سمير صادق , عثمانلي :
يطالب البعض وأظنهم كثيرون في هذه البلاد بالوحدة الوطنية, وتوحيد الصفوف والجهود من أجل تجاوز الأزمة والنهوض بالوطن الجريح أو الميت , وكأن الوحدة الوطنية تتحول الى فائض بعد حل الأزمة ,هناك تباين شاسع الوحدة الوطنية بمعانيها المحتلفة جدا وبين مايريده معظم المطالبون بالوحدة الوطنية وبين ما حققوه ؟ ,حقيقة لانرى في هذا الوطن سوى الوهن والتردي والتأخر والفشل ,توجد مئات التعريفات للوحدة الوطنية , من تعريف ميخافيلي الى تعريف كانت الى تعريف ماركس او هوبز او هايدغر والعشرات غيرهم , لاصلة لهذه التعاريف المختلفة مع المقصود مما يطالب به على صفحات التواصل الاجتماعي , فالمقصود بالوحدة الوطنية ليس تعريف ماركس او شوبنهاور او هيغل او غيره لها , انما شيئا آخر ضبابي الطبيعة وهلامي البنية , على كل حال تمثل موعظة الوحدة الوطنية حشوة لغوية لاستثارة العواطف واشعال فتيل الحمساسة الوطنية وابقاء البلاد في حالة استنفار دائم مستهلك للقوى دون ان يقوى على تحقيق اي شيئ ملموس …
واذا اعتمدنا مفهوم الوحدة الوطنية عند هيجل, التي هي طاعة القانون في إطار الحرية الممنوحة منه على أن يتوافق القانون مع منطق العدل الذي هو منطق التاريخ, عندها نجد او الوحدة الوطنية تعني المساواة امام القانون , ولا تعني تمركز البعض فوق القانون او تمركز البعض تحت القانون , والشكل القانوني الهيجلي, الذي يمكن له أن يكون قاسما مشتركا بين الجميع هو ارادة الخير والتقدم للبلاد ضمن القانون , الوحدة الوطنية تعني وحدة الهوية الوطنية , فلا وحدة وطنية مع روافد جيش اردوغان -العثماني من السوريين انتحالا وشكلا , الوحدة الوطنية هي وحدة اجتماعية , اذ لايمكن للمرأة أن تتحد مع من يعتبرها ناقصة عقل ودين …الوحدة الوطنية تعني المساواة بين فئات الشعب مهما كبرت الفئة أو صغرت , اذا كان على رئيس البلاد ان يكون سوري ولا يعرف السوري بمعيار الانتماء المذهي , فما هي عواقب تحديد مذهب معين لرئيس الدولة ؟ يمثل تحديد مذهبا معينا لرئيس الدولة نفيا للوحدة الوطنية , لأن تحديد دين الرئيس يلغي المساواة , والغاء المساواة ترجمة لالغاء الوحدة الوطنية , الدولة ليست مشيخة أو دار افتاء….؟؟؟ .
الوحدة في الاختلاف , لذا لاوحدة وطنية بخصوص الرؤية , ولا وحدة وطنية بخصوص الموقف , ولا ادراكا واحدا للمشاكل , ولا علاجا واحدا لهذه المشاكل ,هذه المستويات هي مستويات الاختلاف الخلاق , الذي يجب المحافظة على فوائده وايجابياته , انها هوضرورة حياتية ,والتقدم هو من أول وأهم ضرورات الحياة , فالفكر الواحد الموحد عقيم, والموقف الموحد هو بحد ذاته ديكتاتورية , أو أنه يسمح للديكتاتورية بركوبه .
أعجب هنا من خلفية الدعوات اليتيمة لتوحيد الصفوف ونبذ الاختلافات والتهديد بالفتنة , اذ لاوجود لشبيه لذلك في المجتمعات التي تقدمت وحلت مشاكلها وأزماتها بنفسها ,التقدم هو ترجمة لتجاوز المحن والأزمات وحلها , والمجتمعات المتقدمة تستطيع من حل مشاكلها خاصة وحصرا بوجود الاختلاف الخلاق والمقتدر على ابتكار أفضل الحلول لأسوء المشاكل ….عدم المقدرة على الحوار والتفاعل المنتج مع الاختلاف , هو المحفز للمطالبة بالغاء الاختلاف لتحقيق الوحدة الوطنية المنشودة , الاختلاف هو من طبيعة الانسان , وتحول الاختلاف الى خلاف, يعود الى القصور في التعامل والتفاعل (الحوار والنقاش) مع الغير , القصور هو في الحوار والنقاش الموضوعي العلمي , والمشكلة لاتعود الى الاختلاف وتعدد وجهات النظر .
لايمت مفهوم الوحدة الوطنية الى التجانس بأي صلة , والوحدة الوطنية لاتقوم على مايجمع الناس فحسب , انما على مايميزهم عن بعضهم البعض ,تمايز الناس اي اختلافهم عن بعضهم البعض هو وحدة في الاختلاف , وليس مصدرا للخلاف , يتحول الاختلاف الى خلاف في غياب ثقافة الحوار والتفاعل , الغاء الاختلاف لتحقيق الوحدة الوطنية ليس سوى ترجمة لالغاء الآخر من البشر , وهل هناك من فائدة في الغاء بشر الوطن ؟؟ .. عندما نتعلم اساليب الحوار الصحيحة والتعامل المنتج مع الغير في اطار الاختلاف ,نكون قد حققنا الوحدة الوطنية , الجهل هو عدو الوحدة الوطنية الرئيسي .
تحول مفهوم الوحدة الوطنية الطوباوي الى بازار للاستغلال والاحتيال والتقزيم والتشويه والتكاذب , ثم الانتحال والمزايدة والنفاق , ومصدرا أساسيا لممارسة الالغاء والاقصاء, فمن أجل وهم الوحدة الوطنية الضبابية كانت هناك ممارسات لاعلاقة لها بخير البلاد , لقد تم عن طريق هذه الدعوة التأسيس الى حالة القطيع , قطيع موحد ومتحد شكلا , لاشبيه له سوى بالحالة الديكتاتورية وبالحالة الشمولية وبنفاق نتائج رائعة لاستفتاء أو انتخاب من نوع ٩٩,٩٩٪ لصالح مخلوق واحد , اعلان نتائج من هذا النوع المنحط , هو بمثابة اعلان عن وجود حالة وطنية منحطة …. استهزاء ….!هل يمكن للوحدة الوطنية أن تكون أوضح وأقوى وأثبت من وحدة ٩٩,٩٩٪ لصالح الرئيس الذي هو الوطن , بالرغم من تلك الوحدة الوطنية الرائعة بنسبة ٩٩,٩٩٪ من الشعب العظيم , الشعب معيارا للتشتت والغربة ولممارسة اقصاء والغاء الآخر , وحدة مطلقة تتمظهر بتشتت مطلق وبحروب مطلقة بين فئات الشعب والسلطة , وبين الشعب والشعب …. كل يحارب الجميع !!!, الا يجدر بنا التساؤل عن السر في تمكن الدول الراقيىة المتقدمة من حل مشاكلها بنجاح وبوجود ثنائية الحكومة -المعارضة , الذي تمثل تبعا لمعايير الوحدة الوطنية المروج لها , حالة انعدام الوحدة الوطنية, بمفهومها المحلي الغيبي المؤسس على خلفية “التوحيد ” الدينية وعلى العصبية , لقد تحول البعض, من حيث لايدري , الى بوق للدعوة للتوحيد المشتق من الثقافة الديتية , التي لن تكن لها اي صلاحية في التاريخ البشري .
الداعية الوطنية الفذة , والمنظرة لعبقرية اكتشاف دواء توحيد الصفوف , وشحذ الهمم , لأجل انقاذ الوطن , والمطمئن لفاعلية تقليعة الدعوة للوحدة الوطنية الباهتة التلفيقية , والى توحيد الصفوف والجهود من أجل انقاذ البلاد , هو الانسان الببغائي الذي يعطي نصائح ليست من أجل ترقية الوطن , انما من أجل الترقية الذاتية الى مصاف فضلاء الوطن , النقد الذي يضمن رأيا آخر هو ممارسة للوحدة الوطنية , فحسب ما أعرف يقود النقد الى الترقي والتقدم , وهل الترقي والتقدم مضادا للوحدة الوطنية, التي تعني أن يشبع الجميع خبزا , جوع البعض هو من مضادات الوحدة الوطنية , لذلك أعتبر النقد الذي يدحر الجوع رمزا من رموز الوحدة الوطنية ,
أول نتيجة لهذه الدعوة كانت الغاء أو تقزيم مفهوم المعارضة السياسية , التي سقطت لكونها تعارض , ولم تشترك مع أبواق المنشدين للوحدة الوطنية , لاوحدة وحدة وطنية باقامة الأحزمة حول الأكراد , ولا وحدة وطنية مع مفهوم الغلبة الغالبة ومع تعدد الزوجات ونصفية شهادة المرأة , ثم اعتبارها ناقصة عقل ودين . ؟؟, فالعرب من أكثر شعوب الدنيا حديثا عن الوحدة , ومن أكثر شعوب الدنيا شقاقا ونفاقا … من أكثر شعوب العالم حديثا وتفاخرا بالوطنية والشعب العظيم والبدوية التي لم تتوقف عن انارة طريق البشرية طوال أربع عشر قرنا .
لا تتطلب وحدة الموقف ووحدة الرأي المطلوبة أي تفاعل أو نقاش أو نقد , هنا يتم فرض الرأي ,عادة في اطار القسر وهيمنة جهة على جهة أخرى وعلى الجميع , حالة مفرزة للتأزم وبالتالي الخلاف الذي قد يتطور الى الحرب , يطالب الاخونجية بوحدة الرأي والموقف , ويقصدون عمليا تموضع الجميع تحت مظلتهم الفكرية وارادتهم وادارتهم , وبذلك تتحقق شروط الوحدة الوطنية اخونجيا , لسنا بعيدون عن قندهار , السكن والسكون في قندهار
