمة  اوصعلوكا  أو قاذورة  وفي أيامنا  هذه جرثومة  أو  فأرا ., أي بكلمة أخرى حيوانا,لك   بعض     العلف   بدون  كرامة  , وان  اردت   ان   تسترزق    أكثر , فتحول   الى  مرتزق  , هنا   يمكنك   احتقار  الغير  واهانتم وسرقتهم والكذب عليهم , وعندما أقول للوطن ,لا يا وطني , أريد أن   أن  أبقى  انسانا  مستقيما   خلوقا   , عندها  ينفجر  الوطن  الفاجر  غيظا  وغضبا  ..الى المحجر يا خائن  الوطن ,الى  التعليق  على  سقف السجن, كالعجل  المذبوح  لتلقي الصدمات الكهربائية ,  الى السوط والكرباج في الزنزانة …ومن حالفه الحظ  الى المهجر,   كما ترون انقلبت الآية ,لقد أصبح الهروب الى المهجر , بديلا محترما عن   المحجر   في   مايسمى  وطن  حيث التعاسة   والذل  ,   انظروا   الى   اعداد   المهاجرين   والهاربين   ,     يقال  ان  عدد   السوريين  الذين  يعيشون  في   سوريا   المحجر   , أقل  من  عدد   السوريين  , الذين   يعيشون  في   المهجر . 
       

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *