ميرا البيطار , سمير صادق :
المواطنة مفهوم يفترض وقوف المواطن ضد كل من يريد النيل من الوطن,والقول ان الامبريالية تريد النيل من الوطن , ليس بالأمر الغريب والعجيب , انها مقولة موثقة بالوقائع , التي يمكن الحصول عليها من كل بقاع العالم , خاصة العالم الضعيف أو العالم الثالث , هذه المقولة ليست غيبية أو افتراضية …انها واقعية ,الا أنه يجب طرح السؤال التالي , هل يقتصر النيل من الوطن على العمل الامبريالي الخارجي , أو انه توجد “امبريالية ” داخلية , أصعب مكافحة ووقعا من الامبريالية الخارجية , امبريالية داخلية خبيثة تضع على وجهها قناع الوطنية والشرعية , وتمارس التمويه على ذاتها عن طريق تضليل الشعوب …كالقول ان الفقر والتعاسة والتأخر والفساد هم حصرامن صنع خارجي , واذا تم القضاء على هذا الخارجي , فسيتم القضاء على كل الاشكاليات , ولما كان القضاء على الخارجي , يعني القضاء على القوي أمرغير ممكن , لذا يجب على الشعوب البقاء أبديا في بوتقة الفساد والتأخر….لا نهاية للشر !!!! , الا بنهاية الشرير , والشرير باق , والتمويه ضروري وقائم الى ماشاء الله .
مقولة أنا مع الاصلاح , الا أني ضد التدخل الخارجي ! هي تضليل محكم , وغير واقعي , أولا يمكن القول بشكل عام , ان مسبب الفساد لايصلحه , ذلك لأن الفساد هو أمر يتعلق بخواص المفسد , الذي لا أتهمه بالنية السيئة , وانما بعدم المقدرة على العمل الصالح ,وتمكنه من الاصلاح نظريا, يقود الى التيقن , من أن حدوث الفساد كان عن عمد وسابق تصور ..لقد كان بامكانه أن يكون صالحا , الا أنه تنكر لذلك ومارس الفساد والافساد ..هذا الوضع يضع المفسد على مشارف تهمة الخيانة العظمى , وعقاب ذلك هو أشد من عقاب صاحب النية الجيدة والفعل السيئ .
وعود المفسدين بالقيام بالاصلاح هو أمر تخديري, خاصة عندما يتم قرن هذا الفعل التخديري بضرورة تقويم اعوجاج التدخل الخارجي … وذلك بالقول ان التدخل الخارجي هو عائق أمام الاصلاح ومثبط له , لذا على من يريد التنعم بالوضع الصالح أن ينتظر تقويم اعوجاج الخارج , تقويم هذا الاعوجاج أمر نسبي , اذ أن التشابك والتفاعل مع الخارج , يسيطر على كافة العلاقات الدولية ,ومن هذه الأشكال المعتادة الطبيعية طرح الأفكار وابداء الرأي حول مواضيع تهم العالم أجمع ..تشابك وتفاعل أصبح أمرا لايمكن تجنبه , فقدت الدولة القومية المعاصرة الكثير من استقلاليتها لصالح المجتمع الدولي .
الأمثلة على طرح الأفكار من الخارج ,وابداء الرأي حول بعض التصورات كثيرة , لقد صور ايزنهاور في الخمسينات أضرار الفراغ السياسي, وقبل سنوات صور بوش ضرورة الديموقراطية في الكفاح ضد الارهاب , ولا تخلو العلاقات الأمريكية -الأوروبية ثم العلاقات بين الشرق والغرب من تلك التداخلات والتصورات , التي يجب على الحكومات والشعوب دراستها بكل روية , ثم محاولة التفاعل معها ايجابيا , ومن أسوء الأمور وضع كل مايقال من الخارج في خانة “المؤامرة” وبالتالي رفضه دون دراسة هادئة مستفيضة .
ادراج كل مايقال من قبل الغرب في خانة المؤامرة أصبح أمرا روتينيا تلقائيا , تجري المتاجرة به وتوظيفه في عملية التمويه والتعتيم , السلطة التي تريد التملص من مسؤوليتها عن الاصلاح الحقيقي , تنفخ روح الشر ومفهوم المؤامرة في كل كلمة أو موقف يتخذه مسؤول من الجبهة التي تعتبر معادية , ولو أخذنا كمثل على ذلك مشروع الشرق الأوسط الكبير , فمن يتعرف على معالم هذا المشروع , يدرك فورا سبب معارضة الديكتاتوريات له ,اذ انه لامكان للديكتاتوريات في هذا المشروع , ,الديكتاتوريات حولت هذاالمشروع الى خطة شيطانية , يجب رفضها والاتجار برفضها قبل التعرف على مضامينها ,يجب تصوير هذه المشاريع بأنها معادية للوطن , وتسليط الأضواء على الجهود اللازمة للرفض ,جهود تستنذف مقدرات الوطن بشكل كامل وتؤجج مشاعر العداء وتصعيد الفوضى , ثم القول انها الفوضى الخلاقة التي يجب رفضها , والتي خططت لها الشريرة رايس , وكيف تتمكن رايس من خلق الفوضى من خلال نظرياتها قبل أن يكون لها أي دور سياسي ؟؟ ,ثم أن الفوضى هي الوضع المميز للشرق الأوسط , حتى قبل أن تروج رايس لنظرياتها حول الفوضى !, ولماذا تدعي شعوب من نوعية شعوب الشرق الأوسط رفضها للفوضى ؟ مع العلم ان الفوضى تمثل مرحلية حتمية في كل ثورة او تغيير جذري لوضع معين , هذه هي الفوضى الخلاقة , ثم أن هده الشعوب تعيش في أبشع اشكال الفوضى , فوضى هذه الشعوب مستعصية على العلاج, انها ليست فوضى خلاقة كفوضى رايس , انما هي فوضى “خناقة” وقاتلة ……. ملموسة ومرئية ومحسوسة في كل جوانب حياة هذه الشعوب .
هناك شكل آخر من أشكال التدخل الخارجي , وهو الشكل الذي عايشناه في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا وغيرهم من الدول الفاشلة , والغريب في الأمر هو ان السلطة أوالجهات الأخرى التي ترفض هذا النوع من التدخل ,هي ذات السلطة التي تمارس هذا التدخل وتصر على ممارسته ..ألم تتدخل السلطة السورية في لبنان ؟؟ألم ترسل السلطة العسكر الى الأردن (ايلول الأسود)؟؟ألم تتدخل السلطة في الوضع العراقي الى جانب بوش الأب , ومؤخرا ضد بوش الابن ؟؟ ألم يتدخل العراق في الكويت ! ألم تتدخل مصر في اليمن !َ,والشبهات حول تدخل السلطة السورية في الوضع الليبي لصالح القذافي لاتزال قائمة.. قائمة التدخلات أطول مما ذكر بكثير .
من كل دلك يمكن القول , ان السلطة لاتريد التدخل الاعتيادي فقط , كتدخل الجامعة العربية , ولا تريد التدخل الاستثنائي فقط , كما تدخلت في العراق الى جانب بوش الأب , أنها تريد كلا الشكلين الاعتيادي والاستثنائي ,القول ان’و لكن للتدخل شروط ثم امكانيات وظروف لايمكن لها أن تتوفر في كل زمان ومكان ,أهم هذه الظروف والشروط هي وجود شبه اجماع عالمي على رؤية معينة حول اشكالية معينة , هذه الرؤية توفرت حول ليبيا , ولم تتوفر لحد الآن حول سوريا .
Post Views: 474