أمجد سيجاري :
وقد بدأ تطور هذه المدرسة وهيكلتها من القرن الثالث الميلادي حتى القرن الخامس الميلادي في المدارس الفكرية “الهلنستية” السورية والإسكندرانية.
في الحقيقة مصطلح الأفلاطونية المحدثة Neoplatonic لم يُصاغ إلا حديثاً في منتصف القرن التاسع عشر، عندما استخدمه العلماء الألمان لتمييزها عن الأفكار الأفلاطونية الأخرى.
بدأت الأفكار الأفلاطونية المحدثة في الإسكندرية في عام /230/ م على يد الفيلسوف الإسكندراني “أمونيوس ساكاس” الذي كان أستاذاً لأشهر أعمدة هذه المدرسة والذي يعتبر مؤسسها الفعلي الذي ساهم بانتشارها وهو الفيلسوف “أفلوطين” ابن مدينة “ليكوبوليس” المصرية “أسيوط ” حيث قام تلميذه، “فرفوريوس” الصوري، والذي كان فيلسوفاً سورياً وأحد أهم أعمدة الأفلاطونية المحدثة بتجميع تعاليم “أفلوطين” في كتابه “التاسوعات”، طور “أفلوطين” نظرياته في البداية في “الإسكندرية” في مسقط رأسه في “مصر”، و في وقت لاحق في “روما” وتأثر بتعاليم الفلسفة اليونانية الكلاسيكية واللاهوت المصري والفلسفة الفارسية والفلسفة الهندية والتي اطلع عليها من خلال مرافقة الإمبراطور “غورديان” الثالث في حملته إلى بلاد فارس والهند بهدف تعلم فلسفتهم.
وفي الحقيقة اعتبر فلاسفة الأفلاطونية المحدثة أنفسهم “أفلاطونيون” لكن فلسفتهم مختلفة جوهرياً عما كتبه واعتقده “أفلاطون”، علاوةً على ذلك، كان لدى الأفلاطونية الحديثة عناصر دينية وأسطورية قوية ظاهرة جداً في فلسفتهم مثل فكرة “الانبثاق” والعودة إلى الأصل والقول بوجود كائن أسماه “أفلوطين” الواحد أو “الموناد” ويمثل الخير الأسمى متعالي عن كل وصف غير محدود مكتفي بذاته ويتجاوز جميع فئات الكينونة، وبالتالي لا يمكن وضع أي صفات على الواحد.
اعتبر “أفلوطين” عملية الخلق هي انبثاق من فيض امتلاء الوجود عند الواحد ضمن سلسلة من الكائنات كان أولها هو “النوس” أو العقل والذي نتج عن إدراك الواحد لذاته، هذا العقل الكلي الذي يحتوي العالم المثالي العالم المعقول، ومن خلال فيض هذا العقل كانت النفس الكلية التي كان من خلالها العالم المحسوس بالتالي تشكل النفس صلة الوصل بين هذين العالمين المنفصلين تماماً من خلال حركتها صعوداً، ورغبتها بالعودة إلى مصدرها لتقيم في عالم المثل من خلال تخليص النفس من شوائب المادة لا عن طريق الشعائر والطقوس، إنما من خلال المعرفة العقلية والتي هي الأساس للمعرفة الروحية، التي يتم من خلالها اتصال العالم المحسوس بالعالم المعقول بالتالي صعود النفس وارتقاءها .
أما بالنسبة لحركتها هبوطاً فهي ناتجةٌ عما يسمى فسوق النفس، بالتالي كانت حركة النفس بين العالمين المعقول والمحسوس وسيلة للتغلب على الإنقسام والإنفصال الأفلاطوني المطلق بين هذين العالمين.
وكان للأفلاطونية الحديثة أيضاً روابط مع “الغنوصية”، لكن “أفلوطين” انتقد “الغنوصية” وخصوصاً الفكرة القائلة بأن خالق الكون هو إله شرير معروف بـ “الديمورج” فالشر حسب “أفلوطين” ليس مستقلاً بذاته بقدر ما هو نتيجة انحدار الفرد إلى العالم المادي، فإن نسيان الأصل الإلهي في “الواحد” يؤدي إلى الشر.
تميزت هذه الفلسفة بمدارسها وفلاسفتها الذين شكلوا العماد الذي قامت عليه هذه المدارس وأشهرها:
– مدرسة “روما”
ومن أشهر وجوهها كان “أمونيوس ساكاس” حيث أنشأها تلميذه “أفلوطين” في العام /244/ ميلادية، فكان من أهم تلامذته السوري “فرفوريوس” الصوري، والأخير تتلمذ على يده السوري “يامبليخوس الأفامي”، لكن في النهاية حدث تضارب فكري بين “يامبليخوس” و”فرفوريوس” الصوري لذلك عاد “يامبليخوس” إلى سورية سنة /304/ ميلادية، ليؤسس مدرسته الخاصة في مدينة “أفاميا”.
– مدرسة “أفاميا” السورية:
عُرفت مدينة “أفاميا” بازدهار الفلسفة اﻷفلاطونية المحدثة فيها وكان من أهم وجوه هذه المدرسة الفيلسوف السوري “سوباتروس اﻷفامي”، وتم تأسيس هذه المدرسة على يد “يامبليخوس” السوري بعد، انشقاقه عن مدرسة “روما” بسبب خلافات “ثيولوجية” السحر الأبيض والطقوس المرتبطة به بينه وبين “فرفوريوس” الصوري الذي ألف كتاب الأسرار المصرية رداً عليه، وقد كان له دور فعال في تحديد الاتجاه الذي اتخذته الفلسفة الأفلاطونية الجديدة لاحقاً وخصوصاً بين بعض الأفلاطونيين الإسكندريين والكهنة الذين كانوا مرتبطين بمعابد “مصر” و”آشور” و”بابل” و”اليونان”، والذين قاموا باستحضار الآلهة أثناء الاحتفال بالأسرار وأدوا ما يسمى بـ “السحر الاحتفالي”.
قام “يامبليخوس” بإضافة المئات من الآلهة الوسيطة والملائكة والشياطين وكائنات أخرى بشكل أعقد بكثير عن النظام الذي وضعه “أفلوطين” والمتمثل بثالوث الواحد والعقل والنفس.
– مدرسة “أثينا”:
تعتبر امتداداً للمدرسة السورية التي بدأت في “أفاميا” فقد كانت ذات توجه روحاني، وقامت على عدد من الفلاسفة السوريين، أشهرهم حسب الشاعر والمؤرخ الروماني “أغاثياس”: “يامبليخوس الأفامي” قبل انشقاقه و”هرمياس الفينيقي” و”ديجانوس الفينيقي” و”إيذيدور الغزاوي” و”سيمبليكيوس” من “كيليكية”، وكان أخرهم الفيلسوف السوري الشهير الدمشقي “داماسكيوس” الذي لُقب بأخر فلاسفة الأفلاطونية المحدثة كون هذه المدرسة انتهت على يد الإمبراطور القديس “جستينيان” الأول.
– مدرسة الإسكندرية:
لا يمكن فصل مدرسة “الإسكندرية” عن مدرسة “أثينا” من أهم رموزها الشهيدة “هيباتيا” و”أمونيوس بن هرمياس” ووالده “هرمياس الإسكندراني”.
وبقيت الأفلاطونية الحديثة مزدهرةً حتى العام /529/ ميلادية حيث أُغلقت مدارس الأفلاطونية المحدثة على يد الإمبراطور البيزنطي “جستنيان” اﻷول الذي يعتبر قديساً بالنسبة للكنيسة اﻷرثوذكسية فبعيد وفاة “داماسكيوس” في العام /544/ ميلادية، انتهت معه المدارس الأفلاطونية الحديثة، لكن أثر هذا التيار الفلسفي الهام لم ينقطع في موطنه كونها فلسفة تعتبر ابنة بيئتها فقد اندمجت مع التعاليم المسيحية واليهودية المبكرة، كما تم تجديدها على يد فلاسفة الحضارة الإسلامية الذين صبغوها بتوجهات توحيدية، حيث دخلت العقائد الأفلاطونية المحدثة للإسلام من خلال كتاب “أثولوجيا أرسطوطاليس” الذي ترجمه من السريانية للعربية “عبد المسيح بن ناعمة” الحمصي، وكتاب “الإيضاح في الخير المحض” المنسوبين خطأً لـ “أرسطو”، ففي الحقيقية الأول هو كتاب “التاسوعات” لـ “أفلوطين” والكتاب الثاني هو مقالات مختارة من كتاب “مبادئ الإلهيات” لـ “أبرقلس” والذي ترجمه للعربية أحد الأساقفة السريان، وهذه الكتب أثرت بدورها على تفكير عدد من المفكرين المسلمين أمثال “الكندي” و”إخوان الصفا” و”الفارابي” و”ابن سينا”، والذين أثروا بدورهم على الأنظمة أو التدوينات الدينية لـ “السجستاني” و”الكرماني” و”السهروردي” و”ابن عربي” .
