سمير صادق :
وصف التاريخ السنين الأولى بعد الاستقلال بكلمات جميلة , وعند مراعاة عامل الزمن , تصبح هذه الكلمات أكثر جمالا , ..المجتمع كان أكثر حيوية ومدنية من جمهورية القرن الحادي والعشرين , لقد كانت هناك صحافة , الأيام .. والقبس ..الخ , كانت هناك انتخابات وبرلمان, وقد كانت هناك كانت هناك رجعية وزعامات وفساد أيضا , الا أن كل أشكال التأخر والفساد لم تكن بذاك العمق والشيوع , التي هي عليه الآن .
بدأ التنكص بالعسكر وبحسني الزعيم وغيره وما بعده , الا أن الضربة القاضية التي لحقت ببدايات التطور الاجتماعي الديموقراطي في المنطقة عموما أتت من عبد الناصر, الذي الغى الأحزاب في مصر ولاحقا في سوريا , ضربة الغاء الأحزاب كانت قاضية ,ووجدت من يقلدها في بلدان أخرى , ضربة أدخلت بدايات الديموقراطية الاجتماعية في حالة غيبوبة وسبات عميق , ومع السنين ماتت السياسة تدريجيا , وموت السياسة كان المسبب الرئيسي , لما الشعب عليه وبه الآن .
قال الجنرال البرويزي الألماني كلاوزيفيتز, الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى , ومقولته كانت من ناحية الواقع مصيبة , الا أن هذه المقولة افترضت , والجنرال لم يفترض ذلك, في هذه الحالة تحول السياسة الى حالة عدمية غير منتجة , ولو قال ان الحرب هي نتيجة وامتداد لموت السياسة وعدميتها وغيابها لكان ذلك أكثر صحة وواقعية , فالسياسة اضافة الى كونها فن التوصل لما يمكن التوصل اليه , هي أيضا فن التواصل وفن ادارة تناقضات المصالح , وتناقضات المصالح هو القاسم المشترك والشيئ الثابت لدى المجتمعات البشرية , ادارة التناقضات بنجاح يمنع استخدام العنف (الحرب عند الجنرال الألماني) , فالعنف مبدئيا ليس مزاجية , وانما نتيجة لغياب فن ادارة التناقضات في المجتمع , وقرب المخلوق البشري من الحيوانية أو بعده عنها , هو أمر يحدده وجود فن ادارة التناقضات أو عدم وجود هذا الفن , الذي هو السياسة , كلما كبر ونضج هذا الفن , ابتعد المخلوق عن طوره الحيواني , وكلما ضمر وصغر هذا الفن , اقترب هذا المخلوق من طوره الحيواني , السياسة تتوضع كحاجز بين التناقض الطبيعي والعنف الطبيعي , وعدم حضور السياسة أو غيابها يقود الى تلاشي الفاصل بين الاختلاف والخلاف ,عندها تصبح مهمة ادارة التناقضات مسؤولية الخلاف أي العنف ! .
هذه الشعوب تعيش العنف في كامل صوره وأشكاله , والعنف لايقتصر على استخدام العضلات , فاستخدام العضلات هو من أتفه اشكال العنف وأقلها ضررا , العنف القاتل هو العنف الذي لايعترض طريقه أي من فنون السياسة , العنف القاتل هو العنف الذي يتصدى للاختلاف دون حاجز السياسة القتيلة , العنف لم يعد استثناء في مجتمعات هذه المنطقة , لقد تحول الى قاعدة التعامل الرئيسية , فالفساد هو عنف ضد المواطن والوطن , والمادة الثامنة كانت من أهم معالم العنف ضد الحرية والمساواة, التخويف هو عنف خبيث , الاقصاء والطائفية عنف ,واعدام السياسة الاجتماعية وبالتالي انعدامها هوبمثابة فتح الباب على مصراعيه لكل أشكال العنف , منها الاعتقال والسجن والاعتداء على حصانة المواطن وحقوقه .
لايخلو يوم من حياة مواطن هذا الوطن ,الا ويتعرض ذلك المواطن البائس لأحد أشكال العنف ,اما ضحية للعنف أو ممارسا له , وفي كلا الحالتين عنف ,سرقة المواطن من قبل أصحاب الامتيازات عنف , وجيش مايسمى الأمن المخابراتي بكافة اسمائه وأشكاله و المؤلف من 250 ألف مخابراتي هو عنف ضد المواطن , ربع مليون من المرتزقة تحارب المواطن وتنهب الوطن منذ نصف قرن ,أليس هذا شكل من أبشع أشكال العنف !,وماذا ينتظر من المتمنطقين بمنطق الرصاص والبندقية ؟ جماعات أفرغت جماجمها من نبضات الفكروالأخلاق , وملأت هذه الجماجم بقاذفات النار , هل يمكننا أن ننتظر من رجال الرصاص والبندقية الا الازدراء بالسياسة والغائها , وقد الغاها المسلحون والمحاربون من كل الأنواع ومحقوها عن بكرة أبيها, بعد ان برروا الغائها بمبرر الصمود ومواجهة الهجمة الاستعمارية الشرسة , ثم ضرورة تحرير فلسطين , لذا اقامة دولة المجابهة ,اقامة دولة الأمن , حتى اقامة الخلافة وتحرير البلاد على يد الذبيحة , غياب السياسة قاد الى عسكرة المجتمع , الذس سيطر عليه شبح العنف , الذي يحتكر حيازة الحلول للمشاكل ,هذا سمي بكل فخر وثقة الحل الأمني وسمي الجهاد ,الذي حول أمن الناس الى خرافة .
وما هو وضع الأكثرية ؟, التي يقال عنها انها صامتة ؟ انها ليست صامتة لأنها لاتريد الكلام , صامتة لأنها فقدت غريزة الكلام , العنف أوقعها في حالة العقم السياسي ..المثلية السياسية , أخصاها, قطع القضيب وأغلق الفرج ,أنضب هرموناتها ولم تعد تشعر باللذة أو الحاجة الى التواصل , أفرغ عقلها من فن السياسة, التي أصيبت بالغيبوبة الكاملة , ولو لم تكن غائبة وفي حالة من الغيبوبة , لما استطاع العسكر الصول والجول عقود عديدة , ولولا موت السياسة لما بقي القذافي على الكرسي أكثر من أربعين عاما,وبالنتيجة انقلب السحر على الساحر , ونفق القذافي البعير في مجرور الصرف الصحي , نهاية صدام كانت مشابهة .
العنف والحرب هو امتداد للسياسية “الميتة ” فقط , ومن لديه رغبة بانقاذ نفسه ووطنه , عليه بمحاولة عكس مقولة الجنرال كلاوزيفيتز …السياسة هي امتداد للحرب بوسائل أخرى , الحل هنا هو أولا انعاش السياسة لتصبح حلا لمشكلة الحرب والعنف , الحرب ليست حلا لاي مشكلة خاصة لمشاكل السياسة , لذا يجب خلق السياسة في هذه المنطقة من جديد , بعد أن ماتت قتيلة !
