سمير صادق :
نعرف الكثير عن التوبة في الدين من خلال سورة التوبة المؤلفة من ١٢٩ آية ,من أهمهم الآية التي تقول “فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” والتي تلخص بشكل مفجع كيفية التعامل مع الآخرين “الكفرة” والمشركين , اقتلوهم !!, ولكن ان تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة , فاخلوا سبيلهم….. أسلم تسلم !! فالبقاء على قيد الحياة مشروط بثلاثة شروط ,وماذا يمكنني القول حول هذه الحيونة المفترسة , التي تعجز المفردات عن توصيفها .
عندما ينتقل مدرك التوبة من اللغة الدينية الى اللغة والممارسة السياسية , تولد اشكالية أخرى , فالتوبة الدينية تمثل شكلا منحطا من أشكال تعامل الخالق مع خلقه …اما القتل أو التوبة وملحقاتها , وفي السياسة يعني ذلك توبة السجين لسجانه ومعذبه , كما يتوب العبد الى ربه .
لهذه التوبة الأرضية اسماء تختلف من بلد لآخر , ففي مصر بقي اسم “توبة” في التداول , ففي مصر تم الافراج عن حوالي ٢٠٠٠ من الاسلاميين , والبعض منهم شارك في اغتيال السادات بمبرر التوبة , السلطة اعلنت عن توبة هؤلاء وعن اقلاعهم عن التطرف والعنف , وفي سوريا اطلق على عملية التوبة اسم ” الانسحاب والتعاون “, اغلب الظن ان الاسلاميين , الذي اطلق سراحهم حوالي عام ٢٠١١ , قد تابوا على الطريقة السورية , اي انسحبوا وتعاونوا , وقد رأينا في السنوات التالية لعام ٢٠١١ الى اين انسحبوا وكيف تعاونوا , !!حال الاسلاميين في مصر لايختلف عن حالهم في سوريا او حتى العراق , نفس التفكير ونفس الممارسة ونفس النتائج , هنا يجب التنويه الى أن مفهوم الاستتابة عند الديكتاتوريات ” السياسية ؟” , أرحم بدرجات من مفهوم الاستتابة الديني , الذي طرح الأمر بشكل واضح جدا , اما الموت قتلا او تحقيق الشروط الثلاثة المنكرة والتي ذكرتها في بداية هذا المقال , الديكتاتوريات الأرضية ارحم من ديكتاتورية السماء الممثلة بالانبياء .
كيف نقييم اطلاق سراح مجرمين بمبرر التوبة المضلل ؟؟, وهل يمكن القول بأن السلطة التي فعلت ذلك قد احتقرت العدالة واحتقرت أمن المواطنين , ثم احتقرت القوانين التي وضعتها بالذات , وهل يمكن القول بأن لهذه الفعلة دلالة على ان حقيقة هذه السلطات اسوء بدرجات من ادعاء العدالة , اذ أن اطلاق سراحهم كان مضادا لأي عدالة , والبرهان على ذلك سجلهم الاجرامي مباشرة بعد اطلاق سراحهم , وهل يمكن نفي صفة الاعتباطية عن هذه الممارسة , وهل من العدل اطلاق سراح الذبيحة الغير قابلة للانضباط والأنسنة , ليست السلطة, التي فعلت ذلك , غير قانونية , انما مضادة للقانون , ومضادة للشرعية , وغير عادلة , ولا تمثل مصالج عموم الشعب , الذي تم ويتم ارهابه وترهيبه من قبل هؤلاء المجرمين .
هل تعني التوبة اسئصال التائب لنفسه , وهل بقي التائب هو نفسه بعد تدجيل توبته , وهل تغيرت مسلكيات التائبين بعد التوبة ؟ , القانون يعاقب الشخص على فعلتة قام بها , لم تكن التوبة سوى عقاب لبقية الناس , الذين تعرضوا الى اجرام المجرمين التائبين زورا وتلفيقا .
من ناحية أخرى, يمكن رؤية نوعا من التبادلية بين السلطة التوابة وبين التائبين , الذين اطلق سراحهم , فالسلطة التوابة الرحيمة الغفورة بحاجة ماسة الى مفهوم التوبة , لأنها سلطة منفلتة توحشا , وقد برهنت السلطة مؤخرا عن توبتها لدى المجرمين الذين تابوا , ومن سمع خطاب الرئيس وخطاب وزير اوقافه يدرك تماما ميول السلطة الى التوبة , والى معانقة المجرمين من الاسلاميين السياسيين ,
من يسمع الخطب في حضور المؤمنين , يسأل نفسه لماذا يتعاركون ويتحاربون ويتقاتلون , وهم على توافق تام ومطلق حول جميع النقاط الرئيسية وحتى الفرعية , اذكر منها قضية دمج الدين مع الدولة , ثم الانتماء الديني , الذي عليه ان يبقى وراثيا , ثم قضية الانتماء للوطن السوري , الذي تحول الى انتماء عروبي -اسلامي …. شو هادي الأمة السورية ؟؟ هل سمعتم بها ؟؟؟, توجد امة عربية ولا وجود لأمة سورية , هكذا يرى الأمر وزير اوقاف دولة قوامها الأمة السورية ,
التوبة التي تمارسها السلطة التوابة مع التائبين , وعلى مدى القرن الأخير , كانت الأساس الذي بنيت عليه ثنائية التنافس -التقبل …. بعد كل مفارقة مؤلمة وخلاف دموي , تتكفل الاستتابة بتنقية الأجواء بين الاسلاميين من النموذج السني مع الاسلاميين من النموذج الآخر …. تقاتلوا في حماه , وبعدها بنيت المساجد واقيمت مدارس تحفيظ القرآن , وقبلها ادخلت مادة التربية الدينية , وقبلها اصبح الشرع الاسلامي مصدرا رئيسيا للقانون الوضعي , وسوريا تحولت الى كائن مؤمن , فدين هذا الكائن الاعتباري هو الاسلام , ودين رئيس هذا الكائن هو الاسلام , وقوانين الأحوال الشخصية اسلامية , وطرق التعامل مع المرأة اسلامية … الشهادة والارث وحضانة الأطفال وتزويج القاصرات وتعدد الزوجات … ثم القبيسيات والشباب الديني والمشروع رقم ١٦ …. هل كان من الضروري انتظار خطبة الرئيس وخطبة وزير اوقافة , لكي نتأكد من توبة السلطة ؟؟
تحولت التوبة الى فعل اخصاء , يعيق التعرف على حقيقة المجرم ويموه نوازعه الاجرامية .. يبررها ويغفر له القيام بها, ويحوله الى كبش مخصي لاينطح ولا ينكح شريكه في الرفض والقبول , يريدون تلقيننا فهما مخصيا لحرية الاعتقاد , التي هي أصلا حرية تغيير الاعتقاد , ومن يعتدي على حرية تغيير الاعتقاد , يعتدي على الاعتقاد … الفريق الديني الذي حطم سوريا بثنائية منظومته , التي هي العروبة المتأسلمة والاسلام المتعرب , يتحابب الآن مجددا كما فعل في الماضي وسيفعل مستقبلا , لذلك لامستقبل لسوريا معه , مستقبلها سوف لن يكون أفضل من ماضيها في القرن الأخير
