مها بيطار :
نقاش الاشكاليات الدينية ليس هدفا ثقافيا أو فكريا بحد ذاته ,لأنه من العبث نقاش المقدسات , فالمقدسات لاتتقبل الا حالة واحدة هي الايمان بها بدون أي نقاش , بالرغم من تقزز العلمانية ونفورها من نقاش الاشكاليات الدينية ,ترى نفسها في هذا الشرق بمواجهة صاخبة مع الأشكاليات الدينية ,مواجه تشبه الحرب ,التي تطورت في هذه المنطقة, لتصطدم بالانسداد والسدود الايمانية , التي تحول اي حوار الى جدل عقيم غير مجدي , لايستحق سوى الطرح في سلة المهملات .
الواقع والضرورة تبرهن بأنه , بالرغم من ذلك , لامناص من التماس مع الأصولية , ولا مناص من ردع الأصولية , ولربما تنويرها بعض الشيئ,هنا تختلف ادوار من يريد التنوير , هناك المعرفة وهناك الثقافة وهناك الفكر , وللأخير مهمة اختراق الواقع وخلق واقعا جديدا بعد الصدام بين مقدرات العقل الثلاثة وهي الخلق والادراك والحس مع حماة المقدسات , أو نتيجة لهذا الصدام .
ممارسة العقل للتفكير سهلة في المجتمعات التي تعتمد الفكر وتصادم وتفاعل الأفكار الخلاق , اذ يتم انتاج فكرة ثالثة توافقية ومقنعة لأطراف حوار الأفكار ,أما في هذه البلاد او البلدان , فيصطدم الفكر عموما مع الصخر ,حيث يبقى الصخر صخرا والفكر فكرا , بدون المقدرة على افراز فهم ثالث اتفاقي , مشاكل هذه الشعوب عملاقة , وبالتالي فان الحاجة للتنوير والحداثة عملاقة ايضا .
تتعلق المشكلة الأعظم بسعي الفكر الديني المستمر لقولبة الحياة على شاكلته الماضوية , الفكر العلماني الحياتي في هذه البلدان منجر ومضطر الى منازلة لايريدها أصلا , العلمانية لاتريد التدخل في السماوية ,الا أن السماوية لاتكف عن محاولة التدخل في الأرضية , الذي يتضمن ممارسة الارهاب التكفيري , الذي قد ينتهي ببتر الرؤوس , وهذا الأمر لاتقبله العلمانية ولا تستسلم له له .
التكفير وسيلة من وسائل للدفاع عن ايديولوجية مغلقة وفكرة عمياء ,التكفير مبدأ ووسيلة مؤطرة بيد الأصولية الدينية -السياسية , وهو لغة النقاش التهديدية الابتزازية, التي تريد الامعان في ممارسة الظلم الاجتماعي مثل ظلم المرأة وتشييئها , التكفير بحد ذاته ليس سوى انتهاكا لحرية الرأي والتعبير , انه ارهاب بامتياز كالاغراء بالجنة بالجنة والترهيب بجهنم ,لايعرف الاختلاف خلافا اشد تطرفا من ممارسة التكفير الملازم لممارسة التخوين , التكفير هو مشروع اغتيال بأشكال مختلفة ,اجتماعي .,جسدي فيزيائي ثم أخلاقي ..التكفير هو الوسيلة الوحيدة والعقيمة للدفاع عن الانغلاق الايديولوجي والايمان الأعمى , انه تكميم للأفواه في زمن حق حرية الرأي والتعبير واحترام الاختلاف.
التكفير اختراع من اختراعات الدعوة , اذ لم يكن له وجود في الجاهلية , التكفير هو عقوبة للتفكير , لذلك لايمكن انتظار اي تقدم في ظل التكفير , وكيف يمكن لهذه الشعوب أن تتقدم بدون تفكير وفكر , انه البرهان عن عجز طرف من الأطراف على موجهة فكر بفكر , لذلك تحولت المواجهة الى فكر وكفر , تحول التكفير الرمزي الى تقتيل حقيقي هو نتيجة حتمية للتكفير , انه اغتيال رمزي يتحول الى اغتيال مادي .
لم تخدم الاغتيالات قضية واهداف التكفيريين ولم تخدم الدين , الذي يدعون الدفاع عنه , وهذا الأمر لم يدركوه اطلاقا , فشرشحة ابن تيمية بفتواه “المرتد يقتل في كل حال” , لم تنصر الدين , انما خذلته , وحولته الى اشكالية نلاحظها في مجالات التواصل الاجتماعي في هذا العصر ,نلاحظ ذلك الكم الهائل من الأصوات الرافضة ليس فقط لابن تيمية , انما لدين ابن تيمية, الأمر مشابه بما خص الصوفي الحلاج الذي قتله الخليفة المقتدر بالله حيث صلبه حيا , هل استفاد دين المقتدر بالله من تكفير الحلاج ؟ يمكن القول ولو جزئيا بأن شهرة الحلاج تعود الى حد ما الى قضية التوحش الذي مارسته الخلافة معه , فكم من مفكر لم نكن لنقرأ افكاره لولا اغتياله بعد تكفيره .
عدد الذين كفرتهم الخلافة كبير جدا وسوف لن أتطرق لما حدث مع غيرهم أو ما حدث مع معظم المفكرين , من الذين تم تكفيرهم , الأمر لايختلف في هذا العصر لابل أصبح أكثر وضوحا وأشد وقاحة , مثل تكفير القرضاوي للغير , الذي بلغ حد فرض مقاطعتهم اجتماعيا وعدم تهنئتهم بأعيادهم , وهم مثله مواطنين , ذلك عذرا عن الحق الضرر بالدين , ومثله فعل العرعور والحويني وحسان ورشدي وحمداش هدام دور العبادة والكثير الكثير غيرهم …
