قراءة في كتاب: أكراد سورية١/٧      التاريخ – الديموغرافيا السياسة

احمد العربي:

مهند الكاطع كاتب سوري متميز ومنتمي للثورة السورية، هذا الكتاب الأول الذي أقرأه له. الكتاب يتناول موضوعا مهما جدا على مستوى الحدث السوري المعاش؛ الثورة السورية وتداعياتها، وفعل النظام السوري المستبد الوحشي، والنتائج الكارثية المنعكسة على الشعب السوري، من قتل واعتقال وتهجير وتدمير، يضاف له التدخلات الخارجية التي وصلت الى درجة احتلال سورية، وكان من تداعياتها، استخدام الورقة الكردية في سورية ليلعب بها النظام والقوى الدولية وخاصة أمريكا. لتستخدم من أجل أهداف متنوعة.

واقع الحال الآن هو سيطرة فصيل كردي تابع لحزب العمال الكردي على جزء كبير من سورية برعاية امريكية، ولديه نزعات انفصالية، ويقوم بأدوار تغيير ديمغرافي وإساءة مجتمعية للسوريين العرب والأكراد وبقية المكونات..الخ.

لكل ذلك كان هذا الكتاب مهما جدا في تنوير واقع الأكراد تاريخيا والآن.

  • التقديم:

يبدأ الكتاب في مقدمة مكثفة ومركزة، عن الربيع السوري، والثورة السورية وواقع مواجهة النظام من قبل ممثلي الثورة. وكيف طرح الأكراد السوريين أنفسهم؛ سواء من التحق بركب النظام حزب العمال الكردستاني، او من التحق بركب ممثلي الثورة الائتلاف وغيره مثل المجلس الوطني الكردي، وتحول التوجهات الكردية لأن تتحرك وفق اجندات قومية وبعضها انفصالية، وكيف تم استخدامها لتكون جزء من اجندة قوى دولية واقليمية… لكل ذلك كان هذا الكتاب مطلوبا أن يتناول الأكراد السوريين.

  • مدخل تاريخي: الأكراد وكردستان.

(الجذور – الجغرافيا – الإثنوغرافيا)

  • الأكراد تاريخيا وانثروبولوجيا.

توقف الكاتب عند واقع التشكيل الحديث للكيانات القومية بعد إسقاط السلطنة العثمانية، تحدث عن معاهدة سيفر عام ١٩٢٠م التي أشارت في بعض بنودها عن حكم ذاتي في المناطق الكردية. ثم إلغاء هذه البنود في معاهدة لوزان عام ١٩٢٣م. وتشكلت الدول وقتها دون أي حصة بدولة كردية في أوائل القرن الماضي.

رجع الكاتب الى الكثير من المراجع التاريخية التي أكدت أن الأصول التاريخية للأكراد أوروبي ايراني. وهناك مراجع في العصور الوسطى أعادت الأكراد لأصول عربية. وكمثال على ذلك يعتز الخزنويين في الجزيرة السورية بأصلهم العربي الهاشمي المنسوب لرسول الله محمد ص. وبعض المراجع تعتبر أصولهم من بادية فارس.

  • الأحلاف القبلية والتداخلات الانثربولوجية.

اشار الكاتب أن البعض تحدث عن أصول مختلطة عربية كردية في هذه القبائل، وأوضح أن ما حصل ما قبل العصر الحديث هو أحلاف قبائلية عربية كردية، كان تشكيلها لأسباب مصلحية حياتية مباشرة . وأن هذه التحالفات انتهت بالعودة كل الى أصله العربي او الكردي في العصر الحديث، وذلك لتبلور القوميات واختلاف المصالح.

  • الأكراد، الكرد، جدلية المصطلح.

يؤكد الكاتب ان مصادر القرون الوسطى كانت تشير إلى مصطلح الأكراد بوصفها تعبيراً عن نمط البداوة المرتبط بالحالة القبائلية، وتداولها الأكراد حديثا تعبيرا عن نزعة قومية مشروعة عندهم.

  • الموطن الأصلي للأكراد وظهور مصطلح كردستان.

يرجع اصل الأكراد في موطنهم الأصلي الى اقليم الجبال في ايران. وكانوا شبه محاصرين في هذا الحيز الجبلي الممتد بين ايران والعراق وأذربيحان. حيث اعتبر الأكراد سكان الجبال كما اعتبر العرب سكان السهول والصحاري.  وأن مجيء الإسلام واعتناقهم له أعطاهم الفرصة ليتمدّدوا بالسهول المجاورة للجبال حيث عاشوا، فوصلوا في عصر العباسيين الى ديار بكر وبعض بلدات الجزيرة  الفراتية الأخرى .

