الوصايا العشر للفلسفة… الجزء الأول

سعيد  ناشيد: 

  الوصية الأولى: اعرف نفسك بنفسك

يتعلق الأمر بعبارة قالها سقراط مستلهما إياها من معبد قديم، ومعناها ما يلي:

– عليك أن تعرف اللباس الذي يناسب هيئتك أنت بالذات.

– عليك أن تعرف النظام الغذائي الذي يناسب صحتك أنت بالذات.

– عليك أن تعرف التكوين الذي يناسب طموحك أنت بالذات.

– عليك أن تعرف السلوك الجنسي الذي يناسب ميولك أنت بالذات.

– عليك أن تعرف القُدُرات التي تناسب قَدَرَك أنت بالذات.

وبعبارة استلهمها نيتشه من شاعر قديم: عليك أن تكون أنت هو أنت بالذات.

الوصية الثانية: اجعل ذاتك تحقق نموها

ومعناها ما يلي: كل كائن يولد مزودا بإرادة النمو ( سبينوزا، نيتشه، برغسون… ). معضلة الإنسان أن حاجيات النمو لا تقتصر على البعد الجسدي ( الماء، والكلأ، والمأوى، والجنس ) بل تشمل البعد الثقافي ( الذوق، والحب، والجمال، والإبداع )، وتفاصيلها تختلف من شخص إلى آخر. لكل شخص على حدة ما ينفعه وما لا ينفعه في تحقيق النمو، سواء من حيث الذوق أو المزاج أو الجينات، أو مصادفات الحياة. لا يكون نمو الحضارة الإنسانية سوى ثمرة لنمو كل شخص على حدة. بهذا المعنى حين أحقق نموي الذاتي فأنا أساهم في نمو النوع البشري. لكن الملاحظ أن آليات التنشئة الاجتماعية في المجتمعات المحافظة والمغلقة تعيق النمو وتجهضه عن طريق آليات الضبط والمراقبة، ومن ثمة تقود إلى تدهور الحضارة المحلية، وقد تساهم في انحطاط الحضارة الإنسانية ولو بعد حين. كيف أساعد ذاتي على النمو؟ ثلاث أجوبة جوهرية في تاريخ الفلسفة يجب استحضارها في التربية والتعليم والثقافة والإعلام:

تنمية الانفعالات المبهجة ( الحب، الفرح… ) بدل الانفعالات الحزينة ( الخوف، الكراهية…) – درس سبينوزا .

تنمية غرائز السمو ( الطموح، الإبداع… ) بدل غرائز الانحطاط ( عقدة الذنب، الضغينة…) – درس نيتشه.

تنمية قوى الحب ( إيروس ) بدل قوى الموت ( ثاناتوس ) – درس فرويد.

والباقي تفاصيل.

الوصية الثالثة: استعمل عقلك بنفسك

وثمة أربع حجج كافية:

أولا، العقل مثل سائر الأعضاء إذا لم يعمل يموت. لا تنس هذا.

ثانيا، الإنسان حيوان عاقل بالتعريف. لذلك، فأنت حين تعطل عقلك لن تظل كائنا عاقلا، اللهم من حيث الاشتراك في الإسم ( إذا استلهمنا لغة المناطقة ).

ثالثا، العقل هو مصدر الأمر الأخلاقي ( يجب عليك أن تفعل كذا أو كذا ). وحين تعطل عقلك فلن تتلقى أيّ أمر أخلاقي من داخل ذاتك، ولن تُحسن التصرف سوى بدافع الخوف من العقاب أو الطمع في الجزاء، كما هي أخلاق العبيد. (الدرس الكانطي والأفق النتشوي).

رابعا، العقل هو أداة التحكم في الانفعالات. وعندما تُعطل عقلك تطغى عليك الانفعالات: الغضب، الخوف، الحزن، الغيرة، إلخ، وتقع من ثمة في الشقاء المزمن. ( الدرس الأفلاطوني والأفق السبينوزي).

الخلاصة، تتفق الفلسفة المعاصرة على أن العقل فاعلية وليس جوهرا. فلا يكون العقل عقلا إلا أثناء استعماله. لذلك، إذا لم تستعمل عقلك فلن تكون إنسانا عاقلا، ولن تكون مواطنا متخلقا، ولن تكون شخصا سعيدا. والحجة هنا كافية.

الوصية الرابعة: احكُم نفسك بنفسك

نستنبط من أفلاطون، ومن الرواقيين، ومن الأبيقوريين، توصية أولى تقول: تعلّم كيف تتحكم في انفعالاتك بنفسك.

نستنبط من كانط توصية ثانية تقول: تصرّف كأنك تشرع لنفسك بنفسك.

ثمة اتفاق في تاريخ الفلسفة على أن الأمر الأخلاقي الذي يقول لك “افعل كذا أو لا تفعل كذا”، ينبع من داخل ذاتك بالذات، سواء من الفطرة حسب روسو، أو من الضمير حسب دوركهايم، أو من العقل كما يؤكد كانط. ثمة توضيح كانطي: الأمر الأخلاقي لا تبرره أي غاية أخرى ( يجب لأنه يجب. نقطة على السطر ). مثلا، حين لا أسرق بمبرر أن المبلغ ليس مغريا، أو خوفا من السجن، أو خوفا من عقاب الله، فالامتثال هنا ليس أخلاقيا. وذلك لأن الواجب في هذه الحالة ليس غاية في ذاته، ولأنه -من جهة ثانية- لا يصدر عن العقل وإنما عن الانفعالات ( الخوف، الطمع، العجز، إلخ ).

حين يقول كانط “استعمل عقلك” فلأن العقل العاطل لا يصدر أي أمر أخلاقي. ومن ثمة لن يحسن الشخص التصرف إلا بوجود جزاء وعقاب، على منوال أخلاق العبيد. ما يعني أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس علماني. وتلك هي النتيجة المباشرة لرؤية كانط، بصرف النظر عن نواياه الأصلية.

لا تقوم الأخلاق على قاعدة الوعد والوعيد، التي تجعل الأمر الأخلاقي نابعا من خارج الذات. ذلك ما انتبه إليه علي بن أبي طالب نفسه يوم قال: إن قوما عبدوا الله خوفا وتلك عباردة العبيد، وإن قوما عبدوا الله طمعا وتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله شكرا وتلك عبادة الأحرار”. وهو ما انتبه إليه بعض المتصوفة حين أخرجوا الجزاء والعقاب من دائرة العشق الإلهي. وهو ما انتبه إليه حديث منسوب إلى الرسول يقول: “استفت قلبك، استفت نفسك”.. ويقول أيضا: “ْالبرّ ما سكنت إِلَيه النَفس واطمأنَ إِلَيه الْقلب، وَالْإثم ما لم تسكن إِليه النَّفْس ولم يطمئن إِلَيْه الْقلْب ، وإِن أفتاك المفتون”. رواه أحمد.

الوصية الخامسة: لكي تفكر يجب أن تشك

وثمة معطيات أساسية:

لم يكن سقراط بشيرا ولا نذيرا، لم يكن يدعو إلى أي حقيقة من الحقائق. كان دوره أن يدفع محاوريه إلى الشك في قناعاتهم، ولو باستعمال السخرية في بعض الأحيان. سخرية تُبين بأن قسوة الشك قد لا تخلو من نشوة الروح المرحة.

يشتهر ديكارت بعبارة “أنا أفكر إذن أنا موجود”، غير أن العبارة الأساسية هي التي تسبقها مباشرة وتقول، “أنا أشك إذن أنا أفكر”. إذ لا علامة تدل على التفكير سوى الشك. وعندما يقول ديكارت “يجب أن تشك ولو لمرّة واحدة في حياتك في جميع معتقداتك وآرائك السابقة ( تأملات ميتافزيقية -التأمل1) فلأن مسح الطاولة من كل الآراء المسبقة هو الشرط الضروري لبدء عملية التفكير. أن نفكر معناه أن نبدأ من الصفر، وألا نخشى الانتهاء إلى لا شيء.

عندما يطمئن قلبك لليقين فإنك تتوقف في الحال عن التفكير. وقتها قد تمارس الدعاية أو الدعوة أو التبشير لكنك لن تمارس التفكير. اليقين عدو التفكير، سواء تعلق الأمر بالتفكير الفلسفي كما يؤكد أفلاطون، أو التفكير العلمي كما يبين باشلار.

أما عن التفكير الديني، فالمبدأ نفسه: إذا جاز الشك في حقائق الدين بالنسبة لأب الأنبياء (ابراهيم) في قوله ( رب أرني كيف تحيي الموتى )، وهو من هو، وقد رأى ما رآه، فمعناه أن الشك بالنسبة لسائر الناس أكثر جوازا.

إذا كان الشك أساس التفكير، فبالمماثلة يكون الشك الديني هو أساس التفكير الديني. إذ لا هذا بلا ذاك.

سعيد  ناشيد:syriano.net

رابط   المقال  :https://syriano.net/2020/10

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *