ميرا بيطار :
في سياق الجهود المستمرة منذ ١٤٠٠ سنة لطمس الحضار السورية واعلان تاريخ ولادة سوريا بقدوم المجرمين من البدو كأمثال ابن الوليد وغيره, يتردد من قبل البعض على صفحات التواصل الاجتماعي نوعا من الاستخفاف بالحضارة الفينيقية , لذلك كانت ضرورة هذا المقال
كتب: مازن العليوي
الفينيقيون في الأساس مجموعات من القبائل الكنعانية التي استقرّت منذ الألف الثالث قبل الميلاد على السواحل الشرقية للبحر المتوسّط من شمالي مصب العاصي وحتى سيناء، ومن العقبة والبحر الميت وحتى الجزيرة الفراتية، وعرفت المنطقة السّاحلية باسم بلاد كنعان. أما تسمية “الفينيقيين” فمن المُرجّح أنّها أُطلقَت على البلاد التي شهدت ولادة الأرجوان الذي عرفته مُدُن الساحل، وأطلقه اليونانيون على العاملين بهذه التجارة.
صناعة الأرجوان
يقول “فيلون الجبيلي” إنّ الفينيقيين كانوا يسكنون فينيقيا منذ القِدَم. ويقول “هيرودوتس” إنّهم من أصلٍ أرتيريٍّ أتوا من البحر الأحمر، ولكن دراسات الحمض النووي الأخيرة، على أصل الفينيقيين، تبين أنهم الكنعانيون أنفسهم، والطبقة الفرعية المتوسطية القديمة. وطنهم الأصلي شرق البحر الأبيض المتوسط، وربما يعود إلى حوالي 10،000 قبل الميلاد، ولم يأتوا من أي مكان آخر، كما ادعي سابقاً وهذا يعني أن الفينيقيين الكنعانيين من السكان الأصليين.
سكن الفينيقيون سواحل بلاد الشام قبل الميلاد.. واشتق اسمهم من كلمة تعني اللون الأحمر باليونانية لاشتهار مدن فينيقيا بصناعة الأرجوان، وهو الصباغ الأحمر الضارب إلى البنفسجي المستخرج من أصداف الموركس.
ترجع نشأة المدن الفينيقية إلى آلاف السنين على الساحل المعروف في يومنا الحالي بالساحل السوري واللبناني والفلسطيني (ساحل سوريا الكبرى)، ودامت هذه المدن ما يقارب خمسة وعشرين قرناً.
وترجع أول إشارة إلى الفينيقيين في النصوص القديمة في الكتابات المصرية الفرعونية التي تطلق على الفينيقيين في منتصف الألف الثالث قيل الميلاد اسم الأسرى الشرقيين والحطابين، نظراً لاكتساء مناطقهم، ولا سيما الجبال بشجر الأرز الذي كانوا يحتطبون منه ويستخدمونه في التجارة مع مصر وغيرها.
عرفت الحضارة الفينيقية عصرها الذهبي منتصف الألف الأولى قبل الميلاد، واستمر ازدهار صور ونفوذها زمناً طويلاً في حوض البحر الأبيض المتوسط الشرقي، حتى ما بعد سنة 500 قبل الميلاد.
الموقع الجغرافي وأشهر المدن الفينيقية:
تقع فينيقيا في الطرف الغربي لقارّة آسيا وتمتدّ من جبل الكرمل جنوباً إلى أوغاريت قرب مصبّ العاصي شمالاً. مناخها مُعتدل إلى باردٍ، أمّا حيواناتها فكانت تعيش في غاباتها الممتدّة على السفوح الغربية للجبال، وقد انقرض معظمها. كما كان لطبيعة الأرض وتضاريسها ووعورة مسالكها الأثر الكبير في حياة السكان واستقرارهم. وأنشئت المُدُن مبتعدةً الواحدة عن الأخرى مُسيرة يوم واحد براً أو بحراً.
بلغت فينيقيا والمدن التابعة لها ذروة مجدها في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، إذ كانت اتصالاتها البحرية تشمل مناطق العالم القديم بأكمله وبلغت تجارتها درجة عظيمة. كان للفنيقيين أبجدية خاصة بهم، ولديهم كتابة كانت الأكثر تطوراً في عصرها، حيث تأثرت بها وبأبجديتهم المناطق المجاورة والحضارات الأخرى.
أنشأ الفينيقيون حوالى 25 مدينة كانت في معظمها مستقلةً الواحدة منها عن الأخرى، وكان أشهر هذه المُدُن: صور التي تألّفت من مدينتين: بحريةً بُنِيَت على صخرٍ بحريٍ وقامت بالمقابل لها مدينة عُرِفَت بصور البريّة.
أما صيدا فكانت تُعرَف ببنت كنعان وبُنِيَت على رأسٍ تقابله في البحر جزيرة صغيرة. وجبيل بُنيت على تلةٍ قرب الشاطئ وهي أقدم المدن الفينيقية، يعود تاريخها إلى أكثر من خمسة آلاف سنةٍ. وأرواد بُنِيَت على جزيرة البحر، طولها 700م وعرضها 400م ونشأت قبالتها على الساحل مدينة عمريت. أمّا أوغاريت فقد نشأت قرب اللاذقية وامتدّ نفوذها إلى المناطق الشمالية والشرقية من سورية، وقد عرف اسم “أوغاريت” لأول مرة إثر اكتشاف نصوص في “تل العمارنة” في مصر سنة 1887م.
مركز مهم للتجارة
وتبين من الحفريات التي جرت في رأس شمرة سنة 1922 أنها كانت عاصمة مملكة صغيرة ازدهرت في القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد، وقد حكمتها عائلة مالكة تعاقب منها على العرش 12 ملكاً. ووصفت هذه المملكة بأنها “مملكة الباحثين عن التجارة والجمال”.
كانت أوغاريت الطريق التجارية إلى مصر وبابل، ومركز بيع الأخشاب والأقمشة للبلدان المجاورة. وكان مرفؤها مركزاً مهماً للتجارة مع البلاد الواقعة على شاطئ البحر المتوسط، وكان يعج بالبضائع من جميع الأنواع. وقد امتدح الشاعر اليوناني هوميروس في إلياذته الأواني التي تصنع في أوغاريت، فقال: “لا توجد آنية أخرى تنافسها في جمالها”.
اكتشفت فيها أقدم أبجدية في العالم كتبت بها لغة أوغاريت، وهي تشبه اللغة العربية إلى حدٍّ ما ، وحروف هذه الأبجدية لا تزيد على ثلاثين حرفاً.
عاصمة فينيقيا هي “جبيل” أو “بيبلوس”. مدينة “جبيل” موجودة إلى يومنا هذا في لبنان، وهي أقدم مدينة مازالت مأهولة في التاريخ.
محطات تجارية
تتبع للحضارة الفينيقية المدن الواقعة على الساحل السوري الممتد من أقصى شمال سوريا حتى جنوب فلسطين مثل صور، صيدون (صيدا)، بيروت، جبيل، أوغاريت، الإسكندرون، عكا… كما أنها ضمت مدينة قرطاج.
صيدا: اتخذها الفينيقيون عاصمة لهم. انطلقوا منها ليؤسسوا محطات تجارية في دول عديدة وقد تحدث بعض علماء التاريخ عن وصول الفينيقيين إلى أمريكا الشمالية والجنوبية، كما قال البعض إنهم سبقوا كريستوفر كولومبس في اكتشاف القارة الأمريكية الشمالية بقرون عديدة. وعرفت مدينة صيدا بتجارتها التي سيطرت على المنطقة خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر.
جبيل (بيبلوس): اشتهرت جبيل بمكانتها الدينية والتجارية كما أنها عرفت بموطن ولادة الأبجدية الرومانية المأخوذة عن الكتابة الفينيقية. من الآثار الفينيقية الموجودة في مدينة جبيل: بقايا البوابات والأسوار المحصنة للمدينة، وهياكل عدة ومقابر ملوك جبيل التي تقع تحت الأرض.
صور: انطلق منها الفينيقيون بقيادة الملكة أليسار وهي ابنة الملك ميتينوس، ليؤسسوا مدينة قرطاج في شمال أفريقيا. أحرزت صور تقدماً في مجال التجارة مما جعلها تتفوق على صيدا. وقد عرف البحر المتوسط لفترة من الزمان ببحر صور. أما الآثار الموجودة في مدينة صور فتعد قليلة، ومنها: حاجز الماء وحائل الأمواج الذي يعد معزولاً عن ساحل المدينة، ومقبرة آحيرام الأول (الملك الذي حكم صور) التي تبعد بضعة كيلومترات عن المدينة.
بعلبك وعليسا وقرطاج وهانيبعل
بعلبك: أنشأها الفينيقيون في أوائل العام 2000 ق.م فبنوا فيها أول هيكل، وهو الذي أهدي لإله الشمس بعل. ومن هنا حصلت المدينة على اسمها. لكن الهيكل لا يمكن رؤيته الآن بسبب الأعمدة الرومانية التي بنيت فيما بعد في بعلبك. وكانت بعلبك، على عكس المدن الأخرى، معزولة عن التجارة.
قرطاج: تأسست في العام 814 ق.م على الملكة أليسار، والتي تعرف في تونس بـ”علّيسا”.. وجاءت إليها من صور مع أنصارها بعد موت والدها ملك صور، وخلافها مع أخيها على الحكم. عرفت قرطاج بعاصمة المجد وملكة البحار بسبب ما احتلته من مكانة عالية من الرقي والتمدن والازدهار. امتازت هذه المدينة بالحيوية والبراعة والإبداع. واستطاعت أن تسيطر على المستعمرات المغربية كما أنها لعبت دوراً حضارياً في شمال أفريقيا وجزر البحر المتوسط وبريطانيا. واشتهر منها “حنبعل برقا “الشهير بـ”هانيبال” أو “هانيبعل” أو “حنا بعل”، المولود في قرطاج سنة 247 ق.م، وهو من أعظم القادة العسكريين في التاريخ. اكتسح شمال أفريقيا وإسبانيا وفرنسا وسويسرا وإيطاليا وحاصر روما 15 عاماً، وكادت تسقط لولا أن قامت عليه ثورة في قرطاج في القرن الأول قبل الميلاد، فغيرت روما ساحة القتال إلى شمال أفريقيا. ويعتقد باحثون أن هانيبعل ينحدر من أسرة الملكة أليسار.
وهناك أيضاً مدن فينيقية أخرى مازالت حتى اليوم تحمل اسمها الفينيقي كاملاً أو مُحرّفاً ومنها: عكا، الصرفند (صرفتا)، الجية، بيروت، البترون، وطرابلس.
من إنجازات الفينيقيين:
اختراع الأبجدية:
يجمع معظم علماء اللغات والآثار على أن أختراع الأبجدية الأم، التي ولدت منها جميع أبجديات العالم مثل اليونانية واللاتينية والعربية والعبرية تم على أيدي الفينيقيين حيث وجد أقدم رقم (لوخ فخاري) مكتوب عليه الأبجدية في أوغاريت قرب مدينة اللاذقية في سوريا. المؤرخ هيرودوتس اليوناني نسب الاختراع إلى قدموس الفينيقي الصوري. ولما انتقل قدموس إلى طيبة نشرها بين شعوب أوروبا. وهناك آثار في مدينة طيبة في مصر (الأقصر حالياً).. عبارة عن نقش لصورة قدموس يعلم أبناءه الحروف الأبجدية. ومن أقدم الكتابات التي كتبت بالأبجدية الفينيقية منقوشات قبر أحيرام ملك جبيل أو “بيبلوس”. يذكر أنه وجد آثار لنصوص فينيقية في كل من مصر وقبرص وفي أكثرية حوض البحر المتوسط، وكانت تكتب اللغة الفينيقية من اليمين إلى اليسار.
ويعد اختراع الأبجدية من أعظم ما قدمته الحضارة الفينيقية للبشرية. ابتكرت هذه الكتابة عام 1100 ق.م وتتألف من 22 حرفاً يمثل كل واحد منها صوتاً معيناً. وسميت أيضاً بأبجدية جبيل. استعان الفينيقيون بالكتابة السومرية والمصرية القديمة ثم طوروها مع مرور الزمن. في البداية، كانت تكتب هذه الحروف على ألواح من الطين أو الفخار ثم فيما بعد، كتبت على أوراق البردى المصرية. لقد كتب الفينيقيون هذه الحروف من اليمين إلى الشمال (مثل العربية) ونشروها في جميع بلاد العالم شرقاً وغرباً، أسهم في نشرها قدموس الصوري. أكسب اختراع الأبجدية فينيقيا مكاناً مهماً في تاريخ الحضارة.
اكتشاف الصباغ الأرجواني:
كان الفينيقيون أول من اكتشف اللون الأرجواني فاستخرجوه من أصداف المريق وهي نوع من المحار وجد بالقرب من الشواطئ الفينيقية. أدخل الفينيقيون الصباغ الأرجواني على أقمشتهم فاشتهروا بصناعة الأقمشة الأرجوانية اللون.
صناعة السفن:
كانت السفن الفينيقية عبارة عن مراكب شراعية تتألف من سارية واحدة، شراع مربع، ومجاديف يدوية. اعتمد عليها الفينيقيون في تجارتهم وأسفارهم وتبادل صناعاتهم مع الدول الأخرى المجاورة لها والبعيدة عنها.
نظام الحكم:
لم يُشكّل الفينيقيون عبر تاريخهم الطّويل مُجتمعاً واحداً، بل تمتّعت كل مدينةٍ من المدن الفّينيقية باستقلالها ونظامها الخاص. ويتبّين من المعلومات حول المجمتمع الفينيقي أنّه كان مُجتمعاً هرمياً مرتكزاً على الثروة والمكانة الاجتماعية وليس على النّسب. فلم تَكُ طبقات المجتمع الفينيقي مُقفلة، بل كان بإمكان أيّ فينيقيٍّ أن يصل إلى أيّ مركزٍ أو مقامٍ اجتماعيٍ إذا توفّر فيه شرط الغنى. وعلى هذا الأساس انقسم الفينيقيون إلى ثلاث طبقات هي: الطبقة العليا وفي طليعتها أهل الحكم والمجالس، مجلس الشيوخ ومجلس الشعب، ثم رجال الدّين الذين كانت لهم مكانة دينية واجتماعية عالية، إضافة إلى قادة الجيوش. ثم طبقة الصّناعيين والتجار، وكانوا يتجمّعون على شكل هيئاتٍ مهنيةٍ يُعرَف رئيس كلّ منها بالرّب أو السيد. أما الطبقة الثالثة فكانت عامة الشعب، وهي شكّلت السواد الأعظم من المجتمع الفينيقي، وتالّفت بمعظمها من العمال والمُزارعين.
أمّا فيما يتعلّق بنظام الحكم، قبل نشأة المدن، فكان نظاماً قبلياً حيث كان شيخ القبيلة هو سيّدها وزعيمها وهو الحُكم والحَكم فيها. بعد ذلك تطوّر النظام القبلي نتيجةً للاستقرار ونموّ الزراعة والتجارة، وأفرز واقعاً سياسياً جديداً فتحوّل إلى نظامٍ مَلَكيٍّ وراثي، حيث كان الملك يمثل الآلهة، وله السلطة المطلقة في إدارة شؤون المملكة التي يحكمها. أما كبار المدينة ورجال الدين والقضاة فلعبوا دور مساعدي الملك في إدارة المملكة. أما الجيش فقد تكفل حماية المملكة وتأمين القوافل التجارية.
وعرفت بعض المدن الفينيقية النظام الجمهوري، إلا أن مدينة قرطاجة التّي بنوها في تونس اعتمدت هذا النظام منذ نشأتها واستمرّت عليه.
المعتقدات والدين الفينيقي:
إن مصادر الدّيانة الفينيقية هي الكتابات التي وُجِدَت في المدن والمتعلقة بأحداث ذات طابع دينيّ، وهذه الكتابات قليلة لا تذكر سوى بعض أسماء الآلهة. فقد عَبَد الفينيقيون، كغيرهم من الشعوب القديمة، مظاهر الطبيعة كالشمس والقمر، ولاحظوا تقلّبات الطقس وتعاقب الفصول فنسبوا ذلك إلى قوى خارقة وخفية عجزوا عن تفسيرها، فألّهوها واحترموها، ومنها الهواء والبحر والنهر والغيم والمطر والبرق والرعد. ومن أبرز مظاهر العبادة عند الفينيقيين أنها كانت تدور حول الخصب وعبادته، والبكاء والنواح على موت إلهة الخضرة عشتروت أيام الصيف، والابتهاج بقيامة الإله بَعل من الموت عندما تهطل الأمطار.
والفينيقيون شعب مُتديّن قدّموا لآلهتهم الصلوات وطقوس العبادة والاحترام. فقليلاً ما كانوا يذكرون آلهتهم بأسمائها، بل رمزوا لها من خلال صفاتها وذلك احتراماً لها وخوفاً منها. وكانت العبادة تُقام في هياكل خاصةٍ أعطى الفينيقيون اهتماماً بالغاً لاختيار أماكنها. أما أشهر آلهتهم فهي:
– بعل ومعناه الرّب أو السيد، يعمل للحياة ويكره الموت.
– داجون هو إله المطر والمجاري المائية.
– أدون أو أدونيس أو أدوني الذي اشتهرت عبادته في مدينة جبيل.
– موت هو إله الجفاف والموت.
– ملقارت أي ملك القرية أو المدينة. كان إلهاً لمدينة صور.
– أشمون هو إله الشّفاء.
– عشتروت هي إلهة الحب والجمال.
– البعلات، مفردها بعلة، وهي زوجة البعل.
ومن مظاهر تكريم الفينيقيين لآلهتهم تخصيص يومٍ معيّنٍ أو أسبوع معيّن في السنة يحتفلون فيه بعيد إلهٍ معيّنٍ، فيقيمون لذلك احتفالات دينية يتوافد الناس لحضورها من مختلف المناطق.
لم يعد الفينيقيون أن الموت هو نهاية الإنسان، كما آمن بذلك معظم سكّان بلاد ما بين النهرين. كما لم يؤمنوا بعودة الروح إلى الجسد، كالمصريين. لكنّهم اعتقدوا أن النفس خالدةٌ وأن القبر هو بيت الإنسان الأزلي، وأن الروح تخرج من الجسد لكنّها لا تقطع علاقتها به إنّما تبقى بجواره. لذلك فقد وضعوا في قبور موتاهم إلى جانب الجثة بعض الأدوات والحلي.
