مابين الانتداب الفرنسي والاستعمار العثماني …!
بعد أن وصلت البلاد الى حالة فريدة من نوعها بخصوص التردي العام والرداءة المعممة , تكونت عدة نظرات حول الانتداب الفرنسي , سأقوم باستعراض هذه النظرات باختصار شديد.
جاء الانتداب الفرنسي بعد عام 1918 , وقد كان هناك بخصوص الموقف من هذا الانتداب عدة أنواع من الارتكاسات الشعبية , وذلك تبعا لعلاقة الأجيال بالعهد العثماني والعهد الفرنسي والعهد الوطني , هناك جيل عاش أواخر العهد العثماني وعاصر العهد الفرنسي الى آخره , وهناك من ولد بعد عام 1918 وعاش الانتاب الفرنسي ومن بعده الحكم الوطني بقضه وقضيضه , هناك من ولد بعد عام 1946 وعاش اختلاجات واضطرابات وتنكصات الحكم الوطني الى هذه اللحظة .
لقد كان للفئة الأولى التي اكتوت بنار الحكم العثماني نظرة ايجابية تجاه الانتداب الفرنسي الذي ساهم بشكل واضح في تحديث البلاد …طرق ..مدارس …قضاء .. نظم ..انتخابات ,, حرية نسبية للرأي … أما الفئة الثانية التي ولدت بعد عام 1918 وعاصرت العديد من الاشكاليات منها تأسيس دويلات في سوريا منها الدولة العلوية ثم ظهور حركات قومية كالحزب السوري القومي وظهور حركات اسلامية كالاخوان المسلمين , هذه الفئة مثلت الفئة الضائعة , التي لم تعرف من أين تأتيها النكسات , الفئة الثالثة بعد عام 1946 هي الفئة التي رافقت التردي المتزايد الى حد اندثار البلاد ,
كثير من أفراد هذه الفئة الثالثة شعر مؤخرا بضروة وضع سوريا تحت الوصاية والانتداب , وقد بلغ تواضع هؤلاء حدا مريبا , وليأتي من يقبل أن يأتي !!!, حتى التفكير بجنسية الوصي لم تحظى باهتمام من يريد ايفاف التردي بأي شكل كان ومن خلال اي جهة كانت.
ولدت الدولة السورية بعد عام 1918 في سياق الترتبيات التي قام بها الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى , وضعت سوريا تحت الانتداب , هنا يجب التنويه الى الفرق بين الانتداب والاستعمار , بما يخص احتلال دولا أو مناطق من قبل دولة أجنبية , يعتبر شكل الانتداب أقل توحشا من شكل الاستعمار.
لايمكن تقيييم الانتداب الفرنسي دون المقارنة مع الوجود العثماني الذي تعتبره الأكثرية السورية من أبشع وأحط اشكال الاستعمارفي التااريخ , هناك من يعتبره من أكثر الحقبات تألقا في التاريخ السوري , وحتى انه أفضل من الاستقلال , هؤلاء ينطلقون من شغفهم بالدولة الاسلامية التي كانت عثمانيا سنية , منطلق هؤلاء طائفي بحت , ويمت في أصله ومسبباته الى النزاعات التي حدثت في فترة صدر الاسلام بما يخص الأحقية في الخلافة , يعتمد التمايز في تقييم الحقبة الفرنسية على المقارنة مع الحقبة العثمانية , وبالمقارنة وجد البعض بأن التوحش الذي مارسته الخلافة العثمانية الدينية لايقارن بأي شيئ آخر , حيث احتكر العثمانيون السوء بأكمل صوره , الخلافة احتكرت القمع الذي تفوق على قمع المماليك الانكشاري, هؤلاء وجدوا في الاتداب الفرنسي ممارسة قمعية أقل ضراوة من القمع العثماني , وذلك بالرغم من احتلال العسكر للبلاد وبالرغم من وجود الفرق السنغالية المختصة بقمع التظاهرات, لقد كان هناك تراجع في مستوى التوحش وليس الغاء للتوحش.
لقد تم على يد الانتداب الفرنسي استبدال قانون الغاب العثماني يقوانين حدت من الفوضى ووضعت للحياة قوانين تنظيمية في مختلف المجالات , ليس فقط في المدن وانما ايضا في البادية حيث خفت وتيرة الغزوات التي كانت قبائل “العرب السيار ” تمارسها في العهد العثماني , اضافة الى ذلك كان هناك انتشارا ملحوظا للتعليم وبناء المدارس والطرقات والجسور , فجيل المثقفين من خريجي الجامعات الفرنسية والوطنية كان الجيل الذي ساهم لفترة قصيرة في ارساء أسس الدولة السورية الحديثة بعد الاستقلال , ولو طالت هذه الفترة لكان من المتوقع أن تصبح سوريا المولودة عام 2018 غير سوريا التي نعرفها الآن!.
Post Views: 565