ميرا البيطار :
يحاول البعض ارجاع الطائفية الى ممارسات في هذا العصر تحديدا وحصرا , أرى في ذلك الكثير من التجاهل والمغالطة , فالطائفية , وان انتشرت في هذا العصر , ليست وليدة هذا العصر , انما وليدة عصور سابقة .
تأسست الطائفية على النبذ والرفض , وقبل عشرات القرون تم تفريغ الجزيرة العربية من كل المسيحيين واليهود , لم يبق هناك فردا واحدا منهم هناك ,جوهر النبذ كان ولا يزال تلك الغريزية الرافضة للغير المختلف, والمؤسس على ثقافة التوحيد , ذلك حرصا على مايسمى ” تجانس” الأمة , التي عليها أن تكون عرقا وجنسا ودينا من صنف واحد, التجانس دائما قسري , لأن طبيعة البشر مختلفة وغير متجانسة ,للتوصل الى التجانس العرقي القومي لابد من تعريب الغير عربي والتجانس الديني يتطلب اسلمة الغير مسلم … , او الهيمنة المطلقة عليه عن طريق الغزو والفتوحات , ثم تدفيعه الجزية وهو صاغر , اضافة الى ذلك وضع الغير في درجات اجتماعية متدنية , ثم تطبيق قائمة طويلة من الممارسات المنحطة , مثل الممارسات التي نصت عليها العهدة العمرية .
في معظم الحالات كان التعريب فاشلا وكانت الأسلمة اسمية شكلية , حتى ولو كانت الأسلمة اسمية لفظية مثل النطق بالشهادتين ,ظن مجاهدو التجانس , بأن الانتماء اللفظي يدعم تماسك النسيج التوحيدي للجماعة , كما حدث مع الانتماء للبعث , ففي البعث “المنفتح والمنتفخ عدديا ” لم يكن حتى النطق بشعار وحدة حرية اشتراكية ضروريا.
قبل قرون وجدت أوروبا طريقها الى العيش في التعددية , مما ضمن الحد الأقصى من امكانية العيش المشترك , الذي حل محل التقاتل المشترك , مجتمعات وجدت في التعددية وحدة منهج الابداع , بينما وجدت مجتمعات المسلمين عموما في فرض التجانس الديني والثقافي والقومي كل الفشل والتأخر والتراجع , والشر الأعظم كان مفهوم وممارسات الفتوحات , التي تضمنت روح فرض التجانس قسرا ….نشر الدين بأوامر الهية مختلقة , كالشيوعية التي رأت ضرورة فرض التجانس الثقافي -السياسي على العالم فكان نصيبها الانهيار , والخلافة العثمانية أرادت ذلك فكانت ابادة الأرمن والآشوريين وغيرهم من الشعوب ضرورية , وانهارت السلطنة العثمانية , وقبلها انهارت الخلافة العربية , ولحد الآن لم تتمكن تركيا من حل مشكلة الغاء الغير عن طريق الابادة , المشكلة التي يمكن لها أن تتطور الى شكل تقسيم تركيا.
لم يتعظ العرب المسلمون من عواقب كوارث محاولات التجانس القسري ,كما اتعظت أوروبا , وذلك بالرغم من تكلل تلك المحاولات بالفشل , فالتجانس القسري يقطع التواصل الاجتماعي ويزرع التعصب , مما يقود الى الصراع والتقاتل , وبالتالي افناء المخالف الأضعف , انظروا الى الآشوريين على سبيل المثال والى أعداد الآشورين الذين مثلوا قبل آلاف السنين الشعوب التي عاشت في بلاد الشام خاصة سوريا والعراق , تأملوا اعداد اليهود ومنهم يوجد في سوريا ١٥٠ يهودي وفي البحرين ٧ يهود , تأملوا وضع الأكراد واستعصاء تعريبهم في دولة حرصت اسما على التشدد في تعريب نفسها ..الجمهورية العربية السورية ….الجيش العربي السوري , البعث العربي … الخ فكروا في اندثار المسيحية والمسيحيين في العراق وسوريا وحتمية اندثارهم في مصر بعد اندثارهم في السودان , تأملوا بوضع الأمازيغ المشابه لوضع الأكراد .
بالنسبة للتهجير والنبذ ,لست آسفة على رحيل او ترحيل المسيحيين, ولست متحسرة على مصيرهم اطلاقا ,فحياتهم في المهاجر , التي تحولت الى اوطان, افضل وأشرف بدرجات من حياتهم تحت سيطرة خليط من قندهار وقوم ثم الشبيحة وذبيحة الدواعش , اضافة الى ذلك التشريعات التي حولتهم الى مواطنين من الدرجة الثانية , مثلا دين رئيس الدولة وحتى دين الدولة , ثم تسلل الشرع الاسلامي الى الدستور المدني , ثم الحياة في ظل الحسين وزياد وضرورة استنشاق غبار كربلاء وغير كربلاء , يتقاتلون منذ١٤٠٠ سنة ,وأين هي مصلحة المسيحي في الحياة على أرض معركة ليس له بها ناقة أوجمل.
Post Views: 598