موت السياسة وحيوية العنف ..

 سمير   صادق   :

    دعونا   نحلم !, ماذا لو تطورت البلاد  بالشكل الذي كان عليها  أن  تتطور  به  بعد الاستقلال ؟ ,وهل كان  للشعب أن   يعاني  مما  يعاني  منه اليوم؟  ,   فالشعب   يتواجد   حتى  الآن  في  حالة  حرب  وعنف ,  ليس  فقط  بالرصاص ,حرب الفصائل  , وحرب   الكتائب  ,حرب  على   الغذاء ,على  الجوع ,على  التأخر , على   الشقاء وانعدانم  السعادة ,  اذ  لاوجود   لوجه  واحد  مسعد  من   جوانب   حياة   الناس , فما هو السبب الأكثر ترجيحا    لهذا   الوضع  ,  الذي   يمثل   بشكل  عام  اخراج   الانسان  عن  أنسنته   قسرا ,    او خروجه  من   التاريخ   ومن  الأخلاق  والقيم  والسعادة    . 
 
  وصف التاريخ    السنين الأولى بعد الاستقلال    بكلمات  جميلة   ,  وعند مراعاة عامل الزمن , تصبح هذه الكلمات أكثر جمالا ,  ..المجتمع كان أكثر حيوية ومدنية من جمهورية  القرن الحادي والعشرين , لقد كانت هناك صحافة , الأيام  ..  والقبس ..الخ , كانت هناك انتخابات  وبرلمان, وقد كانت هناك  كانت هناك رجعية وزعامات  وفساد  أيضا , الا أن كل أشكال التأخر والفساد لم تكن بذاك العمق والشيوع , التي هي عليه الآن .
بدأ التنكص بالعسكر  وبحسني الزعيم وغيره وما بعده , الا أن الضربة القاضية التي  لحقت  ببدايات التطور  الاجتماعي الديموقراطي  في  المنطقة   عموما أتت من  عبد   الناصر,  الذي   الغى     الأحزاب  في   مصر  ولاحقا   في   سوريا  , ضربة  الغاء الأحزاب  كانت  قاضية ,ووجدت من يقلدها في بلدان أخرى  ,  ضربة أدخلت  بدايات  الديموقراطية الاجتماعية في حالة   غيبوبة وسبات عميق  , ومع السنين ماتت  السياسة  تدريجيا , وموت   السياسة  كان   المسبب  الرئيسي , لما  الشعب عليه وبه الآن . 
 
قال الجنرال  البرويزي    الألماني  كلاوزيفيتز, الحرب  هي  امتداد  للسياسة  بوسائل   أخرى , ومقولته  كانت  من  ناحية الواقع   مصيبة    , الا أن هذه المقولة  افترضت , والجنرال لم يفترض ذلك,  في  هذه  الحالة  تحول  السياسة  الى  حالة عدمية   غير  منتجة , ولو قال  ان الحرب  هي  نتيجة  وامتداد  لموت  السياسة  وعدميتها  وغيابها  لكان  ذلك  أكثر  صحة  وواقعية , فالسياسة  اضافة  الى  كونها  فن التوصل  لما  يمكن  التوصل  اليه , هي أيضا فن  التواصل  وفن  ادارة  تناقضات المصالح  , وتناقضات المصالح هو القاسم المشترك  والشيئ    الثابت لدى   المجتمعات   البشرية  , ادارة التناقضات بنجاح  يمنع   استخدام  العنف (الحرب عند الجنرال الألماني) , فالعنف  مبدئيا   ليس  مزاجية , وانما  نتيجة  لغياب  فن  ادارة التناقضات  في المجتمع , وقرب  المخلوق  البشري  من الحيوانية  أو  بعده عنها , هو أمر يحدده   وجود فن  ادارة  التناقضات  أو عدم وجود هذا الفن , الذي هو السياسة ,  كلما كبر  ونضج  هذا  الفن  , ابتعد  المخلوق  عن  طوره  الحيواني , وكلما  ضمر  وصغر  هذا  الفن , اقترب هذا  المخلوق من طوره  الحيواني  , السياسة تتوضع  كحاجز  بين  التناقض  الطبيعي  والعنف  الطبيعي , وعدم  حضور السياسة  أو غيابها  يقود  الى  تلاشي  الفاصل  بين  الاختلاف  والخلاف  ,عندها  تصبح   مهمة ادارة  التناقضات  مسؤولية   الخلاف   أي  العنف ! . 
 هذه الشعوب   تعيش  العنف في كامل صوره وأشكاله ,  والعنف لايقتصر على استخدام العضلات   ,  فاستخدام العضلات هو من أتفه اشكال العنف وأقلها ضررا , العنف القاتل   هو العنف الذي  لايعترض طريقه  أي  من فنون السياسة , العنف القاتل هو العنف  الذي يتصدى للاختلاف دون حاجز السياسة القتيلة  , العنف   لم   يعد   استثناء في   مجتمعات   هذه   المنطقة    ,    لقد   تحول الى  قاعدة  التعامل  الرئيسية  , فالفساد  هو عنف ضد المواطن   والوطن , والمادة  الثامنة  كانت  من  أهم  معالم   العنف  ضد  الحرية  والمساواة,  التخويف  هو عنف  خبيث , الاقصاء  والطائفية   عنف ,واعدام  السياسة  الاجتماعية وبالتالي انعدامها  هوبمثابة   فتح الباب على مصراعيه لكل أشكال العنف , منها  الاعتقال  والسجن  والاعتداء  على حصانة المواطن  وحقوقه  . 
 
لايخلو يوم من  حياة  مواطن  هذا  الوطن ,الا ويتعرض ذلك   المواطن   البائس  لأحد   أشكال   العنف ,اما  ضحية  للعنف  أو  ممارسا  له , وفي كلا الحالتين  عنف ,سرقة  المواطن  من  قبل أصحاب  الامتيازات   عنف , وجيش    مايسمى  الأمن  المخابراتي  بكافة اسمائه وأشكاله و المؤلف من 250 ألف مخابراتي  هو عنف ضد المواطن  , ربع  مليون  من المرتزقة  تحارب  المواطن  وتنهب  الوطن  منذ  نصف   قرن ,أليس  هذا   شكل  من أبشع أشكال  العنف !,وماذا   ينتظر من    المتمنطقين   بمنطق  الرصاص  والبندقية ؟ جماعات  أفرغت    جماجمها  من  نبضات  الفكروالأخلاق  , وملأت  هذه الجماجم   بقاذفات  النار ,  هل يمكننا أن ننتظر من  رجال   الرصاص  والبندقية    الا  الازدراء  بالسياسة  والغائها , وقد الغاها  المسلحون والمحاربون   من   كل   الأنواع   ومحقوها عن بكرة أبيها,  بعد   ان   برروا   الغائها بمبرر الصمود ومواجهة  الهجمة الاستعمارية الشرسة ,  ثم  ضرورة تحرير فلسطين ,  لذا اقامة دولة المجابهة ,اقامة دولة   الأمن ,  حتى    اقامة    الخلافة   وتحرير   البلاد   على   يد    الذبيحة   ,  غياب السياسة   قاد الى عسكرة المجتمع   , الذس   سيطر  عليه    شبح العنف  , الذي يحتكر حيازة  الحلول للمشاكل ,هذا  سمي  بكل فخر وثقة  الحل الأمني  وسمي   الجهاد  ,الذي  حول   أمن  الناس  الى  خرافة .
   
وما هو   وضع   الأكثرية ؟,  التي  يقال  عنها  انها  صامتة ؟ انها  ليست  صامتة  لأنها  لاتريد  الكلام , صامتة  لأنها  فقدت  غريزة الكلام  ,  العنف  أوقعها  في  حالة  العقم  السياسي    ..المثلية  السياسية   , أخصاها,  قطع  القضيب  وأغلق  الفرج  ,أنضب  هرموناتها  ولم  تعد  تشعر  باللذة  أو الحاجة  الى  التواصل   , أفرغ  عقلها   من  فن السياسة, التي   أصيبت بالغيبوبة  الكاملة   , ولو  لم  تكن  غائبة  وفي  حالة  من  الغيبوبة , لما  استطاع  العسكر الصول  والجول عقود عديدة   , ولولا   موت   السياسة   لما  بقي  القذافي  على  الكرسي  أكثر  من  أربعين  عاما,وبالنتيجة   انقلب   السحر   على   الساحر , ونفق    القذافي   البعير     في   مجرور   الصرف   الصحي   , نهاية    صدام     كانت   مشابهة  .
 
العنف   والحرب  هو  امتداد  للسياسية  “الميتة ” فقط , ومن لديه  رغبة    بانقاذ  نفسه ووطنه  , عليه  بمحاولة عكس مقولة  الجنرال  كلاوزيفيتز …السياسة هي امتداد للحرب    بوسائل أخرى ,  الحل  هنا  هو  أولا   انعاش السياسة    لتصبح   حلا    لمشكلة    الحرب   والعنف    , الحرب   ليست حلا    لاي  مشكلة   خاصة    لمشاكل   السياسة  ,   لذا يجب   خلق   السياسة   في   هذه   المنطقة   من   جديد  ,  بعد   أن  ماتت    قتيلة ! 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *