فسحة رمضانية !

   زيادة في صلوات التراويح.. زيادة في أسعار الموادّ الأولية.. زيادة في الإسراف والتبذير.. زيادة في المخالفات المرورية.. زيادة في عدد المحجبات.. زيادة في معاكسة الفتيات.. زيادة في الأمراض الهضمية والقلبية…

ما الذي يحدث؟

لا تقلقوا! كلّ ما في الأمر أننا في شهر رمضان.

كنت ولا أزال أتساءل : لماذا لا تريد “فوائد الصوم”، التي يتغنّى بها الجميع، أن تتجلّى إلا بنحو مخيّب للظنون والآمال؟

فالأطباء “الثقات”، الذين يخبرون الناس في بداية شهر الغفران عن الفوائد الصحية للصوم، ما تلبث عياداتهم أن تمتلئ بعد الإفطار وفي آخر الشهر بالمصابين بأمراض الجهاز الهضمي وما شابه. والمدرّسون “الدعاة” الذي يحرضون التلاميذ على الفوائد النفسية والخلقية للصوم، هم أوّل من يشتكي من كثرة تثاؤب  التلاميذ الصائمينوقلة أدبهم. وعلماء النفس والاجتماع “المتديّنون”، والذين يكتبون عن الفوائد الاجتماعية للصوم، هم أول من يقف حائرا أمام تفشي مظاهر العنف الاجتماعي خلال هذا الشهر الكريم.

هل ثمة فوائد خفية لشهر الصيام أم أننا فقط نبحث عن القطّ الأسود في الغرفة السوداء؟

اعتدت في السنوات الماضية على قضاء شهر رمضان في مدينة فاس العتيقة، تلك المدينة التي لا تحضر في الأدب المغربي إلا من خلال زمن أفعال الماضي البعيد. هناك ما يزال الناس يستعدّون للمناسبات الدينية كما لو أنهم يستعدّون لمراسيم وطقوس زفاف أندلسي.

وأيّ زفاف هذا!؟

جولة في فاس العتيقة قبيل آذان الإفطار:

أهل فاس مهذّبون، طيبون ومسالمون، لكنّك في رمضان الكريم، لا تكاد تمرّ بشارع إلا يصادفك مشهد من مشاهد العراك الدموي والتلاسن الحر. ولا ينذر أن ترى مشاجرة طويلة النفس لا تنفضّ إلا بصوت آذان وجبة الفطور. وفي الليل قد تصادف نفس الأشخاص متأبّطين سجاداتهم مهرولين إلى صلوات التراويح التي تملأ المساجد والشوارع المجاورة وكثيرا ماً تغلق بعض الطرقات، حيث الجميع مصطفّون صفّا صفا كالبنيان المرصوص. مشهد ليلي مهيب حين نصادفه في كل مكان، وهو يقدم صورة غير ضرورية عن أسلوب مسلمي اليوم في الصلاة.

الإسلام، هو أني عندما أجد المسجد مكتظا عن آخره، أعود إلى البيت للصلاة فيه، ما المشكلة؟ طالما بوسعي أصلا أن أصلي فوق الجمل أو في القطار أو الطائرة حتى؟

في الإسلام لا قداسة للأرض التي يبنى عليها مسجد، لا قداسة لجدران المسجد، لا قداسة للمسجد، لا قداسة لمن يؤم الصلاة بالناس. وكم يبدو معيبا أن أوضح مثل هذه الواضحات. فهل ضروري أن نجسد مشهد البنيان المرصوص في الشوارع كما لو كنا نتأهب لغزوة ضد طواحين الهواء؟

من هو المسلم إذن؟

هو من سلم المسلمون من لسانه..

لا يمكنني أن أكون مسلما إذا كنت مخيفا ومرعبا أو كنت أبدو كذلك، أو أتصرف بما يجعلني أبدو كذلك. ليس الجبن هو أن أبدو خائفا فقط وإنما الجبن أن أبدو مخيفا ومزعجا أيضا. وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يدعوني إلى ممارسة العنف على من يفطر أمامي في شهر رمضان، ما الحكمة في أن أجعل الآخر يخاف من أن يُفطر رمضان أمام عيني؟

ماذا يستفز في داخلي؟

أية هشاشة يفضحها في ذاتي، حتى أهم بتهشيم رأسه؟

بهذا النحو فإني لا أمارس غير العنف ضد الذات في صورة الآخر الذي يشبه ذاتي لأنه مسلم مثلي. إني أعنف المفطر لأني بتعنيفه أكبح جماح رغبتي اللاشعورية في إغراء (معصية) الإفطار، لولا أني بدوري أخاف من جحيم الآخر، أو من الآخر الذي يتحول جحيما لا سيما في هذا الشهر الحرام.

إننا لا نلعن امرأة من “الكاسيات العاريات” إلا لأننا نشتهيها بغرائزنا البدائية، ونحاول بلعنها أن نقمع هشاشتنا التي عرتها وفضحتها، ونقوم بذلك كنوع من العنف التطهيري، وهو أيضا عنف بدائي. هذا هو أصل العنف حتى ضد “عصاة الدين”، إنه شكل من أشكال العنف التطهيري من جاذبية الخروج من الدين التي يضمرها كل مسلم في وجدانه.

لكن ماذا عن رمضان؟

تزامن شهر الصيام هذا العام مع شهر الشاطئ والاستجمام، لذلك ارتأيت باتفاق مع زوجتي أن نمضيه على شاطئ البحر، فربما يكون شهر الغفران فوق رمال الشاطئ أكثر مدعاة للأمن والسكينة التي نفتقدها في إسمنت العنف الاجتماعي “للصائمين”، وربما يساعد الموج المالح على إطفاء غضب من يغضبهم الإمساك عن السوائل والأطعمة والنساء في شهر حمّارة القيظ.

وصلنا إلى هناك في أول يوم من أيام رمضان قبل موعد الإفطار. لم نستوعب أول مشهد صادفناه : تلاسن حاد بين بعض النسوة. لماذا النسوة هذه المرة؟

لم ندرك الجواب إلا في يوم الغد عندما لاحظنا بأن الرجال وحدهم من يستحمون في الشاطئ، أما النساء فإننا في شهر الصوم والغفران.

قالت زوجتي : عليك أن تتحمل غضبي إذن .
شهر كامل !؟ هذا كثير.

سعيد ناشيد :syriano.net

رابط  المقال :https://syriano.net/2020/05

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *