من الاستعمار الخارجي الى الداخلي ..
ميرا البيطار:
تمركزت معظم نشاطات الفكر القومي العربي السياسية بشكل رئيسي حول موضوع الاستقلال والتحرر من المستعمر الأجنبي, بأساليب اقتصرت على استنكار هذه الاستعمار وشجبه والترويج لاستمرارية العداء له, , استمرت الأوضاع وكأن الشعوب والحكام في عام 1946 أو حتى عام 1922 , استمرت ممارسة الكلام الخشبي عن الاستعمار وكيده ومؤامراته وضرورة التخلص منه بالرغم من عدم وجوده بالشكل الذي يجب أو يمكن التخلص منه !
القوميون العرب مستمرون ومصرون على المعركة من أجل الاستقلال , الذي أصبح عمره أكثر من ثلاثة ارباع القرن , لا عجب في ذلك عند ادراك حقيقة مآربهم , لقد كان ذلك توظيفا لمادة للاستقلال في تحسين شروط بقائهم كاستعمار داخلي , جهودهم الشكلية من أجل الاستقلال الى أمد غير معروف كان الضمان لبقائهم على الكراسي لأمد غير معروف , وهل كان بامكانهم انجاز ماهو أكثر فائدة لهم , من الاتجار بمادة الاستقلال في بازار السياسية والوطنية,وبذلك مكنهم ذلك من التحول الى استعمار داخلي .
في هذه الأثناء تسلل الى الوجود العربي نوعا آخر من الاستعمار , الذي فاق قدرتهم وارادتهم على التصدي له , انه استعمار الفقر والتأخر والقصور في بناء المجتمع القادر على رعاية وادارة الدولة, ثم العجز عن مواكبة التقدم والرقي ناهيكم عن صناعة التقدم والرقي , و عن تحسين الشوط المعاشية للمواطن الذي عليه عندئذ أكل الاستقلال وشربه والعيش به ,الاستقلال لايؤكل ولا يشرب .
اضافة الى تحويل الاستقلال الى مادة استهلاكية في بازار السياسة , تم ضم قضية فلسطين الى المواد الاستهلاكية السياسية , فمن أجل استهلاك قضية فلسطين بشكل أفضل كان لزوما على القوميين العرب احياء ثقافة الحرب والطوارئ وتبرير سرقة العسكر لأموال الشعب , قضية فلسطين كانت المبرر لدوام العسكرة ودوام استنذاف المقدرات الاقتصادية من قبل الجيوش , التي لم تحصد سوى الهزيمة امام اسرائيل , والانتصار العسكري على الشعوب…
حارب التيار القومي العربي بديكتاتورياته الشعوب التي ادعى الدفاع عنها , كان الاسلام السياسي شريكه في الحرب على الشعب , وفي الاستفادة من الحرب على الشعب , التيار القومي والاسلام السياسي تحاربوا ايضا من أجل كعكة السلطة , وكلا منهما اراد حصة أكبر , ففي ظل القمع المشهدي من اعتقالات وسجون وتعذيب والمادة 49 واغتيالات الأشخاص والتفجيرات , نمت الأصولية الدينية تحت عباءة المظلومية وتسربت الى معظم جوانب الحياة السياسية والدستورية , وسجلت انتصارات كفرض بعض الأحكام الاسلامية على قانون الأحوال الشخصية , ومؤخرا حل الاتحاد النسائي وترخيص القبيسيات, ثم المشروع رقم 16 , وشبيبة الثورة التي تنتظر حلها ومقايضتها بالشباب الاسلامي , كل ذلك برهن عن عدم وجود ضدية مبدئية بين السلطة , التي تحولت الى اسلام سياسي شيعي , وبين الاسلام السياسي السني , كلهم عرب وبالتالي مسلمين , وكلهم مسلمين وبالتالي عرب , ,امر التنافس انحصر بالسلطة وريع الغنائم المادية والمعنوية .
انحصرت مسببات استنكافهم عن محاربة الاستعمار الجديد المتمثل بالفقر والتأخر والاستبداد والاستغلال وانعدام المساواة بعدم المقدرة وعدم الارادة وعدم المصلحة من القيام بذلك , فتقدم الشعوب يعني انحسار الديكتاتورية العسكرية والدينية
لم تدرك العسكراتاريا القومية العربية والدينية بأن حرية الوطن هي جمع لحرية الفرد , وقوة الوطن هي جمع لقوة الافراد , والتبس عليهم أمر استقرار الوطن مع استقرارهم على الكراسي , فكلما ضعف الوطن ازدادوا قوة , وكلما ازدادوا قوة ضعف الوطن .
Post Views: 412