ميرا البيطار :
يمكن التعرف بخصوص مفهوم الوحدة على ثلاثة مواقف في سوريا وبقية الدول الأخرى , هناك موقف لامبالي , وموقف معارض ثم موقف مؤيد , فشلت الوحدة السورية – المصرية , وساهم فشلها في افشال تطورات وتصورات وحدوية مستقبلية , الفشل كان متوقعا, والانفصال كان حتميا , ذلك لأن هذه الوحدة ” الاندماجية” لم تكن الا عملا مراهقا اعتباطيا لمراهقين في السياسة , كغيرها من الممارسات , التي كانت أكثر كارثية من فشل هذه الوحدة , مثل حرب ١٩٦٧ وغيرها من الحروب , التي لم يكن لها من نتائج الا المزيد من خسارة الأرض وخسارة المزيد من المكانة دوليا وداخليا , انتكست الوحدة وكان لها أن تنتكس , تعثرت وكان لها أن تتعثر , وفشلت ولم يكن لها من مستقبل سوى الفشل .
أوضحت طريقة الدول الأوروبية في توحيد أوروبا العديد من تداعيات الوحدة السورية- المصرية , وغيرها من مشاريع الوحدات , كمشروع الوحدة الليبية التونسية أو الليبية اليمنية أو السورية العراقية ١٩٧٩, اذ أن سبل الوحدات العربية الفاشلة مثلت سبل التوحيد الأوروبي معكوسة , فهناك التكامل ثم الاندماج , وهنا الاندماج ثم التكامل.
لاتستحق الاعتباطية العربية ذرف دمعة واحدة على فشلها , الدمع يجب أن يذرف أنهارا ليس على فشل الوحدة , انما على اصابة الحاضر بالمزيد من مرض التفتت والتشرذم , الذي كرسه نجاح عملية الانفصال , التمكن من فصل مصر عن سوريا اصاب الداخل بالعدوى , وجعل نموذج الشرذمة مستعرا على الأقل من الناحية النفسية الوجدانية , فرياح التفتت والتشرذم نشطت في العديد من الدول العربية بعد الانفصال, والتشرذمات في سوريا لم تبلغ لحد الآن أقصاها , فالسنين بعد الانفصال ولحد الآن لم تعرف الا ظاهرة التجزئة المتزايدة لما كان ظاهريا موحدا.
لايمكن لكيان قطري أن يتوحد مع كيان قطري آخر لتشكيل دولة أكبر وأقوى , عندما يكون هذا الكيان القطري غير متحد ومستقر داخليا , الأمثلة عديدة على ذلك , هناك ذلك المرض في عدة دول عربية مثل العراق والسودان واليمن وغيرهم, وهناك من يتوقع قيام ١٥ دولة أو دويلة عربية على أنقاض ٥ دول عربية , ومن سوريا وحدها قد تولد عدة دويلات منها دولة الساحل , اذ يقال يقال ان ٩٥٪ من الساحليين يريدون اقامة دولة خاصة بهم , هناك الأكراد أيضا , وهناك يقظة سيريانية آشورية ودرزية وتركمانية وغيرهم ,لقد قضى الفشل الوحدوي على الثقة بأي مشروع وحدوي بين الدول العربية , فكيف ستتحد دولا مع بعضها البعض عندما تكون هذه الدول داخليا ممزقة ؟؟, لاوجود لدولة عربية واحدة لاتعاني من التمزق الاجتماعي والسياسي وحتى الجغرافي في البعض منها , حقيقة انه ليس تشرذم بالمعنى الحرفي للكلمة , انما عودة الى حالة قديمة الى ماقبل 1400 سنة , فالامبراطورية العربية لم تمثل وحدة الشعوب , انما نوعا من الادارة الواحدة من قبل المركز الأمبراطوري , الذي اساء لأطراف الامبراطورية بشدة , قمع ونهب وعقاب وذبح ثم ادخال مفهوم دولة السلطة في الفكر السياسي , ثم ممارسات الفساد عن طريق شرعنة غنائم الحرب , المستعمر الحجازي لم يبن ولم يعمر ولم يفتح المدارس ,وهو في هذه النقاط معذور , فالغراة كانوا اميين ومتوحشين اضافة الى ذلك , لم يعرفوا سوى البربرية , التي نشروها في المستعمرات المفتوحة باتقان مريع .
اذا كان التعلم من تطورات الاتحاد الأوروبي ممكن , فانه من المستحيل أو حتى الضار التعلم من تطورات الوحدة السورية المصرية , لقد كانت هذه الوحدة ممثلا شرعيا للسياسات القاصرة وبالتالي المدمرة , حتى انه من الخطأ تسمية الخطوات التي قادت الى الاندماج بأنها خطوات “سياسية ” ,لقد كانت تلبية لنزوات شخصية أو فئوية كالبعث وطموحاته وناصر وطموحاته , فالسياسة كما هو معلوم فن التوصل الى أقصى مايمكن من منافع ,وليس الى أقصى ما يمكن من أضرار , لقد كان على السياسي الذي يستحق هذا الاسم أن يعرف سلفا على أن موضوع الاندماج غير منتج , البدء كان معكوسا ..أولا تكامل وبعدها اندماج وليس العكس .
يقول البعض أن ضرورة الوحدة تكمن في المشاعر الجياشة والشعور بالهوية المشتركة والمكانة العاطفية للوحدة لدى الانسان العربي , ومن يستند على اعتبارات رومانتيكية من هذا النوع لايستطيع تحقيق الوحدة المادية , أي انشاء دولة واحدة , ذلك لأن الوحدة ليست ضرورة نفسية وجدانية فقط وانما ضرورة مادية وامكانية مادية تفرض نفسها تلقائيا عند التمكن وعند الضرورة , فقبل اتحاد الدول يجب اقامةهذه الدول , وما نراه من كيانات لايمثل “دولا ” بالمعنى العلمي لهذه المفردة , وأسباب عدم وجود دول جلية , فالنهب والسرقة والفساد والديكتاتورية والتسلط واغتيال الحريات واللاقانونية لاتؤسس “لدولة” ,الدولة تتطلب مجتمع ,شعوب القبائل والعشائر ليست مجتمع , الميليشيات الخاصة ليست دلالة على وجود مجنمع الوطن او الدولة , لذا تلاشت “المواطنة” لعدم وجود وطن يمكن به ممارستها , المواطنة أصبحت مادة لفظية للدجل والتوظيف من أجل الكسب ,ثم أن معظم الدول العربية لا تزال مستعمرات , لقد ثبت أن الاستعمار الداخلي أظلم واعتى من الاستعمار الخارجي بدرجات , “المستعمرة ” ليست دولة , ولا يمكن لها أن تتحد مع دول أخرى .
انها وحدة شعوب قبل أن تكون وحدة زعامات , ولا يمكن للشعوب أن تتوحد في اطار دولة جديدة الا من خلال شرعية تمثيل هذه الزعامات للشعوب ,فالزعامات هي التي تنفذ مشروع الوحدة وتضع شروطها , الزعامات كانت بشكل عام انقلابية , ولم يكن الشعب مصدر السلطة ,انما الانقلاب والتزوير والتضليل , فالوحدة خطوة عملاقة من الصعب انجاحها الا بتوفر الديموقراطية القطرية في كل قطر يريد انجاز مشروع الوحدة , تسير الدول الأوروبية في طريق التكامل , وكل الدول الأوروبية ديموقراطية أو حققت جزءا كبيرا من المشروع الديموقراطي المتجدد والمتطور باستمرار , ولأن الشعوب العربية تمثل في هذا الخصوص العكس من الشعوب الأوروبية , لذلك نجحت التجربة الأوروبة وفشلت العربية .
