طرحت الحركات القومية التي نشأت في ظروف الاستقلال عدة مشاريع , تمحورت كلها حول فكرة وضرورة الوحدة العربية , التي لم يتوقف القوميون العرب لحظة عن الترويج لها حتى هذه اللحظة , وذلك بالرغم من ان مشروع الوحدة تبعذق واندثر للعديد من الأسباب , منها عنصرية العروبة, التي ايقظت عنصريات أخرى كالكردية والأمازيغية وغيرهم .
لم ينتبه القوميون على نفاذ ذخيرة الفكر القومي كمحرك للسياسة , ولم ينتبه القوميون الى نتائج سياساتهم , التي قادت الى الفشكل بكل أشكاله , لقد كان عليهم أن يطوروا هذا الفكر والممارسات باتجاه الديموقراطية كما فعل الفكر القومي الأوروبي ! هل هذا ممكن ؟؟ , وهل ترتيب الوحدة أولا ثم الاشتراكية , وبعدها تأتي الديموقراطية تلقائيا صحيح ؟؟,هل هناك اي معنى للاشتراكية , بدون بنية تحتية تتطلب الاشتراكية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية , كيف لمجتمع عشائري بدائي ان يمارس نظاما اشتراكيا علميا مخصصا لحل مشاكل المجتمع الصناعي , وهل مجتمعات هذه المنطقة صناعية ؟؟؟ , هل يمكن القول أيضا باستحالة الديموقراطية في جو قومي عنصري ؟؟
للاستحالة عدة أسباب منها تحول الفكر القومي الى أسير لدى فكرة الوحدة الخلاصية ,وهناك من يقول(جورج طرابيشي) ان الحركات القومية العربية , كانت غير ديموقراطية , لأن الممارسة السياسية والتاريخية دفعتها لأن تكون كذلك , ولأن طبيعة بنيتها وتوجهاتها الأساسية لاتسمح لها على الاطلاق أن تكون ديموقراطية حتى لو أرادت !هل هذا صحيح؟؟.
الفكر القومي عموما معرض للتنكص العنصري , خاصة بوجود التعددية وبوجود عدم المقدرة على التعامل مع التعددية, لايستطيع الفكر القومي العربي أن يكون ديموقراطيا , لأنه عنصري في أساسه … عنصرية خير أمة مثلا , وازداد عن طريق ايقاظ عنصرية القوميات الأخرى عنصرية , مع الفئات الأخرى تشاحن ولم يتلاحم ولم يسمح باندماج على قدم المساواة معها , لذا فان مقولة طرابيشي التي ترى استحالة ولادة الديموقراطية من رحم قومي عربي صحيحة نسبيا , والديموقراطية الشكلية التي لها أن تولد من هذا الرحم مصيرها التحول الى أسطورة , كم تحولت فكرة الوحدة والحرية والاشتراكية الى أسطورة , لابد هنا من التنويه الى أن هذه الاستحالة تخص الفكر القومي العربي الفاشل ولا تخص الفكر القومي الأوروبي الناجح , هناك فروق كبيرة بين الفكرين .
الديموقراطية هي الرحم , الذي يجب أن تولد منه مشاريع الحياة كالوحدة وحتى القيم ونوعية السياسة بشكل عام , نظرة واعية تقارن بين الغرب والشرق قد تكفي لفهم هذه الاشكالية , ففي أوروبا نشأ في مرحلة معينة فكر قومي , قاد عن طريق تنكصه الى الحروب العالمية الأولى وخاصة الثانية , انقضت الحروب التي خربت أوروبا بشكل شبه نهائي , نفضت الشعوب الأوروبية غبار الحروب ومسخت الفكر القومي المسبب للحروب , وتمكنت من خلال ذلك اعتماد الديموقراطية وممارستها وتطويرها , في ظل الديموقراطية وفي ظل اندحار الفكر القومي , استطاعت هذه الشعوب تحقيق وحدة تزداد يوما بعد يوم تراصا وثباتا , وفي ظل الديموقراطية انتهت اشكالية التناحر والتشاحن القومي , انتهاء زمن التشاحن سمح بمزيد من الحرية والمساواة والتقدم ..
هذه كانت باختصار المسيرة الأوروبية الناجحة , مقارنة بالمسيرة العربية الفاشلة , فشل الشرق في تأسيس دولا تقدم لشعوبها مستويات لائقة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا , لا يعني نهاية المطاف , لايوجد شعب الا وفشل يوما ما في مشروع معين , الآن لاتوجد ديموقراطية , الآن تقف الشعوب على الخراب وعلى أنقاض الخلافات والحروب , لذا يتطلب الأمر القفز فوق الزمن والاستفادة من خبرة الشعوب الأخرى في تنظيم أمور الحياة , أي استيراد نظم مختبرة ومطبقة في أماكن أخرى , وبالرغم من قلة الوعي الديموقراطي لدى شعوب هذه المنطقة كان بالامكان الاستفادة من خبرة مجتمعات بدأت بديموقراطية من مستوى منخفض وتطورت الى الأفضل ونجحت!.
من سوء الحظ استيقظت الأصولية الكامنة بشكل فاحش ومتوحش , منبرية لأي تقدم ديموقراطي ومتحدية رغبة الشعوب والحاحها على القدرالأدنى من الديموقراطية والحرية , أصولية تجثم على رقبة الشعوب , وتريد سحق هذه الشعوب بأثقال الماضي المريب , مثل الشريعة والشورى ورجال الدين وفلسفة الاخوان مثل الغنوشي والقرضاوي والعرعور وغيرهم ,الولاية والخلافة وأمير المؤمنين والعنف وعدم الاستقرار ثم التجييش المذهبي والرجعية والعدائية لبقية العالم , ثم رفض الحرية والديموقراطية ,واستسلام كامل لاستهلاك منتجات الغير , بدون العمل على انتاج ما يغطي الحاجة , يشترون بالبترول مايريدون , ويعيقون بالبترول أي تطور لايريدون.
الفشل شامل لكل جوانب الحياة تقريبا , ومن يفكر مليا بالوضع لايجد مخرجا لائقا من الأزمة الكارثية , ولا يستطيع انتظار مستقبلا أفضل على المدى القريب والمتوسط, فالمشاكل تزداد بدلا من أن تتناقص , البلاء تضاعف وتصاعد الخراب نتيجة للصدام بين العنصريات بأشكالها المختلفة …الى أين ؟ وأي مستقبل ينتظر هذه الشعوب ؟
Post Views: 417