الديكتاتوريات والفوضى الخلاقة …..

ربا  منصور  :

دعونا نفكر  بخصوص  هذه المفردة سياسيا  , فالديكتاتوريات  المروجة   لصيغة الاستقرار , هي تلك النظم المتكلسة   , والغير قادرة على  تطوير المجتمع ومواجهة التحديات التنموية التي تواجه الشعوب ,نظم  غير قابلة للتصليح  , نظم فشلت  ,  ولجأت  الى  منهجية فرق تسد  وذلك  كمحاولة للبقاء والاستمرار  , وهذا  ما كرس الانتماءات الفئوية  على حساب الانتماء الوطني  , الديكتاتوريات تحاول  بواسطة منظومة “الاستقرار”  التمويه على انهيار مؤسسات المجتمع المدني  , ومن أجل “الاستقرارتمارس الديكتاتوريات الاضطهاد السياسي  , كما انها تبرر  مهادنة الطائفية اجتماعيا من أجل الاستقرار  وذلك لتحييد  هذه الطوائف.

يختلف مفهوم الاستقرار وعدم الاستقرار من مجتمع لآخر ومن  ديموقراطية الى ديكتاتورية  , ولما كانت الديكتاتورية في كامل أشكالها وصورها لاتعني أقل من  الاغتيال الجماعي للحريات  وانفلات الفساد  وممارسة الظام الاجتماعي  والعنصرية  والفئوية  , وبالتالي  الافقار  والذل  وامتهان كرامة المواطن  , لذا  فان   “الاستقرار” في الديكتاتوريات  يعني   الركود في الحضيض  اقتصاديا  وسياسيا  واجتماعيا , اما في الديموقراطيات  فيعني  الاستقرار   التوضع في مستوى عال   , الاستقرار في الديموقراطية   يمثل الجو المناسب  للتقدم  , بينما يمثل الاستقرار في الديكتاتورية  الجو المناسب  للتعفن  والتفسخ والانحلال.,

بما أنه  أنه لايمكن  قهر واذلال الشعوب  الى الأبد كما  يظن  البعض , لذا لم يكن من الصعب التنبؤ بحدوث حراك انقاذي , كان له أن ينقذ البلاد لو لم تتصدى له الديكتاتورية  محاولة اغتياله , كان للحراك أن يخلق  الحرية والديموقراطية  والعدالة الاجتماعية , والتصدي له  من قبل الديكتاتورية  خلق حالة يمكن  وصفها بالفوضى  , ومن هنا أتى  تعبير  الفوضى الخلاقة (رايتس ,ماخيافيلي) , فالفوضى الخلاقة  هي حالة  يسببها  عناد الديكتاتوريات , ولا علاقة  لرغبة الشعوب  بها أصلا , للشعوب مطالب محقة  والتنكر لهذه المطالب  هو  المسبب  لحالة  يمكن  وصفها مجازا بكلمة “فوضى” , وفي سياق هذه الحالة  يمكن خلق وضع يستقيم مع  مطالب الشعوب (الفوضى الخلاقة ) , والتاريخ  لايعرف في سياق الثورات , ان كانت الفرنسية أوالشيوعية  أو غيرهم !  الا  مرحلة  تتسم بنوع من الفوضى , حيث  يتم بعدها , في معظم الحالات ,ولادة حالة  تتصف  بالمزيد من  الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية .

الفوضى الخلاقة  هي وصف لحالة  وليست املاء لحالة  أو وضع , والفوضى الخلاقة  تمثل التنبؤ  بأوضاع مستقبلية وصيرورة موضوعية  كي  يتم  التعامل  المنتج مع هذه الصيرورات  , انها تصور لما يمكن أن يحدث , هي نوع من التخطيط   لتفادي التخبط  , ليست” تآمر ”  كما تتهمها الديكتاتوريات , التي لاتريد  أي حراك في مستنقعها, والأوضاع في  العديد من الدول العربية أو كل الدول العربية   برهنت  عن اخفاق الشعوب المستمر في أن  تحكم نفسها بنفسها (ديموقراطية) , واخفاق مستمر  للحكومات  في ادارة  عملية   الحداثة  والتقويم  والعصرنة , هناك احتقانات  انفجرت  بشكل ثورات , وهل يمكن في سياق  الصراع بين الثورة  والاستبداد  تفادي نوعا من الفوضى ؟.

الاضطرابات والتمردات والتظاهرات  والثورات هم انواع من عدم الاستقرار السياسي  , وعدم الاستقرار السياسي  هو أمر نسبي   لايخلو منه  مجتمع , وهو  أصلا دليل على وجود  نوع  من الحيوية في هذا المجتمع  , وكم عدم الاستقرار يتناسب طردا مع التناقضات  الموجودة في المجتمع  ,تناقضات تطفو على السطح , وقد يستمر الطفو على السطح عقودا , ففي الجمهورية الفرنسية الثالثة  دام ذلك سبعين عاما , وبالعودة الى الحالة السورية  لايمكن التنبؤ بأن التناقضات التي  تكونت  عن عمد وقصد خلال نصف قرن من الزمن  ستزول بعد نصف عقد من الزمن , ونحن الآن في السنة  الساخنة  العاشرة  بدون أي مؤشر  على قرب النهاية   ,وقبلها  كانت هناك حرب أهلية “باردة” لمدة أربعين سنة , عدم الاستقرار كمؤشر عن  التناقضات  متواجد ليس منذ عام ٢٠١١ وانما منذ عام ١٩٦٣  وبشكل  حاد  منذ عام ١٩٧٠  وبشكل لايطاق منذ عام ٢٠٠٠  .

الفوضى أو عدم الاستقرار  لم يولد  عام ٢٠١١ , وانما قبل ذلك  بالعديد من العقود ,الفوض أو عدم الاستقرار    هو مؤشر على عدم قدرة النظام على التعامل  مع الأزمات التي تواجهه  بنجاح , وعدم  قدرته على ادارة الصراعات , مما دفعه ومنذ البدء, الى استخدام العنف السياسي والعسكري   , والى العبث بالشرعية  واغتيال الفكر والحرية  , ولم تكن   ملابسات  توريث بشار الأسد الا عبثا بالشرعية  , ولم تكن ممارسات بشار الأسد بعد عام ٢٠٠٠ الا اغتيالا للحرية  , ولم  يكن نصف الفرن الماضي  الا مستنقعا نمى به التوحش  والفئوية والعنصرية والطائفية  واغتيال المواطنية  والفساد  وتحويل البلاد الى مزرعة والشعب الى قطيع , وبناء على ذلك فان الانفجار الذي حصل  حتمي , والفوضى بعد الانفجار  أكثر حتمية,  وولادةعهد جديد  في خلال هذه الفوضى ذو حتمية مطلقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *