بغض النظر عن الخطب العصماء , يجب القول بأن الجوع المتزايد والفقر بدون سقف هو واقع حسابي, فعندما لاتتوفر للانسان امكانية تمويل طعامه وشرابه , سيصبح جائعا حتما سواء انتصر الشعب العظيم على الناتو أو لم ينتصر , ثم أن مسألة التمويل عويصة ومعقدة , اذ هناك فرق كبير بين الراتب والدخل , فالراتب هو لقاء العمل في الوظيفة مثلا , والذي لايتجاوز نصف ساعة يوميا حسب ادعاء سيادة رئيس وزراء سابق , أما الدخل فهو العامل الرئيسي في التمويل ومصدره ريع الفساد , الذي يوفر التخمة والتدفئة للبعض , وحسب أحكام منطق الفسلد الريعي يمكن القول بأن اثراء وتخمة شخص على يد ربع الفساد ترجمة لافقار وجوع ألف شخص لابل عشرات الآلاف من الأشخاص !
من يفكر في شجون الراتب, ويقارن ذلك الراتب مع الضروري جدا من المصاريف والتكاليف , يصل الى النتيجة التي تؤكد استحالة الحياة اقتصاديا في الوطن الحبيب , فالفرد في هذا الوطن أصبح أفقر افراد المعمورة , ناهيكم عن استحالة الحياة سياسيا أو أمنيا أو اجتماعيا , في مجتمع تحول الى ذباب وذئاب , ملاين من البشر أطفال وشباب وكهول جياع , كان لهم أن يشبعوا لولا الفساد وسرقتهم مثل سرقة المساعدات التي ترسل اليهم من الغرب اي الأمم المتحدة , حيث يرسل يوميا حوالي ٣٦ مليون وجبة طعام .
لايمكن الشك بوجود جائحة الجوع وعواقبه والبرد القارس واختلاطاته , عندما يرى الجائع البردان في جوارنا وفي بيتنا وبيننا , الجوع وحش يأكل الانسان حيا , البرد حيوان يحرق الانسان حيا , تحولت البلاد بسبب ذلك الى مدفن كبير, الفقر كفر ومقبرة , الأرقام والواقع يؤكدون كل ذلك , فميزانية الدولة رسميا 6 مليارات دولار , بينما ميزانية 150 شخص في البلاد 275 مليار دولار , ميزانياتهم تعني موجوداتهم بفرق يساوي الصفر.
الجوع الذي عانى منه أكثر من خمسة أسداس الشعب السوري, يعاني منه الآن ستة أسداس الشعب السوري تقريبا , الفقر وباء اصاب مجمل الشعب السوري , ألا أنه من الممكن التعرف في هذا الشعب على فئات متباينة جدا في حجومها وخصائصها , هناك فئة تحت خط الفقر , وفئة تحت خط الفقر الشديد, وفئة تحت خط الفقر المدقع , وفئة صغيرة جدا فوق خط الفقر, انها الفئة التي تجلس فوق القانون , مثل الأسود وأقربائهم وأنسبائهم وزبوناتهم ومأجوريهم وشبيحتهم ومرتزقتهم ..الخ ,هؤلاء يمارسون النهب والسرقة ,فمن يريد في جمهورية الخوف والجوع ان يجلس فوق خط الفقر, عليه أن يجلس فوق خط القانون.
من الصعب فبركة واقعا افتراضيا للحياة , واقعيا وموضوعيا ,لايكفي أي راتب شهري رسمي لتغطية مصاريف نصف يوم في الشهر ,السوريون جياع ان فبرك المفبركون او لم يفبركوا واقعا افتراضيا معاكسا للواقع الحقيقي العملي الموضوعي الملموس , جائعون سواء نفت قناة الميادين ذلك او أكدت قناة الجزيرة ذلك , كلهم كلهم جائعون , حتى انه لم يعد بمقدور الفساد اشباع ابطاله , هناك الآن لصوص جائعون ومعفشون جائعون ,ومجرمون جائعون وشبيحة جائعون , لذلك نرى هذه الأيام استنكاراتهم واعتراضاتهم على فقدانهم الرغيف, وليس على فقدان غيرهم الرغيف , المرتزقة بقوا مرتزقة !
حصر “النعيم “ الحياتي ”بنعيم ” المعدة , يحول المخلوق البشري الى مخلوق حيواني , يمثل اختزال وظائف الحياة الى وظائف المعدة والأمعاء والشرج وحتى الفرج اختزال الانسان الى حيوان قطيعي للعلف والتناسل أي مخلوق الفرج والشرج , الجوع الذي ينتهي بالموت يأخذ مشكلته معه , والمشكلة ليست بالأموات , انما في تحول كامل المجتمع الى حيوانات لاتحلم بأكثر وأرقى من متطلبات الشرج والفرج ,لقد تمكن الفساد بنجاح من ازالة “ورم” الأنسنة عن المخلوق السوري, الذي تحول الى ذئب أو ذبابة في أحسن الأحوال.
من الملاحظ وجود ظاهرة التجاهل الاجتماعي لاختفاء الموت الطبيعي , وحلول الموت الاصطناعي القسري مكانه , ان كان بواسطة ما يسمى الشهادة في القتال او بالجوع او بالاغتيال في السجون تحت التعذيب , او التقتيل في الحروب وفي ممارسة العنف الخ , ينفي التجاهل الاجتماعي خاصة “ الوعي ” الاجتماعي , وينفي خاصة التمرد الاجتماعي , ويؤكد خاصة الطاعة والخنوع والخضوع , وحتى أن التجاهل ينفي وجود مجتمع , لولا التجاهل الاجتماعي ولولا تجذر ثقافة الطاعة والانصياع وفساد غنائم الحرب في النفوس , لما تمكن شخص او عدة أشخاص أو فئة من تجنيد ذلك العدد الكبير من افراد هذه القبائل في مشروع الفساد , التأهيل لممارسة الفساد هو هويتهم جميعا, ولا فرق نوعي بين رئيس ومرؤوس منهم , كما أنه لافرق نوعي بين علي بابا وبين الاربعين حرامي.
كل ما ذكر ينفي أصلا وجود مجتمع , ففي مجتمعات الدول هناك وعي وطني أخلاقي لايسمح للفرد عموما بأن يفسد وأن يقيم اكبر احزاب البلاد , يبقى فساد البعض استثناء , على العكس من ذلك في اسراب قطعان القبائل , هنا الاستقامة والنظافة والشفافية استثناء , هنا يمثل حزب الفساد أكبر الأحزاب !