ظهرت تسمية كردستان (بلاد الكرد) في آخر عهد السلاجقة في القرن الثاني عشر الميلادي. وهناك مشكلة أن التسمية التاريخية لكردستان غير متطابقة دوماً مع مناطق توزعهم. حيث كانوا متجاورين مع تركمان وشركس وأرمن والعرب في ذات الحيز الجغرافي ذاته.

كما ذكر الكاتب أن كردستان كمفهوم جيبوليتيكي سياسي لم يتجسد تاريخيا ولم يشكل للأكراد دولتهم في أي فترة تاريخية سابقة.

كما اكد أنه لم يتم الفصل في النظريات الأنثروبولوجية المتعلقة بأصول الأكراد ولم يستطيع الأكراد تفسير الاختلاف اللغوي الكبير بينهم.

كما ذكر أن كردستان في العصر العثماني كانت تعبيرا عن تسمية “ايالة” كردستان كولاية عثمانية التي كانت تتبدل حدودها باستمرار. والأكراد أعادوا استعمال تعبير كردستان بمفهومه القومي في الوقت الحاضر.

  • اثنوغرافيا الأكراد:

دراسة ثقافة وحياة الأكراد.

على مستوى التركيبة الإجتماعي للأكراد، أكد الكاتب على تنوع المجتمع القبائلي لهم. كما أن هناك اختلاف في السحنة . وكثير من الأكراد على مستوى القبيلة الواحدة لا تجمعها وحدة النسب بل تكون تسميتها بدلالة الحيز الجغرافي التي تعيش فيه . ينقسمون كبنى اجتماعية إلى أغوات وعوام، عاشوا صراعات بينية كبيرة وكثيرة ممتدة عبر تاريخهم. الإنتماء القبلي العشائري هو الأهم عند الأكراد. القيادة تاريخيا  للآغوات وأحفادهم الآن. نموذج ذلك البرزانية والطالبانية.

كذلك يقسم الأكراد على مستوى المعيشة ونمط الحياة إلى الرعاة للقيادة والقتال، والزرّاع يزرعون ويربون الحيوان. وهم العامّة. غير مرتبطين بروابط النسب. والصراع بينهم كبير ودائم. لكن في العصر الحديث بدأ الأكراد بالاستقرار بالمدن والنزول الى السهول وبداية العمل بالزراعة وغيرها.

حتى الأزياء تختلف بين الأكراد من منطقة لمنطقة . وكانت الحياة الإقتصادية للكرد تعتمد على العمل الزراعي والرعي، كما كانوا جزء من جند الحكام على تنوعهم في التاريخ. فكانوا مع العثمانيين الترك. وبعضهم مع الصفويين الفرس حسب مناطق تواجدهم وسيطرة الحكم عندهم. كان لهم فرقة خاصة في جيش عبد الحميد العثماني. كما لم يهتم الأكراد بالتجارة في أعمالهم الاقتصادية.

  • الدين عند الأكراد.

ذكر الكاتب أن أغلب الأكراد مسلمين سنة على المذهب الشافعي. كما ينتشر بينهم التصوف،  خاصة الطريقة النقشبندية والقادرية. اغلب شيوخهم طالبانية أو برزانية من الأغوات. قليلون منهم شيعة يسمون “الفيلية”. يسمون هؤلاء الأكراد الشيعة “اللور” في جبال زاغروس وايران .تم التأكيد على أن الأكراد الشيعة لم يشاركوا في الحركة القومية الكردية، بعضهم قاتل ضدها في العراق كمثال.

كما يوجد فئة قليلة من العلويون “العلي إلهية” بين الأكراد، وهم من القزلباش في تركيا يرجعون الى اسماعيل الصفوي الفارسي، خليط من تشيّع وتصوف، يؤمنون بألوهية علي بن ابي طالب. كما اكد الكاتب أن العلويين الأكراد أقرب للعلوين الأتراك منهم الى القوميين الأكراد. وأن السنة والعلويين الأكراد في حالة صراع. حيث التحق العلويون الأكراد باليسار في تركيا في مواجهة الأكراد السنة الذين التحقوا بالتيار الإسلامي.

وهناك أيضا جماعة أهل الحق “الكاكائية” الآخية، وهم أقرب للعلويين، يعتقدون أن القرآن الكريم من كتابة محمد ص.

وهناك ايضا اليزيدية، وهم اقلية، مجوس اسلموا، يؤمنون بالوهية يزيد بن معاوية بن ابي سفيان. يعبدون الشيطان، يستقر أغلبهم في شيحان في العراق، اضطهدوا تاريخيا بسبب اعتقاداتهم.

  • اللغات واللهجات الكردية.

