تفكيك “كره النساء” في الفقه الإسلامي..

ريتا  فرح :

باتت النساء اليوم، بعد “نضال فكري” واجتماعي مديد، ونتيجة التطورات والتحولات التي عرفتها المجتمعات المعاصرة؛ في معترك الحركة الاجتهادية والتأويلية المرتبطة بمواقعهن وأدوارهن في إعادة تأسيس الرؤى تجاههن في الديانات الإبراهيمية. وعلى أهمية الإقرار بالتفاوت التاريخي النسبي، في انطلاق حركة الوعي النسوي النقدي للبنى البطريركية التي قامت عليها التفسيرات التقليدية، إلاّ أن القراءة الهادئة أو الاسترجاعية، تبرهن على الحضور المبكِّر للمرأة في أبواب المعرفة الدينية.

تؤكد المصادر الإسلامية؛ خصوصاً كتب التراجم والطبقات، فاعلية المسلمات في “دينامية الوحي القرآني”، ونشاطهن في المدونة التراثية: الحديث والفقه والتصوف والفتوى. لقد لاحظنا في دراسة لنا حملت عنوان “النساء والفقه: الفقيهات المنسيات في تاريخ الإسلام” وجود (25) فقيهة [فقيهات] بين القرنين السابع والسابع عشر الميلادي، بدءاً من عائشة بنت أبي بكر (ت 58 هـــ) وهُجيمة بنت حيّي الأوصابية الحميرية الدمشقية (ت 82 ه) وأمة الواحد بنت الحسين بن إسماعيل المحاملي (ت 377 ه ) وصولاً إلى قريش بنت عبدالقادر الطبرية المكية (ت 1107 ه).

لا يسعفنا التاريخ الإسلامي في البرهنة على إرهاص نسوي ديني اجتهادي مكتوب في الحقبة المبكرّة. ثمة إشارات أولية، تحتاج إلى مزيدٍ من البحث العلمي لسد الفراغ في هذا الحقل. يأتي هذا الجهد في إطار متابعة الدراسات حول تفاعل النساء مع الدين، فهماً وتأويلاً، وتحضر في هذه المقالة نظيرة زين الدين (1908- 1976) التي طالبت بحق المرأة بالاجتهاد، وكانت رائدة في دعوتها هذه؛ إذ سبقت المنضويات في الحركة النسوية الإسلامية (Islamic feminism) التي تبرز فيها: آمنة ودود وأسماء برلاس ورفعت حسن وغيرهن، فهي أول امرأة قدمت تفسيراً منهجياً نسائياً للقرآن؛ ونادت بـــ “المساواة القرآنية” بين الجنسين، فدرست هذه القضية الحيوية في كتابها “السفور والحجاب” الذي أثار عند صدوره عام 1928 ردود أفعال من قبل رجال دين مسلمين بسبب ما تضمنه.

  النشأة في ظل أب حضاري

“نشأت نظيرة زين الدين في ظل أب حضاري، هو سعيد بك زين الدين أحد أعلام القضاء في لبنان، وأول رئيس لمحكمة الاستئناف في بيروت، الذي اشتهر عام 1918 بفتح محاكمة جمال باشا ومساعديه. تلقت دروسها الأولى مع أختها منيرة على يد معلمة خاصة كانت تتقن العربية والإنجليزية، وبعدها دخلت “مدرسة راهبات مار يوسف” في بيروت، ثم انتقلت إلى “مدرسة راهبات دير الناصرة” عام 1920، وتخرجت من المدرسة عام 1926. تقدمت بعدها إلى الجامعة الأميركية في بيروت عام 1927 لكنها لم تستطع متابعة المرحلة الثانوية، فالتحقت بالكلية العلمانية الفرنسية لتكمل دراستها. وفي عام 1928 تقدمت لامتحان البكالوريا الفرع العلمي، وكانت من الفتيات الأوائل في العالم العربي من اللواتي حصلن على هذه الشهادة.  في العام نفسه طلب منها تقي الدين الصلح (1908-1988) (رئيس وزراء لبنان بين عامي 1973-1974)  إلقاء محاضرة في “الجمعية الأدبية العربية”، التي كان يرأسها في المدرسة، فاختارت موضوعها “لماذا فضلت السفور على الحجاب” ولكنها اشترطت كون المحاضرة تدعو إلى السفور وطرح الحجاب، أن تسبقها تظاهرة “سفورية” وكان لها ما أرادت، فدخلت كل السيدات والآنسات سافرات إلى قاعة المحاضرات. نشطت نظيرة في أوساط الحركات النسوية في بيروت وهي لا تزال طالبة. أصدرت كتابين: “السفور والحجاب” و”الفتاة والشيوخ” (1929)؛ والأخير وضعته رداً على مهاجمي كتابها الأول وعلى رأسهم الشيخ مصطفى الغلاييني صاحب “نظرات في كتاب السفور والحجاب””. (انظر: الجوهري، عايدة: رمزية الحجاب مفاهيم ودلالات، مركز دراسات الوحدة، العربية بيروت، الطبعة الأولى، 2007، ص 60 وما بعدها).

