عباس بيضون:
لا نستطيع أن نضع الوطنيات العربية في المقام نفسه، فالأرجح أن هذه الوطنيات نشأت في ظل الصراع مع الاستعمار. وعندما يُسمّى الشخص وطنياً كوسام على نضاله ضد المستعمر، وعندما يطلق عليه الوطني الكبير فلأن الوطنية صفة لها مقياس ومعيار وتعريف بالتالي. الوطني الكبير في هذه الحال هو الذي أمضى جزءاً من حياته في التحريض والتعبئة ضد الاستعمار وربما في القتال الحقيقي، فأشخاص كإبراهيم هنانو وسلطان الأطرش هم الذين واجهوا الاستعمار حتى بالسلاح. كانت صفة الوطنية في يوم مديحاً له معناه ودلالته ويشير فوراً إلى مقابل موصوف، وسقوط فلسطين جعل من الوطنية علماً على السياسة، فلا تقاس السياسة ولا تُقيّم إلا بإزاء هذه النكبة. كانت الوطنية لذلك هي الوقوف ضد الحكومات ما بعد الكولونيالية والتي تمخّضت من الكولونيالية نفسها، وكانت الوطنية هي الصراع ضد الغرب لمسؤوليته عن ضياع فلسطين، وضد الحكومات والجماعات المرتبطة به. هكذا صارت الوطنية هي المسألة، وهكذا صارت الوطنية، وما تستتبعه من استقلال وطني ودولة وجيش للاستقلال، هي المحور، ولم تعُد السياسة تدور حول شيء كما تدور حول الوطنية. أصبحت صفة الوطني والوطنية علماً على أشخاص وحركات وأحزاب متعددة المصادر والايديولوجيات، وأصبحت هكذا مقياساً للفرز والتصنيف، فالوطنية مأثرة وليس الناس وطنيين إلا باكتسابهم لها. إنها رديف النضال ورديف التصدي، ورديف المواجهة، وهذه صفات لا تجري على الجميع ولا يتساوى فيها الناس ولا تصح عليهم جميعاً. لذا يتمايز فيها الناس ويتفاضلون، ويصح لذلك أن نسمّي أشخاصاً وطنيين ووطنيين كباراً كميزة تلحق بأشخاص ولا تلحق بغيرهم، بدون أن يكون ذلك وصمة أو تهمة.
هكذا يكون للوطنية مقياس هو النضال ضد الغرب وبالطبع ضد إسرائيل، لكن ماذا يكون غير المناضلين، هل نعتبرهم غير وطنيين وهل نصمهم باللاوطنية، رغم أننا لم نفتّش عما وراء قلوبهم ولم نسألهم عن آرائهم. كل ما في الأمر أنهم لم يتفرّغوا للقضية الكبرى ولم يجعلوا منها محور حياتهم ولم يخرجوا إلى النضال العملي. لن نعتبرها بالطبع وصمة، فالوطنية ليست شيئاً يتساوى فيه الجميع، إنها امتياز ومَن لم يحُزْه فليس موصوماً ولا متهماً، لا شيء سوى أنه لم يحز وسام الوطنية ولم يدع الوطني.
لكن مع ذلك تستمر الوطنية على هذا النحو هي جوهر خطابنا السياسي، تتغيّر الظروف وتطرأ مع الوقت قضايا محلية لا تتصل مباشرة بالخارج، قضايا مطلبية وقضايا اقتصادية وقضايا سياسية تتعلّق بنظام الحكم، كما تطرأ حروب أهلية تقسم البلاد وتتواجه فيها أعراق وطوائف وجماعات، فأين تكون الوطنية في كل ذلك، ومن هو الوطني ومَن هو غير الوطني، عندئذ تغدو الوطنية سلاحاً ترفعه جماعة على جماعة وطائفة على طائفة ومنطقة على منطقة، عند ذلك تتولد وطنيات بغير المعنى الأول، إنها وطنيات محلية وبلدية وطوائفية وشعوبية. إنها عصبيات فحسب وهذه يتساوى فيها الجميع بل إن المساواة شرطها، بل إن الكتلة المتراصة بجامعها السلبي الذي هو في الغالب العصبية المواجهة هي الأساس، والتعاضد والاجتماع على الخير والشر هما بوابة هذه النعرة القبلية التي تتلبّس الوطنية.
السؤال يبقى مَن هو الوطني. هل الوطنية امتياز أم مكافأة أم وسام على صدر المناضل. هل الوطنية مسايرة النظام والنعرات، هل هي التغني بجمال الوطن وجيشه ورئيسه، هل هي دعم الفريق الرياضي المحلي، هل هي التوجس من الأجانب وكراهية الغرباء، هل هي العقيدة المتسلسلة التي تعيِّن الغرض والهدف والاستراتيجيا والأعداء والأصدقاء، هل هي مجرد كلمة، صنم لفظي له مكانه في التوتولوجيا والببغاوية. هل هي العصيبة التي تقوم مقام القرابة والرحمية والنسب.
مَن هو الوطني. أليست الوطنية من أكثر مفرداتنا تواتراً، وهي ربما لتكرارها صارت ضبابية وغَلُب جرسها على غرضها. هل هي لغة أو طبقة أو طائفة أو جماعة، هل هي اختصاص بحيث تشمل نخبة وسواها غير وطنيين. هل يحتاج المرء ليكون وطنياً إلى أكثر من الانتساب إلى وطن، ألا يكفي هذا الفعل البسيط ليكون وطنياً وإلا فماذا يكون. هل الوطني بفكره وعقيدته وجماعته، هل للوطنية على هذا النحو مقياس ومعيار. وإلا فمن هو غير الوطني، هل هو غير العميل والجاسوس والمبيع والمرتهَن لبلد آخر. هنا تتضح المسائل ولا تتضح. فثمة حلفاء وثمة أعداء وهذه يتفق عليها الناس ويختلفون وثمة بلدان هي مُثُل في نظر البعض، وفيها صلاح الإنسانية وخيرها، ونماذج للحق والعدل، وهذه أيضاً يتفق عليها الناس ويختلفون، المسألة إذاً ليست هيّنة ولا بديهية وما أسهل الرجوع فيها إلى نقطة الصفر، ورغم ما استهلكناه من ألفاظ الوطني والوطنية. يبقى السؤال معلقاً: ما هي الوطنية ومَن هو الوطني؟
