مسيحيو سوريا والخطأ التاريخي ,ملاحظات…

 سمير  صادق  :

لم  تتوقف هجرة المسيحيين    وهروبهم الى الخارج لحظة منذ أكثر من نصف قرن  ,  بعض  الضجيج  بخصوص مسيحيي الشرق  عموما ومسيحي سوريا خاصة  يتناسب  مع  معدلات النزوح ,  فحتى  عام ٢٠١١  تناقص عدد المسيحيين  الحقيقي الى النصف  دون أن تعرف  الفئات الأخرى  معدلات  هروب ونزوح مشابه  , بعد  عام ٢٠١١  وحتى هذه اللحظة لم يكن هناك نزوح مسيحيي  حصرا  , انما أصاب النزوح  واللجوء  كامل فئات الشعب   وخاصة السنة , مع وجود فارق  نوعي بين لجوء السني  الى الزعتري مثلا  وبين لجوء المسيحي الى أوروبا ,  فعدد المسيحيين في الزعتري  يعادل تقريبا الصفر, ولهذا التباين أسباب تاريخية  معروفة   لالزوم    لتحليلها ومناقشتها .

الهروب من الوطن مهما كان السبب  ومهما كان الهارب ومن كان,  يدل على وجود “خلل”  عميق   في العلاقة  بين الوطن والمواطن , ومن الأدق القول بين المواطن  والسلطة التي تمثل الوطن ,  وفي الحال المسيحي  من الممكن القول  على أن الخلل له علاقة أساسية بالانسان المسيحي  وبالسلطة معا  ولربما بالتساوي,   لقد  أخطأت السلطة   وأخطأ الانسان المسيحي  أيضا  , وخطأ السلطة يعود  الى بدائيتها  واجرامها , يعود بشكل رئيس وأساسي  الى كونها  غير مؤهلة  لقيادة البلاد  , حيث عليها تحويل  الأمة الى مجتمع  , السلطة قامت بالعكس تماما   اذ  عمقت   شرذمة  الأمة   وحولت هذه الأمة الى شكل أكثر بدائية  , حولت الأمة الى عشائر  وطوائف وعائلات     تحت سقف ديكتاتوري  فاسد   ولمدة  اللانهاية .

السلطة حرمت الشعب  بالحديد والنار  من فوائد  وحظوظ  التغيير ,  فلا بأس  من وجود سلطة  فاشلة  لعدة سنوات  , التغيير  يأتي بسلطة أخرى قد تكون أنجح منها ,  الا أن الأسد يريد  بالقوة  البقاء  سيان ان كان ناجحا أم فاشلا , المهمم نجاحه  في البقاء  الذي أصبح هدفا  وليس وسيلة , فالبقاء بالنسبة  له  هو الألف والياء ,  وعن طريق البقاء  يمكن له  استمرارية تجنيد  الزبانية  وتأمين  ريعية خدماتهم له  , وبذلك انقسم الشعب الى سارق ومسروق  , الى ظالم ومظلوم , ومن يعترض له  السجن والموت تحت التعذيب .

بالنسبة للمسيحيين  يجب التفريق بين الانسان المسيحي  وبين رجال الدين المسيحيين  ,  الانسان المسيحي هرب  من ظروف حياة  يجب أن تقود الى هروب الجميع , , الا أنه  ليس بامكان الجميع الهروب  , حيث يتطلب الأمر  دولة مضيفة وأمر  المسيحي في هذا المجال كان  أسهل من أمر غيره  , لذلك يمكن القول على  أن السمة  الرئيسة لهجرة المسيحي هي البحث   عن الأمان  وعن  وطن   يؤمن  لمواطنيه  المساواة والعدالة  الاجتماعية ,

يقال على أن  الأسد لم يستهدف المسيحيين بشكل خاص , وصدام لم يستهدف المسيحيين بشكل مباشر ,  الا أن هذه المقولة سطحية  جدا , نعم استهدف صدام المسيحيين  واستهدف الأسد المسيحيين   بشكل  فاقع  واجرامي  , فالمسيحي في سوريا  أصبح  مواطن من الدرجة الثانية ,  والأسد  رحب  بهذا المواطن الذي  يكتفي بالفتات ,  ثم يتملق  ويلحس الأظياظ  ولا  يشاغب  ولا يتمرد  ,  يتم   اعطاء  هذا  المواطن  وظيفة اذا لم يتوفر للوظيفة  علوي , مثلا  من الصعب أن يصبح المسيحي رئيس قسم في الجامعة  , فالرئاسة  وملحقاتها مثل البراطيل  والكسب الغير مشروع هم  من  نصاب العلويين   ,  يأتيك  بسام أبو عبد الله  وقد تبضع من كازاخستان  شهادة الدكتوراه حتى   بدون  دراسة  ثم  يتم  تعيينه رئيس قسم العلاقات الخارجية  في الجامعة السورية  , يعلن نفسه معاد محمد على أنه حامل للماجستير في العلوم السياسية  ,  ومؤخراعرفنا  على أنه  لايحمل الشهادة الاعدادية ,فالرئيس أنعم عليه باللقب  وأعطاه  شهادة  جامعية …   يأتينا  اللواء  بهجت  سليمان  بلقب  دكتور  من  رومانيا   ,  وهو   لايلم  بألف  باء  اللغة  الرومانية  ….هذه  هي  سوريا !!

   لو   لم تستهدف الأسدية المسيحيين   , لما  كانت  هناك حاجة للهروب , والهروب حقيقة وواقع  تبرهنه الأرقام  , ثم ان الأسدية استهدفت المسيحيين بشكل    مريب  , ترسيم  كاهن مسيحي يتطلب موافقة الأمن  , ترسيم مطران  أو حتى البطرك  يحتاج الى موافقة أمنية  وتعهد خطي   بامداد المخابرات   بمعلومات عن أفراد الرعية  , ثم اجبار رجال الدين على القاء الخطب  المسبوقة  الكتابة  والتصريحات  المؤيدة , لقد نجح الأسد في   تأليب  بعض  رجال الدين المسيحي  حتى على المسيح   أبن مريم , هاهو  المطران لوقا الخوري يرتدي البدلة العسكرية  ويطلب من الشباب المسيحي حمل السلاح , وذلك  بشكل  لايستقيم اطلاقا مع  الروح والفكر المسيحي ,    زندق   بعض  رجال  الدين  المسيحي ,  وبذلك  أصبحوا  عرضة  للاحتقار من  قبل   معظم  المسيحيين .

أما في العراق  فقد أرغم صدام  السيد يوحنا ميخائيل  على تغيير اسمه الذي أصبح طارق عزيز ,  فالتسامح  الصدامي الاسلامي لايحتمل حتى الاسم المسيحي ,  وميشيل  عفلق   لم يقتدر على الموت  مسيحيا , لقد أجبره صدام   على اعتناق  الاسلام قبل وفاته ..هل كل هذا ليس استهداف  ؟ والأفدح من ذلك هو  محاولة  توريط المسيحيين  في حروب ليست  من  مصلحة  الوطن ,  ليس  من  مصلحة  أي  سوري   أن  يتحارب  مع  سوري  آخر  .

لقد قاد حشر المسيحيين  في معارك صدام مع  الفئات الأخرى  الى  عداء مع هذه الفئات مما قاد الى تفريغ العراق من المسيحيين بعد زوال صدام  ,   وحشر المسيحيين في حروب  الأسد  سوف يقود الى النتيجة نفسها  ,  فلا صدام ولا الأسد احترموا  الكيان المسيحي , بل أن سياساتهم  قادة  الى التفريغ شبه الكامل للمسيحيين خاصة في العراق لحد الآن , تطور يسير باتجاه الهروب هو البرهان الأكيد على الاستهداف  , والقصور في فهم آليات الاستهداف  لاينفي وجوده.

لايقتصر ارتكاب  الأخطاء على السلطة ,  فالمسيحي السوري بشكل عام  ارتكب أخطاء فادحة , منها على الأقل  عدم  التبرؤ   الصريح  الواضح من  بعض  رجال الدين , والسبب  هنا  يكمن  في عدم  مبالات   المسيحيين   برجال  الدين   وتصرفاتهم  وشؤونهم  , منها أيضا  السماح للأسد  بعسكرة  بعض المسيحيين  , ومنها عدم معارضة المسيحيين الصريحة  لمقولة  طاعة السلطان  التي يعرفها الاسلام  ..تسعة أعشار الايمان  في طاعة السلطان , حتى ولوصلى سكران  , حتى لو قتل الغلمان  , حتى  لو أجرم وخان  , حتى لو باع الأوطان !!!, لقد كان بامكان  المسيحي  أن يعرف قبل غيره  عبثية وعدمية  الديكتاتوريات ,في الأحاديث  الخاصة بين أر بعة جدران  لم  أتعرف على  مسيحي  الا  ولم يعارض الأسد  مبدئيا  , الا  أنه  للاستكانة   للأسدية  ظروفها  الخاصة,   انهم لايريدون داعش ,لذلك  استكانوا  للأسدية  , وفي هذه الحالة ارتكبوا  الخطأ الأكبر   , ألا وهو  اعتقادهم بأن داعش يمكن أن تستولي على السلطة , قلنا  مرارا ان ذلك مستحيل ,  وأحداث العراق أثبتت استحالة ذلك   , فعندما هددت داعش بغداد تدخل الغرب  , والغرب سيتدخل  عندما تهدد داعش دمشق   وعندما  يصبح استيلاء داعش على السلطة أمرا ممكننا  , الغرب لايريد الأسد ولايريد داعش , الا أنه لم  يريد   أن ينتصر طرف على الآخر , الحرب تقود الى تآكل كل منهم  , وبالنهاية  يأتي التيار  الثالث ,    الحاضر  لم يبرهن   عن  صحة  هذه  الفرضية   بشكل  كامل  !

أما عن الخطأ العلوي  الذي ارتكبه  مسيحيو سوريا  ايضا ,  فيمكن القول مايلي , لقد أخطأت الطائفة العلوية برهانها الأناني على الأسد , ولم يبدوا من هذه الطائفة أي تحرك باتجاه  انتقاد الأسد   ومعارضته  , الا بعد أن تكاثرت التوابيت , لقد  تجاهلت الطائفة أمرا انسانيا مهما ,ألا وهو توابيت الآخرين , وقد كان من الانساني  أن تتخلى الطائفة عن الأسد عندما تكاثرت توابيت  السنة  أيضا  , الا ان الطائفة لم تفعل شيئا  أساسيا بهذا الخصوص , ومعظم مسيحيي سوريا  تملقوا  للظالم  لطالما  اعتقدوا على أن الظالم يحميهم  ,هربوا عندما ضاقت بهم الحال  , ولم  تزعجهم  توابيت السنة  بشكل مبدئي  , لقد راهنوا  على  الجهة البائدة لامحالة  , فادراكهم  للقيم الانسانية وحب الغير لم يكن مسيحيا اطلاقا  , الا أنه توخيا  للدقة يجب القول على  أن من مارس ذلك بشكل أساسي  كانوا رجال الدين المسيحي  وليس  أفراد الطائفة المسيحية  بشكل عام  , لقد وقعوا في  أتون العداء التاريخي مع  أكثرية مذهبية  ,  وعلى من  يدعم الأسد  أن يتحمل نتائج دعمه  له , والنتائج  أكثر من واضحة , انظروا الى العراق.

سمير  صادق  :syriano.net

رابط  المقال  :https://syriano.net/2020/06

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *