تعدد الزواجات ,الحروب والحل الخلاصي لنتائجها ..

  موسى برهومة:

  يسارع الخيال الذكوري إلى ابتكار حلول سريعة فيما خصّ القواعد الدينية، في حين يتلكأ أو يتشاغل عن قضايا أخرى أكثر إلحاحاً وأبعد أثراً.

ومن بين ما يتفتق عنه الخيال الذكوري لجهة ترويج وتسويغ تعدد الزوجات في الوقت الراهن، هو ربط “تعدد الزوجات” بما يجري في العالم العربي الإسلامي من اقتتال وحروب وعدوانات متواصلة أسفرت عن موت ملايين الرجال، وزيادة عدد النساء اللائي لا حلّ لمعاناتهن سوى بالزواج منهن، رغم أنّ ما يغلب على هذا الحل “الخلاصي” هو نشدان المتعة، لا تطبيق الحدود الدينية، وتجنيب النساء مخاطر العوز والاستغلال و”الانحراف” الأخلاقي!

ويُغفل هؤلاء المؤازرون لفكرة التعدّد أنّ الظروف الاجتماعية التي قضت بإجازة الزواج من أربع نساء لم تكن مرتبطة فقط بانحسار أعداد الرجال نتيجة الحروب والغزوات والفتوحات الإسلامية فقط، بل ربط النص القرآني التعدّد بمجموعة من الاشتراطات والقيود التي تضمنتها الآية الثالثة من سورة النساء “وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا”.

فالعدل، كما يرى الفقهاء، شرط لإباحة التعدد، فإذا خاف الرجل من عدم العدل بين زوجاته إذا تزوج أكثر من واحدة، كان محظوراً عليه الزواج بأكثر من واحدة،والمقصود بالعدل هو التسوية بين زوجاته في النفقة والكسوة والمبيت، ونحو ذلك من الأمور المادية مما يكون في مقدوره واستطاعته .

ومن شروط التعدّد القدرة على الإنفاق على الزوجات، والدليل على هذا الشرط قوله تعالى: “وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله”، فقد أمر الله في هذه الآية الكريمة من يقدر على النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف.

بيْد أن هذا التفسير التقليدي لمنطوق الآية الثالثة من سورة النساء يُغفل السياق التاريخي والاجتماعي لنزول الآية، كما يغفل عن أحد مكوّنات الخطاب القرآني هنا والمتمثل في الإقساط إلى اليتامى، وهو ما فصّل في توضيحه الدكتور محمد شحرور في مقال نشره في مجلة “روز اليوسف” المصرية في 25 فبراير (شباط) 2010 وحمل عنوان “التعددية الزوجية”.

فالأمر الإلهي للرجال بنكاح ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع، محصور في حالة واحدة حصراً هي الخوف من ألا يقسطوا في اليتامى، لذا يتعيّن، التدقيق في العلاقة السببية بين موضوع تعدد الزوجات واليتامى ذكوراً وإناثاً، ضمن هذا الإطار من السياق.

والمقصود باليتامى، وفق شحرور، هم من فقدوا آباءهم: “يريدنا تعالى ويأمرنا أن نبرَّهم ونقسط فيهم ونرعاهم وننمي لهم أموالهم وندفعها إليهم بعد أن يبلغوا أشدّهم. فكيف يتحقق ذلك؟ وهل نأخذ الأيتام القاصرين من أمهاتهم إلى بيوتنا، ونربيهم بعيداً عنها؟ هل نتردد عليهم في بيوتهم ونؤمن لهم حاجياتهم؟ يبدو الأمر وكأنه ممكن. ولكن يبقى احتمال ألا نتمكن من تنفيذ أمر الله كاملاً.في هذه الحال، حالة الخوف من عدم النجاح بالإقساط إلى اليتامى على الوجه المطلوب (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، جاءت الآية بالحل أي بالزواج من أمهاتهم الأرامل (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) والخطاب هنا موجه إلى المتزوجين من واحدة وعندهم أولاد، إذ لا محل في التعددية لعازب يتزوج أرملة واحدة عندها أولاد أيتام، بدلالة أن الآية بدأت بالاثنتين وانتهت بالأربع (مثنى وثلاث ورباع)”.

فتعدد الزوجات، يأتي بمقتضى الأمر الإلهي، بعد استيفاء شرطين: “الأول أن تكون الزوجة الثانية والثالثة والرابعة أرملة ذات أولاد، والثاني أن يتحقق الخوف من عدم الإقساط إلى اليتامى، وطبيعي أن يُلغى الأمر بالتعددية في حال عدم تحقق الشرطين”.

لكنّ العقل الذكوري الفقهي يتمسك بالتفسير الذي يخدم أهواءه وحاجاته وشهواته، غير مدرك أنّ التطوّر المدني لحقوق الإنسان، وفي طليعتها حقوق النساء والأطفال، جعل تعدّد النساء أمراً خارج السياق الحضاري، ما يستدعي النظر الفقهي المستنير في هذه المسألة المحورية، حيث يتم نسخ الآية، كما نسخت آيات قطع يد السارق، ودفع الجزية على أهل الذمة، ومشاطرة المؤلفة قلوبهم غنائم الحروب، وتعطيل العبودية، وسواها من أحكام لم تعد تستجيب لسنن التطور، وهذا أمر لا يتصادم مع المبدأ الإيماني للإسلام، بل يغنيه ويؤكد حيوية الخطاب القرآني.

وما تقذفه وسائل الإعلام في وجوهنا صباح مساء ما يؤكّد أن العقل الشهوانيّ، لا البطريركي وحسب، يسجن أفكار الرجال بالجنس، وضرورة تطبيق واجبات التعدّد، على ما ذكرت وثيقة وقعها معلمون في مدرسة ثانوية بمدينة إربد شمالي الأردن، حينما “تعاهدوا” على الزواج بثانية بعد مرور عام على زواجهم بالأولى، بحسب موقع “عمون” الإلكتروني. وزعموا، كما أنّ ذلك يأتي “لوضع الأمور في نصابها، وإحياء سُنّة نبوية، والسير على هدى الصحابة والأولياء والصالحين، والقضاء على ظاهرة العنوسة” في المجتمع الأردني.

بيْد أن مثل هذه الدعوات التي تدغدغ مشاعر الذكور المتورّمين بأوهام الفحولة، تغفل عن الغايات المقاصدية النبيلة من وراء النصوص القرآنية. ففي كتابه “دوائر الخوف” يدعو المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد إلى منع العمل بتعدد الزوجات، اعتماداً على ثلاثة محاور:

المحور الأول:

هو أن الآية التي تتحدث عن إباحة التعدد، مذيّلة بإباحة معاشرة مُلك اليمين، ومعاشرة مُلك اليمين منصوص عليها بالدرجة نفسها من الإباحة والوضوح الموجودين في مسألة تعدد الزوجات، والحال أنّ معاشرة ملك اليمين قد غابت تلقائياً بفضل التطور الواقع لوعي الإنسان عبر العصور، وتقدم السنن الاجتماعية وسيرورة الحياة.

فإباحة تعدد أربع نساء يجب أن تفهم من خلال طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة قبل الإسلام، باعتبار أن الإسلام قد جاء في ظرف كان الرجل فيه لا يقف عند حد معين من النساء في مسألة الزواج، فكان بعضهم يتزوج العشر والعشرين، وفي هذا السياق نرى أنّ إباحة هذا العدد- أي الأربع- يمثل تضييقاً لفوضى امتلاك المرأة من قبل الرجل قبل الإسلام، ونقلة نوعية في طريق تحرير المرأة من الارتهان الذكوري.

المحور الثاني:

وجود بعد في القرآن الكريم غير مذكور بصراحة، وهو البعد المضمر، و”المسكوت عنه” في الخطاب.ونصل إليه عبر الجمع بين الآيتين “وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” و”لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم” [النساء/129]. فالآية الأولى – وهي مؤكِدة للمحور الأول، من حيث اعتبارها تضييقاً للتعدد، تشترط الزيادة بالعدل.

والآية الثانية تنفي العدل بين النساء في حالة التعدد، وهو نفي مركب على مستوى الدلالة: نفي إمكانية العدل بين النساء نفياً أبدياً، ونفي محاولة الحرص على تحقيق هذا العدل.

وإذا أضفنا إلى ذلك، كما يقول أبو زيد، أنّ العدل مبدأ من المبادئ الجوهرية في الإسلام، نجد أنّ ثمة تعارضاً – من وجهة نظر القرآن – بين “المبدأ” الذي هو العدل، وبين الحكم بـ “الإباحة”، وإذا تعارض الحكم مع المبدأ، فلا بد من التضحية بالحكم حفاظاً على المبدأ.

وهكذا يكاد القرآن – في تطور سياقه الداخلي – يحرّم تعدّد الزوجات بطريقة ضمنية، أو بدلالة المسكوت عنه.

المحور الثالث:

وهو محور منطقي مبني على المحورين السابقين ومؤكد لهما، فإذا فرضنا أنّ إباحة الأربع نساء كانت تضييقاً لتعدد أوسع منه، فإنّ عنوان الإباحة لا ينطبق على هذا التضييق الذي كان بخطاب الإباحة؛ باعتبار أنّ التقييد يمثل صياغة قانونية معدّلة لحكم اجتماعي لم يعد يلائم تطور وعي الجماعة، ولا مستوى الوعي الذي أراد القرآن تحقيقه. وإذا انتفت صفة الإباحة عنه لم يعد داخلاً تحت المُباحات، ومن ثم لا يكون إلغاؤه محرماً، بل الأحرى أن نقول إنّ إلغاءه وقصْر الزواج على زوجة واحدة يعد بمثابة تضييق آخر رأى المشرع أنه يناسب تطور المجتمع. وهذا التضييق لا يندرج تحت باب “تحريم المباح”، أي أنه يخرج من حيز الأحكام الدينية ويدخل في حيز الأحكام المدنية.

ولو سلّمنا أنّ تعدد الزوجات حكم يقع ضمن دائرة المباح، فإنّ عدم فعله – ولو بالمنع عنه – لا عقاب عليه بحسب القاعدة الفقهية.

وإذا كان هذا رأي نصر حامد أبو زيد الذي يعدّ من أنصار الفكر الليبرالي التنويري، فإنّ رأياً يماثله قد جهر به قبل أكثر من مئة سنة على قول أبي زيد، وكان صاحبه رجلاً معمّماً هو الإمام الفقيه الشيخ محمد عبده الذي ذكر في مقال له نشرته “الوقائع المصرية” بتاريخ 8/3/1881: “قد أباحت الشريعة المحمدية للرجل الاقتران بأربع من النسوة، إن عَلِمَ من نفسه القدرة على العدل بينهن، وإلاّ فلا يجوز الاقتران بغير واحدة”.

وبعد استعراض شواهد من الآيات والأحاديث النبوية المؤدية إلى استحالة العدل بين الزوجات، فضلاً عن مساوئ تعدّد الزوجات الاجتماعية المختلفة، معتمداً على الاجتهاد في تأويل الآية المتعلّقة بتعدّد الزوجات وشرط العدل في ذلك، يقول عبده: “فاللازم عليهم حينئذ إما الاقتصار على واحدة إذا لم يقدروا على العدل كما هو مشاهد، عملاً بالواجب عليهم بنص قوله تعالى: (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة)، وأما آية (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) فهي مقيدة بآية فإن خفتم، وإما أن يتبصّروا قبل طلب التعدّد في الزوجات فيما يجب عليهم شرعاً من العدل”.

موسى  برهومة :

رابط  المقال:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *