ربا منصور:
سؤال ..هل كرست الأديان طبيعية البشر أو انها شوهت هذه الطبيعية ؟, أخشى أن يكون الجواب محرجا للدينيين , لقد شوه الانتماء الديني طبيعية الانسان بالصاقه على هذه الطبيعة لصقات تميز فلان عن فلان آخر , والكارثة في أمر هذه اللصاقات تتمثل في كونها غير ارادية ولا تترجم رغبة الانسان أو ارادته في معظم الحالات, لصاقات تتجاهل الارادة والخيار.
من أفظع جرائم الأديان كان تحويل الانتماء الديني الى أمر ولادي , هكذا ولدت الطفلة أو الطفل مسلمة أو مسلم مسيحية أو مسيحي أو غير ذلك , أي أن الدين ولادي , وبالتالي حسب الظروف قد يصبح نعمة أو نقمة أو عاهة ولادية , وفي أغلب الحالات نقمة , أي اعاقة ولادية , وعلى مايبدو لابأس في الاعاقة الولادية عندما تكون نتيجتها تزايد عدد المؤمنين , وهكذا يتحول الانسان الجديد الى “عدد” دون ارادته الواعية الحرة .
يولد الانسان ويولد معه عمليا انتمائه المذهبي أي طائفته , وللعديد من الأسباب تطورت معاني المفردات لتصبح مفردة”طائفي” من أكثر المفردات هجاء , بينما تطورت الأوضاع الاجتماعية لتصبح الطائفية من أكثر الممارسات انتشارا , أي أن تديين الانسان المولود قد قاد عند الكثير شعوب هذه المنطقة , خاصة في هذه البلاد, الى ولادة أخرى , أي ولادة الطائفية التي يقال عنها بحق انها منكرة , وبالتالي أصبحت مفردة ” طائفي” من أعظم المفردات هجاءا.
يشترط لممارسة حق الانتخاب .. مثل اختيار ممثل للعامل في نقابة العمال , أو المجلس البلدي أو النيابي …الخ , بلوغ الناخب من العمر 18 عاما , أما في الانتماء الديني فلا حاجة للبلوغ , عمليا يمكن القول بأن الانسان المولود برأس وجذع وأطراف … يولد أيضا بدين الوالدين , وللعديد من ألأسباب يمكن القول بأنه يولد مع “اشكالية” أو مع حالة من الممكن لابل من المرجح أن تتحول الى اشكالية له ولغيره , انها اشكالية الوعي والادراك واشكالية التباين والتمايز التفاضلي عن الآخر , اني من خير أمة أو من شعب الله المختار , أي اني أفضل منك بسبب لصاقتي الولادية الدينية , وهل من الممكن تصور علاقة سلمية تفاهمية ومنتجة بين أفراد كل منهم يعتبر نفسه أفضل من الآخر , ألم يكن ذلك الاعتبار الذاتي المسبب الرئيسي للخلافات التاريخية وحتى للحروب الدينية المقدسة , التي لايعرف التاريخ أشد منها ضراوة وتوحشا , فلو لم يعتبر المسلم اسلامه أفضل من المسيحية , لما كان من الممكن له تبرير حملة نشر الاسلام بين شعوب تنتمي الى المسيحية , ولما فتح المسلمون اسبانيا أو سوريا أو غيرهم من البلدان , حقيقة كانت للاحتلالات أهداف أساسية واقتصادية أخرى , ونشر الاسلام كان الهدف الأكثر ثانوية من بين كل الأهداف الأخرى .
يطلب الدين الولادي من المنتمي ولاديا لدين والديه أن يلتزم بالعديد من المبادئ التي منها:الولاء والبراء للدين ثم الدفاع عن مفهوم الحق الذي يتبناه الدين , ثم أن يشعر المنتمي ولاديا لدين معين أنه متميزا عن غيره , ومختلفا عن الكافر , وأفضل من غيره , فهل يمكن للمولود الجديد المزود ببعض هذه المبادئ والخواص التي ذكرت , أن يعيش مع الآخرين بدون اشكاليات ومشاكل , أي أن تزويد المولود الجديد بالدين فور ولادته , انما هو ترجمة لتزويده بمسببات المشاكل , التي من غير المتوقع حدوثها بدون هذا التزويد .
نظريا يرحب بأن يؤجل أمر البت في الخيارات الشخصية الدينية حتى سن البلوغ , ولكني أعرف تماما بأن ذلك مستحيل في هذا العصر وفي البيئة التي نعيش بها , أقصى المطلوب الآن هو ازالة الضغط الذي يتعرض له من يرفض الانتماء للدين , أي أن لايؤمن , عموما يعتبر المجتمع لحد الآن الخروج عن عقيدة دينية بمثابة اعلان الخروج عن الجماعة أي عن الطائفة ,التي تريد الزام هذا الخارج بالخنوع والانتماء القسري لها ثم التقيد بأحكامها .
لاوجود الآن في سوريا لقوانين تحرم الالحاد , كما كان الحال في دستور 1950 , القوانين الموجودة تحرم المساس بالعقائد الأخرى , ولايترتب على اعلان الالحاد أي مسؤولية قانونية , ولكن بالمقابل لايحمل اعلان الالحاد أي قيمة قانونية ,مثلا الغاء خانة الدين من سجلات الأحوال المدنية , ثم أنه لاوجود للزواج المدني رسميا باستثناء محاولات الحزب السوري القومي وحتى زاج الملحد يجب أن يكون دينيا !, هذه دولة دينية!,
لقد تحفظت سوريا على اتفاقية حقوق الطفل بما يخص اختياره لاحقا لدينه , كما تحفظت على عدة مواد من اتفاقية ازالة كل أشكال التمييز ضد المرأة , وذلك لمخالفة هذه المواد للشريعة الاسلامية , ان لم تكن سوريا الآن دولة دينية كليا , فهي جزئيا دولة دينية , القوا نظرة عابرة على قانون الأحوال الشخصية , ستروا العجب !
