المواطنة والتفرقة الوطنية ..
ربا منصور :
تاريخيا يمكن القول على أن مفهوم الوطنية أوروبي المنشأ , فقد نشأ هذا التعبير في أواخر القرن الثامن عشر مرادفا لنشوء الفكر القومي , لذا يتم أحيانا المزج بين الوطنية والقومية ,وكأنهما قيمة واحدة , فرضت الوطنية نفسها في العالم العربي في المئة سنة الأخيرة, انها اطار لتلاحم الفرد مع مكون جغرافي وشعبي واجتماعي , اسمه الوطن ..أي أن نشوء مايسمى الدولة القومية أو الوطن جاء بالوطنية الضرورية لصيانة وحماية الوطن,
على الرغم من أن منشأ قيمة “الوطنية” ليس عربي ولا شرقي , الا أن التداول اللفظي لهذه القيمة على أشده في البلاد العربية , الأمر كأمر الديموقراطية التي برع العرب في التحدث عنها وعن ضروراتها ,من ناحية أخرى برعوا في تجنب تطبيقها ومحاربتها , ففي أوروبا نادرا مايتكلم أحد عن الوطنية أو القومية , ومن يتحدث عن الوطنية بالشكل العربي يجعل من نفسه مضحكة , ذلك لأن الكلام عن وطنية فلان مقرون دائما بالكلام عن عدم وطنية الآخر , وفي أوروبا لاوجود لمن هو ليس وطني ,المبالغة في استخدام مفردة “الوطنية ” هو ملازم للمبالغة في استخدام مفردة “الخيانة” ,بينما لاتعرف المجتمعات الأخرى ذلك الاستخدم المكثف لمفوم الخيانة , أما في هذه البلاد فتستعمل هذه الكلمة مئات الألوف من المرات يوميا , من له رأي آخر فهو خائن ..هكذا بكل بساطة وتلقائية.
لقد شذ المعنى العملي لهذه الكلمة عن المعنى الحقيقي , لقد أصبح , في سياق افلاس القيم بشكل عام عبارة عن مفردة لكيل المديح , والأصح أصبحت بوابة تدخل منها مفردة أخرى هي مفردة “الخيانة” , التي أفلست أيضا وتخصصت في الشتم والقدح والذم .
مضامين ومعايير الوطنية تختلف من دولة عربية لأخرى وفي الدولة نفسها من فئة لأخرى, يختلف معنى هذه المفردة على مستوى الوعي الفردي والجماعي , والتباين على أشده بين الديموقراطيات والديكتاتوريات , وبين المشيخات والجمهوريات… الخ , ففي المشيخة يتقزم هذا التعبير ليأخذ شكلا فقهيا , لايتجذر به مفهوم الوطنية بشكله الحديث المعروف أوروبيا , فهناك الأمة الاسلامية , وعن الوطن فالحديث قليل جدا أو معدوم ,وذلك على الرغم من ان الجماعات الاسلامية تعيش في أوطان محددة جغرافيا وشعبيا ومعترف بها عالميا , هؤلاء يشعرون بانتمائهم الى “أمة” أكثر من انتمائهم الى “وطن” , بالتأكيد هناك أسباب شبه فقهية لهذه النظرة , التي لامجال لبحثها تفصيليا في سياق هذا الموضوع .
يتعلق مفهوم الوطنية في الغرب الديموقراطي , أولا بموضوع الأرض وما عليها , اذ ان الهدف من الممارسة الوطنية هو رخاء وازدهار وتقدم الشعب والارض , أما في الشرق الفردي الديكتاتوري فقد كان من الضروري تحوير مفهوم “الوطنية ” لكي يتناسب مع “الشخص” المتسلط وأهدافه ونزواته , لقد الغى الشخص ملكية الأرض لمن عليها , وأصبح هو المالك للأرض وما عليها , لذا تتمحور كل “مصلحة” حول ذاته وذواته ونزواته , وبالتالي كان لقيمة الوطنية أن” تتأدب وتتدرب” على الوضع الجديد وتتناسب معه .
التحوير والتزييف منتشر وبائيا في البلاد , وأهم تحوير هوتحول فاعلية مفهوم الوطنية في الوعي الفاعل للشعب (البدائي) , ليغدو مفهوما فاعلا للتفرقة الوطنية وقاتلا للوحدة الوطنية بشكل غير مباشر ,ذلك لأن تكاثر استخدام هذه المفردة في تعريف حالة مواطن ما , مقرون بتكاثر استخدام مفردة الخيانة في تعريف حالة مواطن آخر , ومن هنا يأتي “محصول” التفرقة الوطنية لهذا الاستعمال , وبقدر مايتحدث الانسان عن وطنيين , يجب أن يتحدث عن خونة ,وهذه هي الكارثة التي تقضي على الثقة بين فئات المجتمع , وتقضي أيضا على المساواة , وتشجعغ الديكتاتورية , بل هي ضرورة من ضروات الديكتاتورية , التي تعتمد على الاقصاء والاستقطاب والفردية .
لا يمكن للديكتاتورية أن تبرر وجودها منطقيا , الا عن طريق تأكيد خيانة فئة ومواطنية فئة أخرى , والفئة “الوطنية” التي يمثلها الديكتاتور هي الفئة التي تحتكر الحكم لأنها وطنية , أما الفئة الأخرى فهي فئة الخيانة , التي ينعم عليها الديكتاتور , في أحسن الحالات, بالسجن الملطف والتعذيب المخفف .. أي أنه يحاول تأديبها وتدريبها لكي تصبح “وطنية ” وتنضم الى قطيعه ..
Post Views: 1,077