ما بيطار :
هل هناك في فكر الاسلام السياسي توجهات متطرفة تتميز عن توجهات معتدلة , يمكن التعامل معها في بناء الأوطان الديموقراطية الحديثة , حقيقة لاوجود لفروق جوهرية بين الاسلام السياسي المسمى معتدل , وبين الاسلام السياسي المسمى متطرف!, أريد هنا التأكيد على أن اشكالية التطرف تعود سببيا الى القطعية ومفهوم الايمان والتقديس , وذلك بغض النظر عن نوعية الفكر أو الفكرة , فكل فكر أو فكرة تمثل موقفا محددا لايجوز تعريفه بأنه متطرف أو معتدل , انه موقف فقط , عندما تكون خلفيته قطعية ومقدسة وممثلة للحقيقة المطلقة , عندها يصبح متطرفا مهما كان وكيفما كان ,
بالرغم من ذلك علينا التمعن بالفكر الذي يسترشده الاسلام السياسي بمختلف انواعه وأشكاله وممارساته , يدعى هذا الفكر بالنهج الديني الاسلامي , الذي يتميز بكثرة الثوابت المقدسة القطعية , مقارنة مع فكر آخر متميز بقلة الثوابت أو انعدامها , وبالديناميكية مقارنة مع منهجية الفكر الاسلامي السياسي القطعي , والذي لايقبل التغيير والتطوير , من يتأمل في منهجية الفكر الاسلامي السياسي بمختلف اشكاله , لايجد تباينا اساسيا بين توجهات فئاته , ففي خلفية كل كل توجهات الفئات نجد دينا واحدا , هناك بعض التباينات بما يخص الظواهر الثانوية , مثل مختلف أنواع التقية التي يمارسها الجميع عند الضرورة وبأشكال مختلفة.
الاستراتيجية واحدة ,هي الوصول الى الحكم , والتكتيك قد يكون مختلفا أو متباينا , كتكتيك التمكن أو الانقلاب او المشاركة في انتخابات لمرة واحدة , حيث يعود الاسلام السياسي بعد الصعود الى كرسي الحكم الى جوهره المتمثل باعتماد حاكمية الله , الذي يختار الحاكم المناسب له , ليحكم الشعوب بشريعته التي انزلها على رسله , موقف الاسلام السياسي أممي ومؤسس على الولاء والبراء , انه مفهوم الأمة اللاغية للحدود الجغرافية بين الدول , والغير معترفة بمنظومة الأوطان ومنظومة التعددية , التي يريد الاسلام السياسي الغائها بطرق مختلفة , منها الاسلمة تحت اسم مستعار هو التعريب أو العربنة , كل ذلك يندرج تحت شعار الضرورات تبيح المحظورات , ومن المحظورات انتخاب الحاكم من قبل الشعب وليس من قبل الله. ,
ولنأخذ على سبيل المثال أمر السلف الصالح, انه واحد عند جميع انواع الاسلام السياسي , لافرق بين مايسمى معتدل وبين مايسمى متطرف , كلهم يرون بالسلف قدوة , وكلهم يجدون طرق حياة السلف صالحة للقرن الحادي والعشرين , وكلهم يجهلون المتاهة التاريخية والفكرية التي يقعون بها من جراء ذلك , اذ أن زرع منهجية السلف في العصر الحالي لايسمح بالسلم في العلاقات الاجتماعية , انه خلط بين تشويه الدين وتشويه الفكر , بين اجهاض الدين واجهاض الفكر , هنا يولد من هذا الرحم مايسمى “التكفير” نتيجة للصدام بين الطاعة التي يريدها الدين , وبين القناعة , التي لايملكها الانسان العقلاني , اسلام القرن الحادي والعشرين الطبيعي هو المختلف عن اسلام البدايات , واسلام البدايات في القرن الحادي والعشرين هو اسلام غير طبيعي , الدين الجديد هو الطبيعي المنسجم مع طبيعة العصر الجديدة ,الدين الغير متجدد هو اللاطبيعي , هو البدعة والزندقة في هذا العصر , ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة هو جنون في هذا العصر , الشعور بالعصمة عن الخطأ هو مرض عقلي – نفسي في هذا العصر, فكرة حكم أموات الأمس لأحياء هذا العصر هو دلالة على وجود الخلل الذهني القاتل , وبالرغم من كل ذلك نجد من يروج للسلف الصالح وأساليبه في هذا العصر , غير آبه بالواقع , الذي يبرهن كل لحظة بأن السلفية ليست صالحة خاصة لهذا العصر , وبأنها عدمية ستقود الى الخراب والى انعدام السلم الاجتماعي ,والمنهزم ستكون السلفية ,
ركب الاسلام السياسي موجة الاعتراض على البؤس والفقر والجهل والاضطهاد , الذي تعاني منه الشعوب , في محاولة للتمويه على كون الاسلام السياسي أحد أول وأهم مسببات الفقر والجهل والاضطهاد , كذب الاسلام السياسي على نفسه وعلى الغير وصدق كذبته ,لم يهتم الاسلام السياسي بالسؤال عن امكانياته في تقديم حلول لمشاكل الفقر والجهل والاضهاد , لاعتقاده بأنه على صواب مهما فعل, لكونه يفعل باسم الدين , والدين صواب …. , من أجل حل كل المشاكل قدم الاسلام السياسي شعارا واحد هو “الاسلام هو الحل ” , لذلك علينا السير وراء الاسلام السياسي لأنه الحل …. كيف ؟ , لانعرف كيف يمكن أن يكون الاسلام الحل , هل الحل سيكون من خلال ماينصح به مبدأ عدم ” التشبه بالكفار” المشتق من شعار الاسلام هو الحل , واذا كان طريق الكفار ضال فما هي معالم طريق الاسلام السياسي للحل الخلاصي ؟
أشعر بأن الاسلام السياسي يعتمد في مسعاه الخلاصي على مبدأ “وداويها بالتي هي الداء ” فالاسلام السياسي هو مرض معيق وممثل للتخلف الفكري ولضمور العقلانية وانعدام الأفق الأمامي , أفقه ورائي ومرتبط بالعنف والجريمة والعنصرية والتنكر للتعددية ,لا أجد ضرورة للاسهاب في توصيف الاسلام السياسي , هنا يكفي القاء نظرة عابرة على هدا الاسلام السياسي وعلى مشايخه ومؤسساته في السعودية وأفغانستان وصوماليا وسوريا ومصر وايران والعراق وغيرهم , الخراب يحل اينما حل الاسلام السياسي .
