سمير صادق:
هل أصاب أنطون سعادة بقوله ان العروبة مرض نفسي ؟؟؟, لننظر الى انفسنا …نبحث ونسأل عن مسببات الفشل الذي منيت به أوطان العروبة والعروبيين والاسلاميين , فمعها ومعهم خسرت بلدان العروبة الاسلامية كل تحديات ومعارك الحياة, ان كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية وحتى العسكرية, الاعتماد كان شبه مطلق على العروبة الاسلامية , وبعد الهزيمة أو الهزائم بحثت عقول العروبيين -الاسلاميين عن السبب , انتفخت الرؤوس وتورمت, وظنينا حبل هذه الرؤوس بجنين الأفكار النيرة , التي لم تنجبها , وانما انجبت فأرا أو جربوعا اسمه “مؤامرة” , مهمة الوليد الجديد كانت ازاحة المسؤولية عن الوالدين أي العروبة والاسلام السياسي واسقاط هذه المسؤولية على الغير , وبذلك ظن أهل الجربوع أي أبو جربوع وأم جربوع , بأنهم ابرياء من أي ذنب أو تقصير , وما حدث لايقع في اطار مسؤوليتهم , فالمؤامرة كانت المسبب الأول والأخير للنكسة أو النكبة اللعينة, انها ليست هزيمة ولكنها نكسة ونكبة, والفرق لغويا بين النكسة والهزيمة كبير جدا .
فتح الجرابيع الباب على مصراعيه للنشوة , وكأن شيئا لم يكن !! , النشوة حبلت أيضا وانجبت ثعبان التفاخر والعنتريات والغرور والرعونة ومرض الانفصام والازدواجية , وحتى نتائج ” التآمر” كالفشل والفقر والفاقة, لم تلفت أي انتباه أو اهتمام لدى العروبيين – الاسلاميين , لم يسع هؤلاء الى ازالة ما أتلفته المؤامرة لعنها الله , فعلى المؤامرة والمتآمرون أن يصلحوا ما أفسدوه …عليهم تمويلنا , واستقبال لاجئينا , واطعامنا , وتحريرنا من ذاتنا الديكتاتورية , وتوحيدنا, واقامة دولا لنا , عليهم أيضا زرع الديموقراطية في نفوسنا وتخليصنا من استبدادنا الذاتي , وتسليح ثوارنا وسلطاننا …تنصحهم بالعلمانية فيجيبون اسلامية , تنصحهم بفصل الدين عن الدولة , فيصرخون الاسلام دين ودولة … من يتمعن في حال بلادنا واتكالية شعوبنا والقييمين عليها , ثم الجرابيع والثعابين التي انجبوها وطرق تفكير عروبتنا واسلامها لايسعه الا القول , أننا وقياداتنا الملهمة , كنا وبقينا مضرب المثل في السذاجة البلهاء , والجهالة الحمقاء …عقليا لسنا أسوياء !.
أعود الى سعادة وتعريفه للعروبة , وأسأل نفسي ان كان مبالغا أو واقعيا موضوعيا !, , وهل تسمح مسيرة أوطاننا بتقييم مخالف أو معاكس لتقييم سعادة ؟, وهل يمكن لعائق ان يدمرنا بالشكل الذي نعايشه الا عائق المرض العضال … انه مرض العروبة- الاسلامية النفسي, ومرض الادمان على الفشل وممارسة الانتحار واحتقار الحياة.
أنا ياصديقي متعب بعروبتي , فهل العروبة لعنة وعقاب؟ (نزار قباني), يبدو أن العروبة ليست مرض نفسي فقط , وانما عقاب ..انها كذبة كبيرة انخدعنا بها نحن السوريين لعشرات السنين , وفي سبيلها ضحى السوريون بذاتهم القطري , فالشعب انطلق منذ بدايات القرن العشرين , متجاوزا مصلحة الكيان القطري السوري, ومتلهفا الى رقعة أمل ومستقبل أوسع وأشمل هو العالم العربي من المحيط الى الخليج, باحثا عن حياة ومستقبل أفضل , هكذا هيمن بناء ثقافي سياسي عروبي -اسلامي على عقول الناس في جميع المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية , هكذا كان موضوع الهموم , لقد حملت سوريا الهم العربي قبل الهم السوري , , لقد أخطأت سوريا وأخطأ السوريون بتفضيلهم الغير على ذاتهم ؟ , والغير لم يكن الا كذبة كبيرة ولعنة الحقت بنا وعقاب ! .
لقد اقتسم السوريون مع العروبة رغيف الخبز وثمار الشجرة وحجر البناء , وهبوا العروبة قلبهم الذي نبض , ماذا فعلت العروبة بقلبها النابض ؟ لاحاجة لسماع الجواب , فنظرة عابرة تكفي للتعبير عن الجواب ….وطن قتلته سكاكين الكلمات وجنازير الدبابات وبراميل الطائرات الساقطة من السماء و على الأرض مسالخ الآيات وسواطير الجهاديات … هذه كانت .. ثمار العروبة -الاسلامية , من ثمارهم تعرفوهم..!
هل من الممكن تبرأة العروبة-الاسلامية من معظم المسؤولية أو حتى كلها عن الفشل والرداءة والتردي , وهم من حولوا العروبة والدين الى سياسة, ولا مصير للتقافة(العروبة) المسيسة سوى التيبس , ولامصير للدين المسيس سوى التعاسة , اضافة الى ذلك القضاء على السياسة , التي لاتستقيم مع احكام الدين , والقضاء على الدين , الذي لايستقيم مع أحكام السياسة , لقد أفلسونا بنظرة ميتة حول تأسيس الدولة وتطوير الشعب الى مجتمع , فعندما بدأ العروبيون بالتفكير القومي العربي , كان الغرب على مشارف نهاية الفكر القومي ,عندما صفقنا للقومية العربية, كان العالم قد تجاوز الفكر القومي وصفق للأممية التي طورها الى العولمة العالمية , لم تتمكن أوطاننا من مواكبة التارخ وتطور البشرية, لذلك سقطت خارج التاريخ , وتحولت الى ذيل متطفل على البشرية بكل شيئ .
هناك ميل ادماني على التراثيات , وشغف بالقديم ,كمعاوضة عن الفشل بصنع الجديد , واصرار على استحضار السيئ من القديم , لابل كله , الذي تحول بعامل الزمن الى سيئ ,هناك نزعة ضدية ضبابية غير مفهومة للحداثة ….شغف في ممارسة الطاعة المعاكس لطبيعة البشر ..طاعة النص الجامد ثم الانصياع لارادة الغيبية الغبية , يريدون وحدة عربية ويريدون دولة اسلامية دون التفكير بامكانية تنفيذ هذه المشاريع, وحتى دون التفكير بجدوى هذه المشاريع , تبعزقت الجهود وتحولت الى عبثية عدمية , وانقلب السحر على الساحر , فالسعي الى الوحدة العربية , تحول الى شرذمة, والدول التي عليها أن تتحد مع غيرها تفككت الى عشرات الكيانات , وحتى الحديث عن الوحدة تحول الى مصدر للهلع والخوف من الوحدة وليس عليها … كل الأحلام تحولت واقعيا الى عكسها , مطلب الحرية الى استعباد , ومطلب الحداثة الى ترسيخ للماضوية , حاربنا “التلوث” بأفكار الغرب دون منتجاته , وكأنه لدينا حضارة وثقافة ومفاهيم تمكننا من مواكبة حضارة الغير , اخصائيون في صناعة الأعداء , وبذلك شق علينا طلب الدواء ممن اعتبرناهم مصدر الداء , تحولت الحداثة الى رديف للعدو الافتراضي, ورفضها رديف لرفض العدو الافتراضي , رفض العدو لم يقترن بالسعي الى امتلاك المقدرة على مصارعته أو حتى الاستغناء عنه , بقينا أخصائيون بالشتم والهجاء والتقريع والردح والتكاذب والغرور والعنصرية , وبهذا الاختصاص تفوقنا على الاستعمار , وصرعناه قتيلا بسلاح الخطب الطنانة الرنانة , والزعيق المدوي والضوضاء….أمة صوتية !
الأخذ بمنهجية التطوير والتحديث نقلا عن الغير المتقدم ولنقل الاستعمار! كان الشيئ الوحيد الذي كان بالامكان الحصول عليه مجانا , الا أن الحرص توجه الى الحماية من التلوث بالحداثة ,ولو لم تكن عقولنا مصابة بلوثة كبيرة , لتمكنا من التفريق بين الحداثة والتحديث , الذي اقتصر على الاستهلاك , رفضنا نعمة الخلق وانتظرنا نعم الخالق , ومنذ عشرات بل مئات السنين ننتظر …لايبدو على انها آتية !!
سمير صادق :syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2020/04
