استحقاقات تقسيم وطن…

ربا  منصور:

        لايمكن القول على ان هناك وضعا سوريا يمكن أن يكون أسوء من الوضع الحالي , لذا فان أي حل سيكون أفضل من الانحلال الذي تقدمه الحالة السورية الآن , وانطلاقا من الآمال المتواضعة جدا بما يخص مستقبل سوريا , يجب بحث كل الاحتمالات وخاصة أكثر هذه الاحتمالات منطقية وقابلية للتحقيق !

  اولا يجب الاعتراف بأن سوريا دولة فاشلة , أو يجب أن تفشل , ذلك لأن عمر هذا الكيان, الذي كان له أن يصبح دولة قصير نسبيا, والجزء الأقصر من عمر هذا الكيان عرف بداية تأسيس     الدولة   , بينما الجزء الأطول من عمر هذا الكيان , أي منذ عام ١٩٥٨ والى هذه اللحظة , لم  يعرف سوى عملية واحدة, وهذه العملية هي عملية تقويض الدولة الناشئة وتهديمها , الى أن وصل   الأمر  الى تدميرها ماديا وسياسيا واجتماعيا , والوسائل التي تم استخدامها في عملية اعادة سوريا الى مجتمع الجماعات والعشائر والطوائف معروفة عند الجميع , ولكن   لابأس  من  ذكر  بعضها  !

عندما كان عمر الدولة ١٢ عاما أي في عمر الأطفال , أتى ناصر وحول الدولة الى مستعمرة مصرية, ثم قضى على البنية السياسية لهذه الدولة, عن طريق حله للأحزاب ومنع نشاطها , أي انه بكلمة أخرى أبعد الوطن عن المواطن , لأنه لاوجود للمواطن الذي لايتفاعل سياسيا مع مجتمعه , هنا يمكن القول على سبيل المثال على أن المسيحي الغير موجود على الخارطة السياسية غير موجود في الوطن , وهذا الأمر ينطبق على كل مكونات المجتمع السوري , التي تم تجريدها من خاصة “المواطنة” , والبلاء لم يتوقف عند ناصر, بل اشتد ضراوة بعد عام ١٩٦٣ , وبلغ قمته في عام ١٩٧٠ , ثم ذروة لايمكن تصور كارثية أفظع من كارثيتها بعد عام ٢٠٠٠ والى الآن.

ففي المجال السياسي سيطر الحزب الواحد والعقل الواحد والديكتاتور الواحد , وقبل الديكتاتور الواحد كانت الطائفة الواحدة , الى أن بلغ الأمر في البلاد حالة لايمكن تصور أسوء منها , لقد برهنت الفاشية السورية الأسدية على أنها لا  تتحمل  الأحياء من  أبناء البلاد ,  لقد  ارادت   الموت   للجميع ,   منهم  من  مات  في  الزنزانة , ومنهم  من  مات  تحت  التعذيب  , ومنهم  من  يموت    بالتدريج  جوعا  ومرضا   , منهم  من   مات  قتلا  , ومنهم  من  ماتت  كرامته   , وكلهم  ماتت  حريتهم ,تعددت الأسباب والموت   واحد .

  لقد تم الاجهاز على المجتمع ضمانا لبقاء مؤسسة الأسد , التي احتوت الدولة واحتوت الحزب وحولت الدولة الى مؤسسة ريعية , والريع ذهب  الى   الجيوب   الأسدية   وجيوب   الزبانية , . هيمنت الأسدية على كل شيئ, من الاعلام الى المنابر الدينية ,وتمت التعبئة لممارسة البطش الغير مسبوق تاريخيا ,أخيرا تم تنصيب الصنم واطلاق اسم سوريا الأسد على الوطن ..اسم  على  مسمى !!

 الولاء للصنم أصبح معيارا للوطنية , لابل تطور الوضع لما هو أسوء , فالأسدية استحضرت وصمة الارهاب وأسست محاكم الارهاب وتنكرت للالتزامات القانونية والضوابط الأخلاقية , التي مهدت الطريق الى تبرير الفتك البربري بكل من لايريد الصلاة على “دوسة” الأسد ومن لايريد تقبيل هذه”الدوسة”

