حسن حنفي :
فعلوم القرآن هي الأسس العلمية التي يُدرس عليها. هي علم الحوامل أي البيئة الاجتماعية التي نزل فيها القرآن والتي سماها القدماء «أسباب النزول» أي المكان، وتطور أحكامه طبقاً للزمان والتي سماها القدماء «الناسخ والمنسوخ». فلا يفهم الوحي إلا في بيئة وزمان ومكان وبلغة ولفهم معين. وهذا لا يقضي على عمومية الوحي وشموله بل يفهم في إطاره وواقعه.
وعلوم الحديث ما زلنا نكررها كما نقلناها عن القدماء. تقوم على نقد السند وأنواعه من تواتر وآحاد ومقطوع ومرسل ومشهور دون نقد للمتن. فقد يكون السند صحيحاً ولا يكون المتن صحيحاً. قد يوضع سند صحيح لمتن موضوع. وتجدد الذات نفسها إذا انتقلت من نقد السند إلى قراءة المتن، ووضع قواعد جديدة للتحقق من صحة المتن. وقد تطورت علوم الرواية، ووضعت قوانين لتحدد الرواية الشفاهية عبر الأجيال. والرواية أصبحت الآن موضوعاً لعلم النقد التاريخي، سواء الرواية الشفاهية أو المدونة.
ونقلنا علوم السيرة كما تركها القدماء، سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. من البعثة إلى الغزوات. وإذا ما ظهرت سير حديثه تركز على الجانب الإنساني في الرسالة، الحرية في «محمد رسول الحرية» أو النضال في «محمد والقوى المضادة» أو الثورة في «محمد الثائر الأعظم» قلل من شأنها واتهمت بإنكار المعجزات.
وظللنا ننقل من علم التفسير ما تركه المفسرون القدماء. ومعظمهم مؤرخون، الطبري وابن كثير، حيث يسود المنهج التاريخي. فصدق الآية مطابقتها مع الواقعة التاريخية التي نزلت فيها. وبعضهم لغويون يفسرون طبقاً لقواعد اللغة مثل الزجاج في «إعراب القرآن»، وكأن النص لا واقع له ولا حياة باطنية مستقلة عن الألفاظ والإعراب. والأقل منها فقهية وكأن الغاية هو استنباط الأحكام الشرعية ومعرفة الواجبات الخمسة فقط. فإذا ما حدث رد فعل عند المتكلمين والفلاسفة والصوفية بالبحث عن معنى أو قصد أو تجربة وراء النص حوصر من السلفيين، واعتبر خروجاً على اللفظ وسبب النزول والحكم. واتهمت بعض التفسيرات التجديدية بأنها سياسية مثل تفسير «المنار»، والأدبية بأنها أصولية. والتفسير في بعض معانيه هو قراءة الأنا ذاتها في مرآة عصرها، والبحث عن أثر الآية في ذاتها فيما تشعر به من تجربة حية. فللآية تأثير وقصد شعوري.
وظللنا نكرر الفقه القديم. ونعطي الأولوية للعبادات على المعاملات، فقد أصبحت العبادات معروفة منذ نعومة الأظافر، الكل يعرف كيف يتوضأ ويصلي ويزكي ويحج، والحمد لله. وتبارى في ذلك الفقهاء في الدقائق والمناسك. وكررت المعاملات القديمة من بيع وشراء، ومؤاجرة ومزارعة. وهي الأشكال الأولى في المجتمع التجاري الريفي. وهناك أبواب كالغنائم والسبايا والرق وتجاوزها الواقع والتاريخ. وقد آن الأوان لتجديد تراث الأنا وإدخال المعاملات الجديدة في النظم الدولية مثل العولمة، والتجارة الحرة والمعاملات الدولية، ومنظمات الأمم المتحدة، وقوانين الحرب والسلام.
ومازال الآخر يزهو علينا وما زالت الذات تعاني من غياب الوعي التاريخي. ولا تستطيع الإجابة على سؤال في أي عصر من التاريخ هي تعيش؟ وفي الحقيقة فقد ورثنا مفاهيم مغتربة للتاريخ. ففي علم العقائد هو أحياناً عند البعض تاريخ خارج الزمان يتمثل في قصص الأنبياء أي التاريخ الماضي، أو المَعاد أي التاريخ المستقبل بعد الموت. وفي علوم الحكمة يغيب كلية نظراً لقسمتها إلى منطق وطبيعيات وإلهيات وإضافة «إخوان الصفا» جزء رابع «نفسانيات وجسمانيات». وفي علم أصول الفقه هو تاريخ مصادر التشريع من الكتاب إلى السنة إلى الإجماع إلى القياس. وفي التصوف هو تاريخ تصاعدي كطريق إلى العرفان مقسم إلى مقامات وأحوال. صحيح أن ابن خلدون وحده هو الذي حاول في «المقدمة» صياغة فلسفة في التاريخ ولكنها فلسفة دائرية أو حلزونية على أقصى تقدير، من البدو إلى الحضر صعوداً، ثم من الحضر إلى البدو هبوطاً.
والتصور الشائع للتاريخ هو التاريخ المنهار. وهو التصور الذي يعبر عنه كثير من الأمثال العامية التي تنعي هذا الزمان وتأسف على انقضاء زمن مضى.
وهناك تصور آخر للتاريخ يقوم على الخلاص في المستقبل، وانتصار الأمة آخر الزمان. وللخير الكلمة الأخيرة على الشر. فهل تستطيع الأنا أن تجدد تراثها بالتحول من التصور المتشائم إلى التصور المتفائل حتى تستطيع أن تنهض من جديد؟ هل تستطيع أن تجعل التقدم أمامها وليس وراءها حتى تقلل من نموذج الحركات السلفية والأصولية؟ هل تستطيع أن تضع فلسفة في التقدم دون أن تستعير إحدى فلسفات التقدم من الغرب؟
إن تجديد تراث الأنا والوعي بالآخر إنما يتمّان في اللحظة الحاضرة في زمان واحد على رغم أن كلاً منهما، الأنا والآخر، يعيش زماناً مختلفاً. الأنا في نهاية العصر الوسيط وبداية عصرها الحديث منذ مائتي عام، والآخر في نهاية العصر الحديث الذي بدأ منذ سبعة قرون. فالأنا والآخر، كل منهما يسير في خط مخالف للآخر. الأنا تبدأ عصرها الحديث، والآخر ينهي عصره الحديث. لقد مر الأنا بفترتين سابقتين. الأولى من القرن الأول حتى القرن السابع الهجري، فترة إبداع الحضارة الإسلامية، عندما كان العلماء الأوائل رواداً ومعلمين وكان الآخر مجرد تلميذ متلقٍّ. والثانية من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر، عندما تحولنا إلى تلاميذ متلقين علوم الآخر. وانتقل الغرب إلى عصوره الحديثة من القرن الرابع عشر الميلادي عصر إحياء الآداب القديم إلى الخامس عشر، الإصلاح الديني، إلى السادس عشر، النهضة، إلى السابع عشر، العقلانية، إلى الثامن عشر، التنوير، إلى التاسع عشر، العلم، إلى العشرين، الأزمة. فاللحظة الراهنة يتقابل فيها مسار الأنا ومسار الآخر في خطين متعارضين، الأنا صاعد والآخر نازل. وهو ما يؤكده فلاسفة التاريخ في كلتا الحضارتين. إذ تمر الأنا بعصر النهضة أو الثورة. ويمر الآخر بعصر التفكيك أو ما بعد الحداثة. وكثر تردد عبارات أزمة الوعي الأوروبي (بول آزار)، انهيار الغرب (اشبنجلر)، فقدان الحياة (هوسرل) انقلاب القيم (ماكس شيلر)، آلة تصنيع آلهة (برجسون)، محاكمة الغرب (توينبي). وفي نفس الوقت تظهر نظريات «ريح الشرق» التي تصف هذه اللحظة المزدوجة التي يمر بها مسار الأنا ومسار الآخر. فإذا كانت روح الحضارة قد بدأت من الشرق إلى الغرب، ومن الصين والهند ومصر القديمة وبابل وآشور وكنعان مروراً باليونان والرومان والعرب والمسلمين وحطت في الغرب الحديث، فإنها تعود من جديد إلى الشرق مروراً بالحضارة الإسلامية حتى الهند والصين والشرق الحديث. فلا توجد منطقة حضارية باقية إلى الأبد. مدة الدورة سبعة قرون وليس أربعة أجيال كما قال ابن خلدون. لذلك ظهر بعد سبعة قرون في نهاية الدورة الحضارية الإسلامية الأولى وبداية الدورة الحضارية الثانية. وقد يظهر الآن ابن خلدون جديد ينهي الدورة الحضارية الثانية بعد سبعة قرون أخرى، ويبدأ دورة حضارية ثالثة. الأول يصف أسباب الانهيار، والثاني يضع شروط النهضة.