اكد الكاتب على غياب لغة كردية واحدة معتمدة وممارسة بينهم. وهذا يصعّب عليهم بناء هوية قومية لهم. إنهم يتكلمون لهجات كردية مختلفة و متمايزة الى درجة اعتبارها لغات كردية وليست لهجات. حاولوا بداية القرن العشرين ضبطها بقواعد لغوية واحدة ولم ينجحوا. بعضهم أخذ بالحرف اللاتيني وبعضهم أخذ بالحرف العربي. وأعاد الكاتب ضعف اللغة الكردية وغيرها من لغات العالم مثل التركية والفارسية.. الخ الى تغلغل المصطلحات العربية فيها، وذلك عائد لحضور الإسلام ولغة القرآن العربية عندهم لقرون طويلة. وأكد أن ربع المصطلحات الكردية عربية.

كما حدد الكاتب أسباب ضعف اللغة الكردية وهي :

١ – تاريخية: حيث عيش الأكراد على شكل قبائل رعوية منعزلة عن بعضها. كما كان إلتحاق الأكراد في الجيوش المهيمنة تاريخيا في مناطقهم. جعلهم يذوبون في الآخرين ويتجاوزون لغتهم.

٢- الهجرات الجماعية لهم واحتفاظهم بتراثهم الشفوي واختلاطهم بالغير خاصة العرب بلغتهم المكتوبة.

٣- توزع الأكراد بين دول مختلفة بلغاتها.

٤- ضغط الدول التي يسكنون فيها لدفعهم تعلم لغاتها. مثل التعريب والتتريك.

٥- غياب ذاكرة جمعية الى لغة قومية كردية واحدة لهم.

٦- عدم قدرة محاولات التقعيد اللغوية على توحيدهم اللغوي للآن.

٧- غياب السلطة السياسية الواحدة الضابطة لتثبيت لغة موحدة على الأكراد كلهم.

كما ذكر الكاتب أن لغة أكراد سورية هي الكرمانجية في شمال سورية في عين العرب وعفرين والجزيرة. أما الأكراد المنتشرين في الداخل السوري، فإنهم يتكلمون اللغة العربية بينهم ومع بقية السوريين.

  • الهوية/ الهويات الكردية:

في الرجوع لموضوع الهوية الكردية تاريخيا، فقد اعتبر تعبير الكرد في اللغة الفارسية يدل على حياة رعوية قبلية،. وعند العرب تعبير عن الشجاع وقاطع الطريق. أما هم فيرون أنفسهم شجعان ومسالمين ويريدون هوية قومية جامعة.

كما ذكر الكاتب اختلاف الأكراد بين بعضهم في الماضي والحاضر حسب مناطق تواجدهم.

واكد على ان القوميين الأكراد حريصين على التنصل من الإسلام؛ خاصة بعد ما ذاقوا من ويلات على يد داعش خاصة الأيزيديين منهم، والتحاقهم بـ اليسار الماركسي السياسي.

  • الحركة القومية الكردية في العصر الحديث.
  • نشأة المسألة الكردية:

كان للمتغيرات التي حدثت في بدايات القرن العشرين بعد هزيمة الدولة العثمانية أواخر الحرب العالمية الاولى، والتي كان نتيجتها تقاسم التركة العثمانية بين المنتصرين الاوروبيين وعلى رأسهم انكلترا وفرنسا، حيث كانت قد توزعت فيما بينها تلك التركة. ووصلت إلى العمق التركي حيث كانت معاهدة سيفر عام ١٩٢٠م التي حصلت بين الدولة العثمانية المهزومة والدول الأوروبية المذكورة. قد ثبتت لأول مرة في بنود المعاهدة (٦٢-٦٣-٦٤) وجود قضية قومية كردية وتحدثت عن حقوقهم بالحكم الذاتي في مناطق تواجدهم، التي حددت بشكل واضح وصريح شمال الحدود السورية التي كانت وفق معاهدة سيفر تشمل كل من جزيرة ابن عمر وماردين واورفا وعينتاب وبيره جك وكيليكيا والاسكندرونة. وبذلك أعطت سيفر الأكراد حق طلب تشكيل دولتهم بعد سنة إذا رأت الدول المشرفة على المنطقة بأنهم قادرين على ذلك. لكن ذلك لم يستمر حيث كان لسيطرة أتاتورك على السلطة في تركيا واعادة التفاوض مع الفرنسيين والإنكليز، في مؤتمر لوندرة عام ١٩٢١م وبعده معاهدة لوزان عام ١٩٢٣م التي لم تذكر القضية الكردية. والتي اعتبرها اتاتورك قضية تركية داخلية، وأن الأكراد في تركيا هم مواطنين أتراك، متساوين مع كل المواطنين. ولم يعد اي وصاية للغرب لمتابعة قضية الأكراد كما هو الحال حول الآشوريين وأقليات أخرى. هكذا أغلق اتاتورك امام الأكراد في تركيا أي أفق في البحث عن هوية قومية تتوج بدولة كردية داخل تركيا. سنرى أن النشاط الكردي قد انتقل الى شمال العراق، وبعد الثورة السورية عمل لحكم ذاتي على يد الـ PYD امتداد حزب العمال الكردستاني التركي في شمال شرق سورية.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *