سمير صادق :
ولدت فكرة القومية العربية في مطلع القرن العشرين , , ومن رحم فكرة القومية العربية ولدت فكرة الوحدة العربية, كأحد مظاهر بعث الحالة العربية بعد الفتوحات من جديد , تأسست الحالة العربية الموحدة على وضع استعماري تمثل بالفتوحات , وبوضع المناطق المفتوحة تحت سلطة ادارية واحدة , كما وضعت المستعمرات البريطانية تحت سلطة الادارة البريطانية والمستعمرات البريطانية كانت موحدة تحت التاج البريطاني , زالت الوحدة الادارية الأمبراطورية البريطانية , وبزوالها زالت الوحدة الادارية للمستعمرات , التي استقلت بشكل دول …كالهند والعراق وغيرهم , بزوال الخلافة الاسلامية العثمانية , زالت الادارة الواحدة للمستعمرات , وبالتالي تشكلت عدة دول حسب خريطة رسمها سايكس-بيكو , والتي تتطابق بشكل ولو جزئي مع حالة أقاليم الشرق العربي , فسوريا مكانت معروفة والعراق ايضا وفلسطين وحتى اقليم جبل لبنان , كانت ولادة هذه المناطق كدول حسب ارادة المنتصر على الخلافة العثمانية أمر سمحت به قوانين الحروب , التي تسمح للغالب أن يقوم بتغييرات ادارية على تركة الخلافة العثمانية المغلوبة , الغالب خلق دولا جديدة ليس في الشرق فحسب , انما في كل المناطق التي سيطر عليها مثلا في أوروبا وفي منطقة الهند وفي أفريقيا وغيرهم من المناطق التي أصبحت تحت ادارة المنتصر في الحرب …تألف العالم العربي من عدة مناطق قبل الفتوحات العربية , كانت هناك مصر او وادي النيل وكانت هناك بلاد الشام بمناطق مثل سوريا والعراق وفلسطين … هذه المناطق كدول مظاهر الوجود أظن بأن فكرة الوحدة العربي والعالم العربي الموحد سقطت قبل ولادة الفكر القومي , ,ثم أن ولادة الفكر القومي لم يترافق مع ولادة فكر وحدوي ناضج وناجح.
فشل الفكر القومي العربي قاد الى ارتفاع أهمية الفكر القطري القومي , خاصة بعد أحداث غير مشجعة لمفهوم الوحدة العربية , كغزو العراق للكويت واستعمار الأسدية للبنان , وبقدر تعاظم الفكر القطري القومي تقزم الفكر القومي العربي , لقد ثبت بما لايقبل للشك بأن موجة الفكر القومي العربي , لم تكن الا شعارات هدفها تسويق الديكتاتوريات للسيطرة والاستغلال والبقاء بتوظيف الفكر القومي لهذه الغاية .
يتقزم الفكر القومي الوحدوي باستمرار, لم يعد هناك من وجود مهيمن للبعثي عقائديا في حزب البعث , والرهموجة الناصرية التوحيدية تبخرت , وللتعرف على المرحلة الحالية التي وصلت اليها مفاهيم الوحدة العربية , يكفي القاء نظرة عابرة على العلاقات السابقة بين العراق البعثي وسوريا البعثية, وعلى العلاقات بين السعودية واليمن ثم الجزائر ومراكش …. الخ , فمن النادر في تاريخ الدول أن تكون القطيعة بين دولتين يحكمهما حزب واحد كالعراق وسوريا , كما كانت القطيعة بين هاتين الدولتين .
تعاظم الدور القطري والاستقلالية القطرية المترافق مع ضمور الفكر القومي العربي والانتماء للقومية العربية , لم يكن هواية وغواية , وانما مصلحة مبررة , انها اعادة الاعتبار للاوطان ,فالاستعمار السوري للبنان قاد الى حذف نموذج العلاقات الأخوية بين الدولتين , وبالتالي قاد الى افتتاح السفارات بينهما ,الكويت بتجربته المريرة مع العراق , حصن نفسه بالمزيد من اتفاقيات الحماية مع الغرب , والمزيد من القواعد العسكرية الغربية , وهكذا سعت الدولة القطرية بوسائلها الذاتية للدفاع عن نفسها وعن قطريتها واستقلالها بالشكل الموجودة به وليس بالشكل الذي يراد لها أن تكون به
القرن العشرين كان القرن الذهبي للفكر القومي العربي , ويبدو وكأن القرن الحادي والعشرين سيكون القرن الذي عليه حل المشاكل التي نتجت عن فشل الفكر القومي العربي في القرن العشرين , انكمش الفكر القومي وبلغ درجة عالية من الانكماش حتى في أوائل هذا القرن, تصوروا حالة هذا الفكر لولا بقاء المشكلة الفلسطينية بدون حل , ولولا سياسة اسرائيل التي لم تتوقف عن الاستفزاز والابتزاز , هل سيكون هناك فكر قومي عربي ؟
وحتى مقدرة مشكلة فلسطين على الابقاء على شيئ من حيوية الفكر القومي العربي في طريقها الى التلاشي , يقال بأن الاشكالية التي لاحل لها لاتعتبر مشكلة , وهكذا فان عدم مقدرة القومية العربية على حل مشكلة فلسطين , حول هذه الاشكالية الى “لامشكلة” , أي الى حالة لامفر من التعايش معها بشكلها الحالي أو بالشكل الذي تريده اسرائيل لها, وليس بالشكل الذي تتمناه القومية العربية, فالقومية أساءت للقضية الفلسطينية بشكل غير مباشر, ما رفضه العرب بخصوص التقسيم على سبيل المثال كان خاطئا , وعدم التمكن من تجنب الحروب كان ضعفا سياسيا وعسكريا , وخداع الناس بادعاء الانتصار كان جريمة , وأكبر الجرائم كانت جريمة التكاذب والتنافق , التي حولت الهزائم المنكرة والمتكررة الى انتصارات اسطورية , سيان ان كان الهدف قوميا عربيا أي اقامة الدولة العربية الكبرى أو قطريا استقلاليا.
لايمكن في كلا الحالتين تجاهل أهمية التنمية البشرية وتطوير كل بلد عربي الى ماهو أرقى وأفضل , وحتى ان فرص نجاح أي اتحاد أو وحدة مستقبلية يتناسب طردا مع تقدم وتطور الدولة المعنية بأمر الاتحاد أو الوحدة , بالنسسبة لسوريا فقد أتعبتها العروبة الى حد الهلاك… أنا ياصديقي متعب بعروبتي , فهل العروبة لعنة وعقاب(نزار قباني ), بالنسبة لسوريا انخدع السوريون بكذبة العروبة عندما أهملوا مشروع الدولة السورية القطرية من عام ١٩٢٠ وحولوا جهودهم باتجاه الاطار القومي العربي, حمل السوريون الهم العربي قبل الهم الوطني السوري القطري , لذلك فشلت تجربة الدولة السورية , وتجربة الوحدة الفاشلة زادت من ارتفاع جبل الفشل المتراكم ,أي خطوة مهما كانت جيدة تتحول الى سيئة عندما لاتوضع في الزمن المناسب وبالشكل المناسب, وهكذا تحولت الوحدة بشكلها الاندماجي وفي ذاك الوقت الغير مناسب الى كارثة آنية ومستقبلية.
من استفاد من الممانعة والمقاومة ومن تدخل سوريا في الشأن الفلسطيني , هل استفاد الفلسطينيون ؟ أو هل استفاد السوريون, وهل عادت فلسطين ؟ وهل ازدهرت سور يا ؟,لقد تضررت القضية الفلسطينية وتضررت سوريا , وعن لبنان يمكن طرح نفس الأسئلة , ولو لم يتم توظيف القضية الفلسطينية لأغراض تهم الديكتاتوريات لكان بامكان الفلسطينيين أحراز قدرا أكبر من النجاح في الحصول على حقوقهم ,الديكتاتوريات وظفت العروبة والفكر القومي في التغطية على دجل المقاومة والممانعة ,الفكر القومي سمح باطالة عمر الديكتاتوريات , وهو الذي تشارك مع الاسلاميين تارة , وتارة أخرى تقاتل معهم , ذلك الاقتتال الذي قتل ملاين السوريين والفلسطينيين وقاد الى الخراب السوري شبه الكامل , لولا العروبة والفكر القومي العربي لما حدث للفلسطينيين ماحدث ولما حدث للسوريين ماحدث..