بهلول , عثمانلي :
يعيش السوريون في وضع لايحسدون عليه , السؤال هل كان الوضع نتيجة للحرب , أو أن الحرب كانت نتيجة للوضع ؟,معظم الدلائل تشير على أن الحرب بحد ذاتها كانت نتيجة وليست سببا , فالحالة الواعدة التي عاشها السوريون بعد الاستقلال تبخرت بسرعة , واستقرت بعد عام ١٩٧٠ في مسار دوني , تميز بخاصة الابتلاعات , لقد تم ابتلاع الدولة من قبل السلطة ,ثم ابتلع الحزب السلطة ,الطائفة ابتلعت الحزب, والعائلة ابتلعت الطائفة , والأسرة ابتلعت العائلة , والشخص يبتلع الأسرة والجميع أيضا ,بالنهاية تكونت مزرعة سوريا الأسد .
لاعجب أن يقود الابتلاع , لتصبح البلاد ملكا لشخص ويصبح الشعب عبدا لهذا الشخص , الى الحرب , الحرب كانت نتيجة منطقية لعملية الاستيلاء على البلاد قسرا من قبل عائلة أو بالأصح اسرة واحدة أو شخص , أنه من المستحيل التعامل مع هذه الأسرة أو الشخص سلميا وكأنهم أفراد سوريين عاديين, ذلك لأن كامل وجودهم يعتمد على فسادهم وعدائهم , الذي يتضمن كل أشكال المافيوزية, اضافة الى مهنية الاجرام وانعدام الأخلاق , وهل من الممكن أن يكون اللص خجولا أو خلوقا ؟
العلة لاتكمن فقط في العائلة وشخصها وانما في الشعب أيضا , اعتاد الشعب وأدمن على ممارسة عائلة للاستعمار الداخلي بأبشع صوره , التراث أمن للطاغية المقنع مذهبيا غطاءا شرعيا ,الشعب لم يتمكن من تحرير نفسه من خاصة الخنوع للسلطان والتملق له , فالشعب لايزال أميا فكريا وسياسيا وذلك بفضل الطاغية وبفضل التراث التسلطي طوال عشرات القرون , السلطان الطاغية , الذي مثل امتدادا للسلاطين والخلفاء, أدرك أن الأمية السياسية هي أساس بقائه , لذلك منع التعلم السياسي ومنع ممارسة السياسة تحت طائلة عقوبات عملاقة , لقد استمر تكريس الأمية السياسية عن طريق ظاهرة تكرارا وترديد الشعارات الجوفاء الفارغة والخالية من اي مضمون , والتي لاتحتاج الى اي فهم او ادراك كتحفيظ النصوص المقدسة للأطفال .
لقد أدرك الطاغية مخاطر ازالة الأمية السياسية , فمنع الممارسة السياسية , وقد أثمرت جهود الطاغوت في هذا المجال خيرا عليه , يقف الطاغوط الآن أمام معارضة مصابة بالأمية السياسية, التي تعرقل فاعليتها وتحقق للطاغية ما أراد , لم يعتمد الطاغيةعلى التجهيل السياسي فقط, لقد اكتشف وسائل وطرق اخرى تضمن له البقاء على الكرسي , من هذه الوسائل والطرق وسيلة التأليه , فالشعب المتدين ميال لممارسة التعبد والعبادة , لذا تمثل الطاغية بالله وأعلن عن أبديته ,الأسد الى الأبد ,وللوصول الى حالة التأليه كان من الضروري تأكيد التوحيد,الأسد أو لا أحد,القائد الخالد ,ولاستكمال الفاجعة كان لابد من تأمين خلفية دستورية لذلك , هنا أتى الطاغية بالمادة الثامنة التي وضعت كمامة محكمة على فم كل من أراد أن “يتفلسف” دستوريا , انه الرئيس الدستوري والرئيس الشرعي والرئيس القائد والمؤسس ومنجز الاستقلال الثالث ومطرح مابيدوس بدنا نصلي ونبوس , عند الضرورة كان الشيخ الامام المنقذ لزينب من الاغتصاب والسبي للمرة الثانية , تكريس وجود الطاغية تم ايضا عن طريق صناعة الأعداء وطريق فرضية المؤامرة , لذا نظمت المسيرات المنددة بالمؤامرة, والمتظاهرون كانوا من الأزلام , الأزلام الذين لم يسيروا في المسيرات حرصا على الوطن , انما حرصا على الاستفادة المادية وعلى بعض الامتيازات , كل ذلك لم يكن ممكنا الا بوجود نقصا كبيرا وخللا عميقا في الادراك الاجتماعي والسياسي عند الشعب ,الطاغية ساهم بكل مايملك من سلطة في تكريس ذلك عن طريق ممارسة “ اخصاء ” الشعب سياسيا واجتماعيا .
لم يقتصر تدعيم الطاغية على اخصاء الشعب سياسيا واجتماعيا وعلى التأله , لقد رأى الطاغوط في “الهاء” الشعب بقصص وحكايات ومغامرات فائدة له , لذلك ركز على التلاهي وأسس ملاهي “أعداء الخارج” وملاهي “اعداء الداخل” ثم ملهى الممانعة وملهى المقاومة, وزود هذه الملاهي بما يلزم من الشراميط لضمان التلذذ بممارسة البغاء السياسي , ولضمان نمو فكرة الاستماتة في سبيل القائد الخالد الذي يصارع ويعاند ويقاوم أعداء الوطن خارجيا وداخليا, ليس من المهم أن تكون حالة العداء “افتراضية ” أو “واقعية” , المهم هو تأمين الولاء له , سيان أتى الولاء عن طريق كره الأعداء والحقد عليهم , او نظريا بطرق أخرى ,مثل طريق تأجيج ”المواطنة” , الذي كان موصودا في وجهه , فالمواطنة لاتتضمن الاستماتة من أجل شخص مهما كان ومن كان , ولا تتضمن الخنوع للديكتاتور, ولا تتضمن الخوف من الساطور , المواطنة الصحيحة تفترض الحرص على القيام بالواجب الوطني مقابل حصول المواطن على حقوقه , للأسف كان الراعي والرعية بعيدون عن امكانية تحقيق ذلك , الكارثة كانت حتمية ووقعت , ووقوعها كان منتظرا !
