الوحدة الميتة…..والطابور الخامس….
سمير صادق :
يدعي بعض العروبيون , بأن الغرب وتآمره أفشل الوحدة السورية المصرية , خوفا من ولادة “عملاق” عربي قد يهدد الشرق والغرب ويقلب الموازين الدولية , .
لا أستطيع هنا الا الادعاء أيضا أن هذا الكلام مجانب للحقيقة , الا أني اعترف بأنه كان هناك في تلك السنين بين عام ١٩٥٦ وعام ١٩٥٨ نوعا من اليقين الشعبي العام , بأن الوضع كان كما زعم العروبيون ..وحدة نتائجها مزيدا من القوة والرخاء … قفزة كبيرة باتجاه القضاء على الضعف والوهن , لذلك فالأمر واضح وما علينا الا تنظيم مسيرات التأييد والترحيب بالوحدة … , لم يكن هناك طوابير متآمرة .. خامس وسادس وسابع , أنما تاييد مطلق , بناء على مشاعر الوحدة الجياشة وعلى التيقن بسحرية يد عبد الناصر المقتدر على كل شيئ .
فشلت الوحدة , وبفشلها بدأ شتم الطابور الخامس والمؤامرة بأقسى الكلمات , الى أن بدأت عملية اقامة الاتحاد الأوروبي , هذه العملية كشفت عن العديد من الحقائق , أولها نجاح تطور الدول الأوروبية باتجاه الاتحاد , وثانيها ذلك التعقيد الهائل المرافق لعملية الاتحاد , وذلك الوقت الطويل الذي تتطلبه عملية الاتحاد , اضافة الى عوامل أخرى سأأتي على ذكرها بشكل موجز جدا , بالنتيجة تيقن العديد من افراد الشعب السوري , بأن الوحدة فاشلة وفشلت ,وأن التعلم من عملية اقامة الاتحاد الأوروبي مفيد وممكن وضروي , ومن المستحيل أو حتى الضار التعلم من تطورات الوحدة السورية ـ المصرية , فمن هذه التجربة لايمكن تعلم سوى الفشل .
لقد كانت الوحدة ممثلا شرعيا للسياسات القاصرة العربية وبالتالي المدمرة , حتى انه من الخطأ تسمية الخطوات التي قادت الى الاندماج بأنها خطوات “سياسية ” لقد كانت تلبية لنزوات شخصية أو فئوية كالبعث وطموحاته , فالسياسة كما هو معلوم هي فن التوصل الى قصى مايمكن من منافع , وقد كان على السياسي الذي يستحق هذا الاسم أن يعرف سلفا على أن موضوع الاندماج غير منتج , وذلك لأن البدء الصحيح كان عكس ذلك ..أولا تكامل وبعدها اندماج .
يقول البعض على أن ضرورة الوحدة تكمن في المشاعر الجياشة والشعور بالهوية المشتركة والمكانة العاطفية للوحدة لدى الانسان العربي , ومن يستند على اعتبارات رومانتيكية من هذا النوع لايستطيع تحقيق الوحدة المادية , أي انشاء دولة واحدة , ذلك لأن الوحدة ليست ضرورة نفسية وجدانية فقط, وانما ضرورة مادية وامكانية مادية تفرض نفسها تلقائيا عند التمكن وعند الضرورة , فقبل اتحاد الدول يجب اقامةهذه الدول , وما نراه من كيانات لايمثل “دولا ” بالمعنى العلمي لهذه المفردة , وأسباب عدم وجود دول واضحة , فالنهب والسرقة والفساد والديكتاتورية والتسلط واغتيال الحريات واللاقانونية لاتؤسس ” دولة ” ,شعوب تتنكص وتتحول الى طوائف وعشائر , جيوش تتنكص وتتحول الى ميليشيات خاصة … عموما اندثر مشروع دولة , ومعه اندثرت وتلاشت “المواطنة”, وذلك لعدم وجود وطن يمكن به ممارستها , المواطنة أصبحت مادة للدجل والتوظيف من أجل الكسب ,أخشى أن تكون سوريا عبارة عن كيان استبدل الاستعمار الخارجي باستعمار داخلي أظلم واعتى من الاستعمار الخارجي , ولطالما سوريا “مستعمرة ” لذلك فانها لاتمثل دولة , ولا يمكن لها أن تتحد مع دولا أخرى .
أصلا انها وحدة شعوب قبل أن تكون وحدة زعامات , ولا يمكن للشعوب أن تتوحد في اطار دولة جديدة , الا من خلال شرعية تمثيل هذه الزعامات للشعوب ,فالزعامات هي التي تنفذ مشروع الوحدة وتضع شروطها ,والزعامات بشكل عام هي زعامات انقلابية قسرية , مصدر السلطة لم يكن الشعب وانما الانقلاب والتزوير والتضليل , فالوحدة هي خطوة عملاقة من الصعب انجاحها الا بتوفر الديموقراطية القطرية في كل قطر يريد انجاز مشروع الوحدة , تسير الدول الأوروبية في طريق التكامل , وكل الدول الأوروبية ديموقراطية أو حققت جزءا كبيرا من المشروع الديموقراطي المتجدد والمتطور باستمرار , نحن هنا نمثل العكس الأوروبي , لذلك هم نجحوا ونحن فشلنا .
لنتصور ما لايمكن تصوره , ولنفترض بأن كل العاالم أراد هذه الوحدة حتى اسرائيل , فهل يمكن لهذه الوحدة أن تتحقق ؟
يؤسفني أن اقول بأنه من المستحيل تحقيق عمل بهذا الحجم العملاق بطرق عملاقة في غوغائيها وارتجالها , وعدم تأهيل الدول المعنية بأمرها لاقامتها , الوحدة تتطلب أكثر بكثير مما كان موجودا ومتوفرا , وحتى أن الشكل الذي تمت به لايصلح لتوحيد بقاليتين , هنا أريد طرح السؤال التالي :الا يعرف الغرب المتآمر هذه الحقيقة ؟, أي حقيقة كون المراهقة السياسيىة عند البكباشي عبد الناصر وبعض ضباط البعث غير قادرة على اقامة وحدة اندماجية بين مصر وسوريا ؟ اعتقد جازما بأن الغرب عرف ذلك تماما , السؤال الثاني : ماهو الموجب لتدخل الغرب التخريبي بخصوص افشال الوحدة ؟ عندما تكون الوحدة برسم الميتة ؟ السؤال الثلث : هل بامكان هذه الوحدة السورية – المصرية تهديد المصلح الغربية ؟؟, ؟ للتنويه الاتحاد الأوروبي يشكل تهديدا ليس فقط لأمريكا وانما لكل العالم (منافسة), فلا امريكا أرادته ولا الشرق أراده , بالرغم من ذلك ولد وتطور باتجاه التكامل , لماذا ؟ لأن الدول الأوروبية مؤهلة للاتحاد , والاتحاد الأوروبي يمثل حماية لمصالح الشعوب الأوروبية والدول الأوروبية , التي لاتتصف بكونها بقاليات.
لو اقتصر الأمر على خيبة الأمل بسبب تجربة وحدوية , كان لها أن تفشل , وفشلت , لهان الأمر نسبيا , فشل هذه الوحدة مثل بداية لشرذمة وتفتت أعمق, والى القضاء على الفكر الوحدوي بشكل شبه مبرم , قضي على تجربة وحدوية , وقضي على التفكير بالوحدة الى أجل غير مسمى .
Post Views: 800