  اما الوضع الاجتماعي فقد أصبح حاضنا للفشل بامتياز , لقد قيد المجتمع السوري ذو التلاحم الهش الى مذبحة التشرذم والانقسام , فالطائفية الكامنة أصبحت ظاهرة, وتحولت الى أساسا      للافتراق  والغربة بين فئات المجتمع , أي أنها ألغت التلاحم  الهش  , هناك العلوي والمسيحي والسني وغيرهم , هدف كل فئة سورية هو الهيمنة على الآخرين, وعواقب رفض هيمنة الأسدية أو هيمنة الفصائل المسلحة هي احراق البلاد وتدميرها بالكامل , وفعلا تم تدمير البلاد  من أجل  مشروع  الهيمنة,

  قادت   الشعارات والممارسات التي تعرفنا عليها في السنين  الثمانية  الأخيرة الى قطع كل صلة تعاونية  تضامنية  بين مكونات  المجتمع  السوري , الذي لم يعد في ظل هذه الشعارات التي تطبق بحذافيرها “ مجتمعا ا” وانما مجموعات  سيطر  بعضها على البعض الآخر باستعمارية وبربرية وعنصرية لامثيل لها في التاريخ , وكيف لاتفشل دولة تطورت بهذا الشكل ؟ , ان الفشل هو استحقاق سوري بامتياز , فالدولة هي أرض وشعب وبقعة من الأرض , فلا  المجتمع  بقي   مجتمعا ,  وانما   انحل   الى   العديد  من  الشعوب  والقبائل  والعشائر والطوائف  والقوميات  والجهويات …   , ولا البقعة بقيت بقعة , وانما تحولت الى عشرات  بل  مئات  البقع , لذا فانه ليس من الغريب القول ,على أن تفكيك سوريا أصبح واقعا لاينقصه الا الاعلان عنه رسميا , انه ليس مؤامرة , وانما تجاهله والتسبب   به  هو المؤامرة ,

  اقتصاديا  تفككت البلاد   بشكل  كارثي  , ٥٪ من السوريين يملكون٩٥٪ من الثروة الوطنية , ومن بين الأقلية المالكة لكل شيئ عائلة الأسد, التي تملك بين رئيس وأخ وأقرباء وأعمام وأخوال وغيرهم أكثر من ١٦٠ مليار دولار(كما  ادعى  تلفيزيون  Arte),  الشيئ  الوحيد الذي  عرف  النمو في سوريا هي ثروة الأسد ,وافقار   الشعب  كنتيجة  , دخل الفرد كقيمة شرائية تدنى الى  أقل  من  العشر , والميزانية االسورية  لاتزال منذ سنين بحجمها المعتاد من ١٦ مليار دولار   وفي  هذه   السنة  انخفضت  الى  ٩مليارات , الميزانية  اسمية  وليست  حقيقية  وعليها   عمليا  تغطية  السرقات ومصاريف الجيش, الذي ينقض على أكثر  ثلاثة  أرباع    الميزانية  ,  البلاد  تحولت  الى  مزرعة  خاصة ,   الاقطاعي  واحد   اما  بقي  من   الشعب  مرابعون  ,يفلحون  ويكدحون   من  أجل   المعلم , الذي تحول   الى  رجل  غابة  راكبا  دبابة .

  ماشاهدناه  من تقتيل وصل الى مئات الألوف, ومن تدمير وصل الى أكثر من ٦٠٪ من البنية   التحتية  السورية, ومن تهجير نصف سكان سوريا على الأقل, ومن افقار ٩٠٪ من الشعب السوري, ومن حرب لاتعرف الا البربرية , ليس الا اعراض للتفكيك الواقعي, الذي يجب الاعتراف به كواقع مهما كان مؤلما , والتعامل معه بايجابية وموضوعية..
 التفكيك والانحلال   الغوغائي  سوف لن يتغير ايجابيا  أو  يتوقف  على المدى   القريب  ,التقسيم الذي لامناص منه هو عبارة عن تنظيم وادارة التشرذم بشكل يقلل من سلبياته ,من ينظر الى يوغوسلافيا والاتحاد   السوفييتي  وغيرهم  من   الدول  , لايمكنه  اعتبار    الوحدة  أمرا  مقدسا ولايمكنه  اعتبار الانفصال   خيانة  ,  فالمشكلة  في  يوغوسلافيا المتوحدة  كانت   أكبر   بكثير  من  مشاكل   الدول  الثلاثة   التي  خلفت  يوغوسلافيا  ,الانفصال   ليس  جريمة ,  انما  العيش     باتحاد  أو  تزاوج   قسري  هو  الجريمة ,  سعي  الأكراد    للانفصال    عن   العروبيين  والبعثيين  والاسلاميين هو  مؤشر   على  فشل   هذه   الفئات  بالدرجة    الأولى ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *