ربا منصور:
لقد ولدت سوريا “الدولة” مبكرا , وكان لها أن تبلغ مزيدا من الرشد والنضوج قبل أن تستقل , فالأحداث طيلة الخمسين سنة الماضية برهنت بشكل قاطع عدم كفاية نضوج المجتمع السوري, فالارث المؤسساتي كان ضعيفا بعد الاستقلال , وبسبب هذا الضعف تمكن الأسد من تحويل دولة تأسست على الفكرة الجمهورية , الى دولة توريث السلطة بها من الأب الى الابن , كما وصفها المنصف المرزوقي بكلمة “جملوكية “
لم يتمكن المجتمع السوري في عدة مناسبات كمناسبة عام ١٩٦٣ ومناسبة مهزلة الحركة التصحيحية عام١٩٧٠, ثم مناسبة اغتصاب الدستور عام ٢٠٠٠, من تلافي السير في الطريق الخطأ, الذي قاد البلاد الى المهلكة , تصوروا بلدا مثل فرنسا وتصوروا حاكما مثل الأسد في فرنسا , لا أظن على أن بامكانه أن يبقى على الكرسي أكثر من أيام , فشعب يتعايش مع المادة الثامنة عشرات السنين بدون مقاومة سياسية تذكر, هو شعب لايتصف بالنضج , شعب تحكمه الشبيحة والزعران هو شعب لم تتطور به بشكل كاف صفة المواطنة ,التي تؤسس للدولة , فلا دولة دون مواطن قادر على الدفاع عنها , وبما أن هذا المواطن غير موجود , لذلك فان وجود الدولة غير ممكن , والدولة ستفشل , وقد فشلت مبدئيا .
لما كان الفشل أحيانا حالة مرحلية , ويمكن لمن فشل أن ينجح عندما يتعرف على أسباب فشله ثم يزود نفسه بالوسائل التي تمنع الفشل مرة أخرى , لذا قد يكون البحث عن مسببات الفشل ذو جدوى وفائدة , سوف لن نستسلم للفشل كحالة دائمة وسوف لن نعلن عن وفاة سوريا بسهولة , سوريا جديرة كغيرها بالتطوير , الذي يؤمن لشعبها وضعا حياتيا مناسبا , أصلا لاتوجد استحالة في تطوير أي شعب ,وانقراض بعض الدول والشعوب يعود الى الأخطاء الفادحة التي تم ارتكابها في عملية التطوير , فكل شعب قابل للتطور الى الأمام وكل شعب قابل للتنكص الى الوراء ..الى الحياة أو الى الموت !.
للتعرف على أسباب الفشل لابد من الاستعانة بآراء أخرى الى جانب الرأي الشخصي , وقد صدرمؤخرا كتاب قيم «كيف تحوّلت سورية من دولة مارقة إلى دولة فاشلة ؟»، لمؤلفيه روبرت آي.زوتبرغ وسيث د.كابلان وترجمة الدكتور حازم نهار, بحث الكاتبان العديد من المفاهيم والنظريات حول ماهية الدولة المارقة والفاشلة,في عدد من الدول التي تتشابه في بنية الحكم, القائمة على القمع والاستبداد , الكتاب طرح تصورات وحلولا تستفيد من تجارب الدول الأخرى, التي استطاعت أن تعيد ترميم كيانها وتنطلق في اصلاحات جذرية, فالدولة المارقة التي تسير في طريق الفشل هي الدول القمعية بشكل عام ..انها كوريا الشمالية وروسيا البيضاء وغينيا وزيمبابوي وسوريا والعراق ومعظم الدول الملكية , سلطة الدولة المارقة-الفاشلة تعتبر المواطن متهما , ولكي يعيد هذا المواطن اعتباره ويستعيد جزءا يسيرا من كرامته , عليه بالانتظام في صفوف المصفقين والمتملقين , أي أن سلطة الدولة المارقة-الفاشلة تتعمد تشويه شخصية المواطن , وذلك لكي يستقيم تشوهه مع تشوهها .. الفساد يتطلب فاسدين ومفسدين , والطائفية تتطلب طائفيين والقتال مقاتلين , وعند فشل سلطة الدولة المارقة تتحول هذه الدولة الى دولة فاشلة , والفشل يتميز عن المروق بانضمام الفوضى الى خصائص الدولة المارقة لينتج من هذا المزيج الجديد الفشل , , وما يميز الدولة المارقة عن الفاشلة , هو امكانية الدولة المارقة تأمين حدا أدنى من الاستقرار المحلي نتيجة للسياسة العنفية التي تتبعها , والدولة الفاشلة تعجز عن تأمين هذا الاستقرار ….سوريا كانت قبل ٢٠١١ دولة مارقة , وأصبحت بعد ٢٠١١ دولة فاشلة ..عاجزة اجتماعيا ..فاسدة ….ديكتاتورية قامعة للحريات وخالية من المؤسسات ماعدا مؤسسة الرئاسة التي تتحكم تنفيذيا بالسلطات الأربعة من قضاء الى تشريع الى تنفيذ الى صحافة .
انضمام خاصة “الفوضى” الى خصائص الدولة المارقة هو تعبير عن الفشل , الا أن سوريا كانت ومنذ عشرات السنين دولة فاشلة , ذلك لأن الفوضى ليست مؤشر الفشل الوحيد , فللفشل حوالي اثني عشر خاصة , كان وزير الخارجية البريطانية السايق”سترو” قد ذكر العديد منها , ثم تم اكتمال مابقي من هذه الخصائص عن طريق مؤسسات الأمم المتحد , والنقاط الاثني عشر تتعلق بالخلل في المجالات التالية : ١. التدخل الأجنبي ٢. النخب المنقسمة ٣. الأجهزة الأمنية ٤. حقوق الإنسان ٥. الخدمات العامة ٦. بطلان شرعية الدولة ٧. الاقتصاد ٨. النمو غير المتكافئ ٩ النزوح البشري ١٠. الظلم الجماعي ١١ اللاجئون والمهجرون ١٢. الضغوط الديموغرافية, والخلل في سوريا يشمل معظم هذه النقاط ان لم يكن كلها وذلك بتزايد من نصف قرن .
