ميرا البيطار :
هل سقطت فكرة الوحدة العربية قبل ولادة فكرة القومية العربية في مطلع القرن العشرين , أو بعد ولادة الفكر القومي؟ , أظن بأن فكرة الوحدة العربية والعالم العربي الموحد سقطت قبل ولادة الفكر القومي , ,ثم أن ولادة الفكر القومي لم يترافق مع ولادة فكر وحدوي ناضج وقابل للنجاح .
فشل الفكر القومي العربي قاد الى ارتفاع أهمية الفكر القطري القومي , خاصة بعد أحداث غير مشجعة لمفهوم الوحدة العربية , كغزو العراق للكويت واستعمار الأسدية للبنان , وبقدر تعاظم الفكر القطري القومي تقزم الفكر القومي العربي , لقد ثبت بما لايقبل للشك بأن موجة الفكر القومي العربي , لم تكن الا شعارات هدفها تسويق الديكتاتوريات للسيطرة والاستغلال والبقاء بتوظيف الفكر القومي لهذه الغاية .
يزداد تآكل الفكر القومي العربي باستمرار,حتى في البعث القومي العربي لم يعد لهذا الفكر من وجود , اختفى شعار وحدة , حرية , اشتراكية , تبخرت الناصرية التوحيدية , وللتعرف على الحالة التي وصلت اليها مفاهيم الوحدة العربية , يكفي القاء نظرة عابرة على العلاقات السابقة بين العراق البعثي وسوريا البعثية, وعلى العلاقات بين السعودية واليمن ثم الجزائر ومراكش …. الخ , فمن النادر في تاريخ الدول أن تكون القطيعة بين دولتين يحكمهما حزب واحد كالعراق وسوريا , كما كانت القطيعة بين هاتين الدولتين .
تعاظم الدور القطري والاستقلالية القطرية المترافقة مع ضمور الفكر القومي العربي والانتماء للقومية العربية , لم يكن هواية وغواية , وانما مصلحة مبررة , انها اعادة الاعتبار للاوطان ,فالاستعمار السوري للبنان قاد الى حذف نموذج العلاقات الأخوية بين الدولتين , وبالتالي افتتحت السفارات بينهما ,الكويت بتجربته المريرة مع العراق , حصن نفسه بالمزيد من اتفاقيات الحماية مع الغرب , والمزيد من القواعد العسكرية الغربية , وهكذا سعت الدولة القطرية بوسائلها الذاتية للدفاع عن نفسها وعن قطريتها واستقلالها بالشكل الموجودة به وليس بالشكل الذي يراد لها أن تكون به .
كان القرن العشرين القرن الذهبي للفكر القومي العربي , ويبدو وكأن القرن الحادي والعشرين سيكون القرن الذي عليه حل المشاكل التي نتجت عن فشل الفكر القومي العربي في القرن العشرين , انكمش الفكر القومي العربي وبلغ درجة عالية من الانكماش حتى في أوائل هذا القرن, تصوروا حالة هذا الفكر لولا بقاء المشكلة الفلسطينية بدون حل , ولولا سياسة اسرائيل التي لم تتوقف عن الاستفزاز والابتزاز لحظة , هل سيكون هناك فكر قومي عربي ؟
وحتى مقدرة مشكلة فلسطين على الابقاء على شيئ من حيوية الفكر القومي العربي في طريقها الى التلاشي , يقال بأن الاشكالية التي لاحل لها لاتعتبر مشكلة , وهكذا فان عدم مقدرة القومية العربية على حل مشكلة فلسطين , حول هذه الاشكالية الى “لامشكلة” , أي الى حالة لامفر من التعايش معها بشكلها الواقعي , أو بالشكل الذي تريده اسرائيل لها, وليس بالشكل الذي تتمناه القومية العربية, فالقومية أساءت للقضية الفلسطينية بشكل غير مباشر, فما رفضه العرب بخصوص التقسيم على سبيل المثال كان بالنتيجة خاطئا , وعدم التمكن من تجنب الحروب كان ضعفا سياسيا وعسكريا , وخداع الناس بادعاء الانتصار كان جريمة , وأكبر الجرائم كانت جريمة التكاذب والتنافق , التي حولت الهزائم المنكرة والمتكررة الى انتصارات اسطورية , سيان ان كان الهدف قوميا عربيا أي اقامة الدولة العربية الكبرى أو قطريا استقلاليا.
لايمكن تجاهل أهمية التنمية البشرية وتطوير كل بلد عربي الى ماهو أرقى وأفضل , لكي يتمكن من الوحدة مع غيره , حتى ان فرص نجاح أي اتحاد أو وحدة مستقبلية يتناسب طردا مع تقدم وتطور الدولة المعنية بأمر الاتحاد أو الوحدة , بالنسسبة لسوريا فقد أتعبتها العروبة الى حد الهلاك… أنا ياصديقي متعب بعروبتي , فهل العروبة لعنة وعقاب(نزار قباني ), بالنسبة لسوريا انخدع السوريون بكذبة العروبة , عندما أهملوا مشروع الدولة السورية القطرية من عام ١٩٢٠ وحولوا جهودهم باتجاه الاطار القومي العربي,وأهملوا الاتجاه السوري , حمل السوريون الهم العربي قبل الهم الوطني السوري القطري , والنتيجة كانت فشل تجربة الدولة السورية , الى جانب فشل الجهود التوحيدية العربية , وتجربة الوحدة الفاشلة زادت من ارتفاع كم الفشل المتراكم ,أي خطوة مهما كانت جيدة تتحول الى سيئة عندما لاتوضع في الزمن المناسب وبالشكل المناسب, وهكذا تحولت وحدة ١٩٥٨ بشكلها الاندماجي وفي ذلك الوقت الغير مناسب الى كارثة آنية ومستقبلية للفكر التوحيدي .
من رحم الفكر القومي العربي ولدت الممانعة والمقاومة ,أي تدخل سوريا في الشأن الفلسطيني , هل استفاد الفلسطينيون من الممانعة والمقاومة ؟ أو هل استفاد السوريون؟, وهل عادت فلسطين ؟ وهل ازدهرت سور يا ؟,لقد تضررت القضية الفلسطينية وتضررت سوريا , وعن لبنان يمكن طرح نفس الأسئلة , ولو لم يتم توظيف القضية الفلسطينية بالشكل الذي وظفت به , لكان بامكان الفلسطينيون أحراز قدرا أكبر من النجاح في الحصول على بعض حقوقهم ,الديكتاتوريات وظفت العروبة والفكر القومي في التغطية على دجل المقاومة والممانعة ,الفكر القومي سمح باطالة عمر الديكتاتوريات , وهو الذي تشارك مع الاسلاميين تارة , وتارة أخرى تقاتل معهم , ذلك الاقتتال الذي قتل ملاين السوريين والفلسطينيين , وقاد الى الخراب السوري شبه الكامل , لولا العروبة والفكر القومي العربي لما حدث للفلسطينيين ماحدث ولما حدث للسوريين ماحدث..