أتاح المحيط العائلي الليبرالي الذي تربت فيه زين الدين؛ لا سيما حواراتها الثقافية مع والدها، المجال أمامها لنمو حسها النقدي تجاه التقاليد الاجتماعية والدينية التي تقف حائلاً دون تقدم النساء. تورد الكاتبة الأميركية ميريام كوك (Miriam Cooke) ملاحظة هامة في كتابها ” Nazira Zeineddine: A Pioneer of Islamic Feminism ” (نظيرة زين الدين.. رائدة النسوية الإسلامية)  أن نظيرة مدينة للأب، والأسرة، ولجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين، ولمعتقدها الدرزي الذي يُعلي سلطة العقل ويحترم المرأة.

السفور والحجاب وأحقية النساء في الاجتهاد

أطلق كتاب زين الدين “السفور والحجاب” النداء النقدي النسوي الداعي إلى تحرير النساء من ثقل الموروث الفقهي؛ فهي أول كاتبة عربية في التاريخ المعاصر تقدم أفكاراً وقضايا في نقد القراءة التراثية الفقهية للمسائل المتعلقة بأدوار النساء وأحوالهن في الإسلام، خصوصاً أن الكاتبات العربيات قبلها ركزن في خطابهن وكتاباتهن على أمور التعليم  والحقوق السياسية ومسائل أخرى، من خلال السير الذاتية أو المقالات أو الأعمال الأدبية.

أثار الكتاب عند صدوره شهية المشككين، “وقد مثّل صغر سنّ كاتبته حجة أمام رجال الدين الذين وقفوا بوجهها وشككوا فيها. ما يزال هذا التشكيك قائماً إلى اليوم، حيث هناك رأي يعتقد، بأن عدداً من الإرساليات كتب لها الكتاب، واستند هؤلاء إلى رسالة بعثتها لاحقاً إلى المندوب السامي في بيروت لاتهامها بالتبعية للاستعمار. بالإضافة إلى نظرية أخرى روّجت أن والدها، هو المؤلف الحقيقي، لا سيما أن الكتاب زاخر في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية” ( راجع: سليم، جوي، بيروت تستعيد نظيرة زين الدين… رائدة النسوية الإسلامية، الأخبار اللبنانية، الجمعة 22 فبراير/ شباط 2019).

بعيداً من أقوال المشككين، امتلكت زين الدين وعياً واضحاً في قضيتين رئيستين، تحضران إلى الآن في النقاشات النسوية في العالمين العربي والإسلامي: الأولى، خلع الحجاب بوصفه رمزاً دينياً قهرياً؛  والثاني، حق النساء في تأويل النصوص الدينية؛ أي الاجتهاد في قراءة القرآن.

تأتي أهمية زين الدين من خوضها لأخطر القضايا التي تخصّ المرأة المسلمة في ذلك الوقت مثل: تعدد الزوجات والحجاب والقوامة والحق في الاجتهاد. كان دافعها لوضع كتابها “السفور والحجاب” “ما حدث في دمشق عام 1927، حين تدخل رجال الدين وبعض المحافظين لتمنع الحكومة النساء من الخروج دون نقاب الوجه، فرأت أن حجز حرية المرأة بهذا الشكل مناقض للإسلام، فانبرت تدافع عن حرية المرأة ومكانتها في الإسلام، مستندة إلى آيات من القرآن الكريم والسنة النبوية”. (انظر: النساء العربيات في العشرينيات حضوراً وهوية، مجموعة باحثين، مركز دراسات الوحدة العربية، تجمع الباحثات اللبنانيات، بيروت، الطبعة الأولى، 2010، ص 240).

في سبيل دحض الأفكار الخاطئة القائلة بدونية المرأة، لجأت زين الدين إلى التعاليم الدينية المرتبطة بمفهوم الخلق الإلهي في القرآن، وانطلقت من مبدأ “أن لا معرف لعقل المرأة أصدق من كتاب الله جلّ جلاله، العلم السرمدي الذي خلقها والرجل من روح واحدة، وساوى بينهما في العقل ليعقلا آياته ويتدبراها ويعرفا محللاتها ومحرماتها”.

رأت نظيرة أنه من غير المعقول أن يكون النبي قد اعتبر النساء “ناقصات العقل والدين” وقد ورد في القرآن {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}. وخلافاً لذوي التأويل الايجابي للآية القرآنية التي يقوم عليها نظام تعدد الزوجات والمرتكز على تفضيل الواحدة { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } (سورة النساء، الآية 3)؛ خلصت إلى أن هذه الآية جاءت لوضع حدٍّ لعادات الجاهلية التي كانت تستبيح النساء؛ أي إن مبدأ تعدد الزوجات جاء كرد فعل على استضعاف الرجل النساء لشيوع الاسترقاق والاستعباد آنذاك واشتماله الجنسين لا النساء فحسب. وتعتبر نظيرة أن التشريعات المتعلقة بالتعدد آنية وجاءت تكيفاً مع واقع يتعذر تجاوزه.

قدمت زين الدين اجتهاداً جديداً بشأن عدم قبول شهادة المرأة الأحادية، فالشهادة تكليف وإحراج، والله أراد أن يطمئن قلب الرجل ويخفف عن المرأة في ذلك التكليف في وقت واحد، وإلاّ لمّا تساوت شهادة المرأة بشهادة الرجل الأجنبي. رأت أن المهر والنفقة ونفقة أولاد المرأة، تعادل ما نقص من إرثها ويزيد، أي أن الله أراد إنصافها ومساواتها في الميراث.

أثارت الكاتبة موضوع الطلاق خلال سجالاتها مع معارضي خلع الحجاب الذين كانوا يبررونه آنذاك حفاظاً على البنى القائمة، وخوفاً من أي تعديل يطرأ على طبيعة علاقات القوة السائدة، وعلى دور المرأة في العائلة. جاء نقدها لتعسف الرجل باستعمال حق الطلاق رداً على الشيخ محمد سعيد البغدادي الذي اعتبر “أن سبب الفراق هو سوء أخلاق النساء؛ وأن الرجل بعدما بذل المال، وتحمل الأثقال، فقد صارت المرأة كالأسيرة تحت حكمه برضاها”، فترد زين الدين عليه ببطلان حصر مسؤولية الفتنة والعار بالمرأة، وأن الرجل والمرأة يحتاجان معاً، وفق هذا المنطق إلى امتلاك أدوات التأديب والردع نفسها، مبديةً امتعاضها من التعسف في استخدام حق الطلاق، كما من تداعيات الطلاق نفسه، فتحاجه قائلة: ” ويلوح ليّ يا حضرة المرشد أنك أخطأت في تأويل الحكمة، لأنه لو كان القصد من إعطاء الزوج حق الطلاق، ردع الزوجة عن مباشرة الرديئة وفعل الخزية، لقضت الحكمة نفسها أن تعطى الزوجة مثل هذا الحق، ردعاً للزوج من مباشرة الرديئة، وفعل الخزية“. لكن زين الدين لا تطالب بإعطاء المرأة حق طلب الطلاق، وتكتفي بوضع حد للطلاق التعسفي من قبل الرجل”. (انظر: الجوهري، عايدة: رمزية الحجاب، م.س، ص 127 وما بعدها، انظر أيضاً، زين الدين، نظيرة: السفور والحجاب، محاضرات ونظرات مرماها تحرير المرأة والتجدد الاجتماعي في العالم الإسلامي،  دار المدى، دمشق، الطبعة الثانية، 1998، ص 218).

طالبت زين الدين بـــ “حق المرأة في الاجتهاد”؛ فكانت السبّاقة على الحركة النسوية الإسلامية. خلصت إلى أن ” احتكار الرجال للاجتهاد والتشريع يعني أنهم جعلوا أنفسهم وسطاء بين الله والنساء، وأنهم أنكروا عليهن نعمة العقل، وتالياً خالفوا ما أوحى به القرآن الكريم، حيث هنّ مخاطبات ومكلفات، فإذا أخطأ الرجال في التعقل والتفسير واتبعت النساء أقوالهم، فهن يتحملن تبعات هذه الأخطاء، وبالمنطق نفسه تصبحن مسؤولات دينياً عن التفسير والتأويل، عدا أن إقصاءهن عن الاجتهاد والتشريع، أي عن الحكم، يؤول إلى “تجنيس العقل” – أي إعطائه طابعاً ذكورياً، بمعنى أن الرجال وحدهم دون النساء بإمكانهم التفكر والتأويل واستخدام العقل في تدبير شؤون الدين والحياة- وهذا مخالف لروح الإسلام وجوهره. وحول مفهوم القوامة التي يفسرها بعض الفقهاء بالسلطة المطلقة على النساء، وجهّت زين الدين نقداً للقائلين بـ “الولاية المطلقة” فــــ”الولاية ليست مطلقة، بل مقيّدة بمصلحة من عليه الولاية، وليس من مصلحة المرأة أن يحرمها رجلها، في مقابل إنفاقه، حرية هي لها منحة من الله في شرعه، مستبداً بها كما يهوى، فقد جاء في الإنجيل ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بمعنى أنه يحتاج إلى الحرية لإحياء روحه، كما يحتاج إلى الخبز لإحياء جسده. وتستشهد زين الدين بمجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لهذه الغاية، منها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ } (سورة النساء، الآية 135) و ” أَحْسِنُوا إِذَا وُلِّيتُمْ، وَاعْفُوا عَمَّا مَلَكْتُمْ “.  (الجوهري، عايدة: رمزية الحجاب، م.س، ص 176).

رأت زين الدين في الحجاب ظاهرة اجتماعية ناشئة عن استبداد الرجال بالنساء، وقد ناقشت الآراء الفقهية التقليدية التي نظرت إلى المرأة من باب درء فتنة الجسد الأنثوي. لم يطالب القرآن ولا الحديث المسلمات بارتداء الحجاب، فالآيات القرآنية في هذا السياق أربع مجموعات: اثنتان منها موجهتان لزوجات الرسول (الآيات 32_ 33  من سورة الأحزاب) واثنتان إلى نساء المسلمين عامة (الآيتان 30 – 31 من سورة النور والآية 59 من سورة الأحزاب)، وهنا تعرض زين الدين تفسيرات ابن مسعود وابن عباس والطبري، فتجدها مليئة بالتناقضات، ولكن جميعهم يتفقون على أن أحداً لا يستطيع أن يستند في دعواه إلى نص ديني صريح. وإذا كانت النساء سيغطيهن تغطية كاملة فلا حاجة للآية التي تخاطب المسلمين {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (سورة النور/ الآية 30).

في قراءتها لفرض الحجاب على زوجات الرسول، خلصت زين الدين إلى أن لـ “نساء النبي أسباب خاصة تتعلق ببيت النبي وكأنه يخشى أن تقلد المسلمات زوجاته {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} (سورة الأحزاب/ الآية 32) وبهذا يتضح تماماً بأن الله لا يريد من النساء أن يقسن أنفسهن على زوجات الرسول وأن يرتدين الحجاب مثلهن، وليس هناك أي لبس في هذه الآية. ولذلك، فإن اللواتي يقلدن زوجات الرسول ويرتدين الحجاب، إنما يقمن بما لم يأمر به الله. على أن النساء يجب ألا يغطين وجوههن، وكل من يدعي أن على النساء تغطية أجسادهن كلها بما في ذلك وجوههن عليه أن يعيد النظر. ترى زين الدين أن المقصود بـ “إدناء الجلابيب” الواردة في سورة الأحزاب الآية 59 التمييز بين الحرائر والإماء؛ لأن الحرائر كنّ يتعرضن للإيذاء في الشارع لعدم معرفتهن، فقضى التنبيه لذلك، أما وقد تغير النظام الاجتماعي فتطالب المرأة بالحشمة وبحرية ارتداء الفستان المحتشم. (انظر: زين الدين، نظيرة: السفور والحجاب، مرجع سابق، صص 154- 182؛ انظر أيضاً: الجوهري، عايدة: رمزية الحجاب، مرجع سابق، ص 117) .

النسوية الإسلامية… العودة إلى نظيرة زين الدين

أطلقت نظيرة زين الدين “الحركة النسوية الإسلامية”  وتعتبر رائدة لها، وذلك إذا أردنا أن نضع الاجتهاد النسوي الديني ضمن منظور المدة الطويلة للتاريخ؛ فهي أول امرأة وضعت نصاً اجتهادياً يُعنى بقضايا المرأة المسلمة، بدءاً بالحجاب وصولاً إلى تأويل النص الديني.

تسعى النسويات المسلمات كما تبين الكاتبة المصرية مارغو بدران إلى “محورة الإسلام المتجذر في القرآن الذي يقول بالمساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية، وتندّد بأنماط التفكير البطريركية السائدة في المجتمعات الإسلاميّة، التي دخلت إلى الإسلام بعد وقتٍ قصيرٍ على وفاة النبي محمد (ص) وتمّ تدوينهما في المراجع القضائية بدعمٍ من المدارس الفقهيّة. تكمن المبادئ الأساسية للحركة النسوية الإسلامية في العودة إلى أسس المساواة هذه، والتي لا يمكن تحقيقها في إطار نظامٍ ذكوريٍّ بحت (بدران، مارغو: “الحركة النسوية الإسلامية”، لوموند النسخة العربية، تشرين الثاني/ نوفمبر 2006).

لم تتنبه نسويات عدة منضويات في “النسوية الإسلامية”، للأهمية التي يجب أن تحظى بها نظيرة زين الدين، باعتبارها مرجعية نسوية امتلكت الريادة التاريخية في حقل دراسات الإسلام والجندر والهرمينوطيقا (أو التأويلية) النسوية الساعية إلى تأصيل المساواة بين الرجال والنساء في القرآن. خرجت كتب في الغرب أعطتها حقها من بينها كتاب ميريام كوك، الذي أشرنا إليه أعلاه (دون أن نغفل عن جهود الأكاديمية والباحثة اللبنانية عايدة الجوهري)، والتي رأت أن ما فعلته زين الدين كان “تفكيك التحليل الميسوجيني (Misogyny) [أي كره النساء] للنصوص المقدسة في الإسلام“، لذا فهي رائدة لما يسمى في الغرب اليوم بـــ “النقد النسوي“، الذي تعرفه الناقدة النسوية الأميركية آنيت كولودني (Annette Kolodny) بكونه “تأكيد المرأة على حقها المتكافئ والخاص في تحرير مدلولات جديدة من النصوص”.

ليس سهلاً أو عادياً، في التاريخ النسوي الإسلامي ما قدمته نظيرة زين الدين؛ تلك الفتاة التي كانت في العشرين ربيعاً حين نشرت كتابها “السفور والحجاب”، ودخلت في سجال مع رجال دين كان لهم تأثير وقوة وقدرة.

بات من المفيد اليوم، بل من الضروري على الناشطات في الحركة النسوية الإسلامية والنسويات الأخريات، الاهتمام بشكل أكبر بتجربة زين الدين وأفكارها، ليس لأنها رمز للوعي النسوي الناقد للتفسيرات التقليدية للنصوص الدينية الإسلامية فحسب، بل لأنها جزء من “التاريخ المغيَّب”، فقلة في العالمين العربي والإسلامي تدرك أهمية تجربتها وثوريتها في ثلاثنيات القرن المنصرم. ونفترض أن اختفائها عن الفضاء الثقافي والإنتاج التأليفي، بعد صدور “الفتاة والشيوخ”، حدّ من شهرتها؛  فهل شكل الهجوم عليها رادعاً أمامها كي لا تستكمل مشروعها، على الرغم من الدعم الذي حظيت به من والدها وعائلتها؟ ولماذا تختفي كاتبات عن حركة الثقافة إذا جوبهت أفكارهن الثائرة على التقليد؟ وكيف يُفسر الانسحاب النسائي الصامت من عالم الكتابة بعد مواجهة المنظومة الأبوية؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *