ربا منصور , ن . عبود :
ماتت الممانعة بعد عمر مديد , طال لعشرات السنين ,بالرغم من كون الترحم على الميت واجب !, هل يجوز الترحم عليها ؟
لعشرات السنين سمعنا كلمات وتعابير ومفاهيم لم يكن ادراك مدلولاتها سهلا , “الممانعة” كانت عصية على الفهم والاستيعاب الكاف , حتى اللجوء الى الممانعين طلبا للشرح وتوضيح مدلولات هذا المفهوم لم يجد , تميزت أجوبتهم باللعثمة واللف والدوران بأسلوب ولغة خشبية , في معظم الحالات تم تفسير مفهوم الممانعة بالممانعة , وفسر الماء بعد الجهد بالماء .!
بالرغم من عدم المقدرة على استيعاب مفهوم “الممانعة” بشكل كاف , كان من الممكن ملاحظة بعض تمظهراتها , التي منها التمنع عن اطلاق رصاصة واحدة في الجولان على مدى اربعين عاما , وبالاحجام عن الدفاع عن النفس , يمكن القول على أن الممانعة كانت تعبيرا عن الامتناع حتى عن التحرش بالعدو , ليس هذا فحسب , انما الاحجام عن الرد على تحرشات اسرائيل الحربية , لذا بقيت الجبهة السورية بفضل التمنع والممانعة هادئة هدوء المقابر أربعين سنة تقريبا و لحد الآن !.
الشعب بكى وجاع وأراد الحرية !, هنا انبرى له رجال الممانعة والمقاومة,ان دولة الممانعة والمقاومة لاتستطيع في ظرفها الممانع المقاوم الحرج تأمين هذه الكماليات ,جائع لأنك تمانع يا أخي المواطن,انتبه ! لاصوت يعلو على صوت المعركة ,وحتى أن صوت المعركة يعلو على صوت البكاء والأنين …فالجوع هو معيار لقوة الصبر , والبكاء معيار لرهافة المشاعر , انك ترى يا أيها المواطن مدى الانشغال بثوابت الأمة , والأمة الملتزمة بهذه الثوابت النبيلة لاتستطيع شرذمة او بعزقة قواها في أمور مثل الحرية والديموقراطية وحرية الاعلام وغيرذلك من الأمور الثانوية , اولا تحرير الأراضي المحتلة , وبعد ذلك تأتي الحريات السياسية والتحرر من الفقر والمرض والبكاء !!!!!!!!.
سقط بعض الزعماء والرؤساء العرب واحدا تلو الآخر , وسقطت الشعوب على دفعات , لكن الدجل سقط دفعة واحدة , يقول البعض القليل من الذين تحرروا من الصمت لحضرة الزعيم او لمن يمثله من الزبالة همسا أو صراخا ,لقد فشلت وأفشلتنا معك , فلا الأرض عادت , ولا البلاد تقدمت , وتحولنا الى شعوب فاقدة الفعالية والقيمة , موت مئة منا أقل أهمية بالنسبة للبشرية من موت مئة جربوع , ليس لأن البشرية لم تعد بشرا , انما لأننا تحولنا بالواقع الى فئران وجراثيم وجرابيع , تحولنا الى ” فائض ” بشري , والبشرية ليست بحاجة لنا , قيمتنا لاتتعدى قيمة البترول الذي نجلس عليه, بترول لم نصنعه, بل صنعته الطبيعة بشكل مناسب , لكن ليس في المكان المناسب , هل استفدنا من البترول ؟ أو أن البترول كان كارثة ؟
من حولنا الى جرابيع وجراثيم , هم الأنظمة الفاسدة والقاصرة وريثة الماضي القاصر والفاسد , الشعوب حولت نفسها بخنوعها وفسادها الى قطيع من الجراثيم والجرابيع , لم تخرج هذه الشعوب من التاريخ بسبب تهريجية الممانعة والمقاومة فقط , فالخروج من التاريخ كان اقدم من المقاومة والممانعة ,التي كرست هذا الخروج , الذي بدأ مع الفشل في أن تكون لهذه الشعوب فاعلية حضارية , بدأ مع تدني قيمة وجود هذه الشعوب الى مايفارب الصفر , بدأ مع شعور العالم بأنه ليس بحاجة لهذه الشعوب , التي تصدرت بقية شعوب العالم بالفقر , وتصدرت بقية الشعوب بالقمع , اوائل في ممارسة الفساد , أوائل في الضعف, أوائل في الجوع , أوائل في التأخر العلمي والاجتماعي والاقتصادي وفي الانتحار والتناحر الذاتي …وفي ممارسة التطفل على بقية العالم .
يتعجب السادة الزعماء من أي حركة لجسد المجتمع المتواجد في حالة موت سريري , يتعجب هؤلاء من فشلهم في اغتيال هذا الجسد بشكل لايسمح له بأي حركة , سأل القذافي متعجبا من أنتم ؟ جراذين !, والآخر أجاب من دمشق ,انكم عصابات مسلحة قذرة , لكم 24 ساعة لتعودوا الى بيت الطاعة , الصعلوك عرف الجواب على سؤال القذافي , ولكنه لم يعرف الجواب على اسئلة التاريخ والحياة , الصعلوك العاجز عموما , عجز حتى عن القراءة المقبولة للخطب التي كتبتها له بثينة , وأقصرها كانت خطب الساعتين وما فوق , خطب ليست عن التاريخ , انما من أجل صناعة التاريخ , خطب تهم البشرية جمعاء , خطب ستنقذ البشرية , كما عبر عن ذلك دجال درعاوي , حقيقة خطب ليس لها شأن تاريخي , ثرثرة محلية مرحلية , مضمونها تهريجي … خطب حددت قيمة المخلوق السوري بالقرش والفرنك , وعرفته بأنه مخلوق يبيع ضميره واتجاهه وميوله بخمس فرنكات .
عودة الى الممانعة , التي لم يسمح وجودها بوجود شيئ آخر الى جانبها , كالتفكير بسياسة اقتصادية فعالة ,أو سياسة تؤمن الاحترام للفرد ,وتحول هذا المخلوق الى “مواطن”لايتنغم بطنطنة الديماغوجيات الفارغة , كالقول أولا تحرير فلسطين والجولان , قبل تحريره من ذل الاستبداد والاستعباد , قليل من المواطنين ادرك بأنه لاوجود لمعركة فاصلة واحدة في الحياة , وأدرك بأن أي معركة من معارك الحياة تحتاج الى استراتيجيات مدروسة , تؤمن اولا للمواطن القوة , التي تمكنه من النجاح في الحياة, أي تمكن الوطن من النجاح , المواطن القوي ,هو الوطن القوي , المواطن الناجح هو الوطن الناجح , والنجاح لايتطلب ممارسة الهوبرة والعنترة والدجل ,هذه الصفات ليست من شيم الأقوياء , وانما من مثالب الضعفاء , المواطن أصبح يعرف بأن التحرير يتطلب خطة وتصور ايجابي , ولا يمكن أن يكون التحرير باغتيال المواطن وعقله وارادته .
المواطن الجريئ المتحرر من الصمت, يسأل عن أسباب فشل مشروع استرداد الأرض , وقد كانت هناك عدة مناسبات سلمية سمحت بهذا الاسترداد , لايعتقد المواطن الحر بأن الاسترداد فشل بسبب الخلاف على بعض الأمتار المربعة , المواطن يشك !, ومن واجبه أن يشك , يشك بحقيقة نية الاسترداد , من يريد حقيقة أن يسترد, لايؤجل عملية الاسترداد الى أجل غير مسمى , المواطن الحر يعتقد بأن التأجيل مفيد للنظام , التعليق والتأجيل يسمح بالاستمرار بالمتاجرة بالشعارات ..الممانعة ..المقاومة وبقضية فلسطين بشكل عام ,والاتجار بالشعارات يسمح بما هو أهم من كل شيئ بالنسبة للنظام , فبقاء النظام واستمراه أهم من وجود الدولة السورية , ولو لم يكن كذلك , لما ساهم النظام في حرب أهلية انهت عمليا وجود الدولة .
لقد تقزمت مدلولات تحرير الانسان وتحرير الأرض , لتصبح كلمة أو كلمات قزمة مشوهة .. تدجيلة الممانعة ..التي تلخص سياسة وفكر وممارسة من يرتشي ومن ينهب البلاد والعباد , من جعل دم الانسان السوري بدون قيمة , ومن جعل الفساد دستورا للبلاد , الممانعة تحولت الى كار الشتم والى تخوين وتكفير الغير , الدجال الممانع وطني وغير ذلك خائن للقضية , وأي قضية هذه ؟هل قضية فلسطين ؟ أو قضية الأسد الى الأبد ؟
